أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مرتضى العبيدي - من الصلح الجزائي الى الشركات الأهلية: عندما تؤسس السياسة على الأوهام















المزيد.....

من الصلح الجزائي الى الشركات الأهلية: عندما تؤسس السياسة على الأوهام


مرتضى العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 14:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في البدء كانت لجنة المرحوم عبد الفتاح عمر
واسمها الكامل "اللجنة الوطنية لتقصّي الحقائق حول الفساد والرّشوة" التي كانت من أولى اللجان التي تمّ إحداثها مباشرة غداة الثورة (18 جانفي 2011) وواحدة من اللجان القلائل التي تم بعثها آنذاك والتي أوفت بوعدها ورفعت تقريرها في وقت قياسي (نوفمبر 2011)، قبل وفاة رئيسها يوم 2 جانفي 2012، حيث أن الفساد والرشوة كانت من الآفات التي تقضّ مضاجع التونسيين الذين طالبوا بالكشف عن حجمها وآليات اشتغالها تحت حكم بن علي، والكشف خاصة عن رموزها والمتورطين فيها من أجل محاسبتهم وتحميلهم المسؤولية الجزائية لأفعالهم. وقد أسفرت أعمال اللجنة عن ضبط قائمة تضمّ قرابة 460 من رجال الأعمال كانوا قد استولوا بطريقة أو بأخرى على مبالغ كبيرة من أموال الدولة قُدّرت بـ 13500 مليار ولم يسدّدوها، وهو أمر كان يبدو عسيرا في إبّانه. لذلك تعدّدت الاجتهادات في البحث عن السُبل الممكنة لاسترجاع هذه الأموال. ومن بينها مقترح أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد الذي قدّمه سنة 2012 عبر ظهوره المتكرر في وسائل الإعلام والمتمثل في "الصلح الجزائي" مع هؤلاء المتورطين بإلزامهم باستثمار هذه الأموال المنهوبة في مشاريع تنموية في سائر أنحاء البلاد مباشرة في المعتمديات انطلاقا من أكثرها فقرا الى أقلّها.
لكن التعرّجات اللاحقة التي شهدها مسار الثورة سرعان ما أغلقت هذه الملف بتحويل هذا الاستحقاق الى فرصة للابتزاز مارسها الحكام المباشرون الذين جاءت بهم انتخابات أكتوبر 2011 أو انتخابات 2014 والذين عملوا على الاستفادة من هذه الأموال لصالحهم ولصالح أحزابهم عبر عقد صفقات مشبوهة مع المتهمين. وعندها اعتبر الكثيرون أن ملف الأموال المنهوبة قد أغلق نهائيا، دون أن يستفيد منها الشعب بأي صفة من الصفات.
وغداة انقلاب 25 جويلية 2021، وزمن الحكم بالمراسيم، جاء المرسوم عدد 13 لسنة 2022 المحدث "للجنة الوطنية للصلح الجزائي في تونس" التي أسند إليها صلاحية إبرام صلح جزائي مع المتورطين في جرائم اقتصادية ومالية، لاسترداد الأموال المنهوبة وتوجيهها لتمويل مشاريع تنموية، والتي لم نسمع لها إنجازا يذكر، بل إن اسمها أصبح لا يُتداول أصلا في وسائل الإعلام إلا متى عنّ للرئيس تغيير تركيبتها، وقد حصل ذلك على الأقل ثلاث مرات منذ انطلاق أعمالها، كان آخرها يوم التاسع من شهر جوان الماضي عندما تمت تسمية السيّد علي عباس القاضي من الدرجة الثالثة على رأس هذه اللجنة. وقد شهدت اللجنة تعزيز صلاحياتها بعد التغيير الأخير بإدراج مجلس الأمن القومي كجزء من مسار المصادقة على ملفات الصلح لضمان استرداد مقدرات الدولة.

لكن الغريب أن بلاغات الرئاسة لم تذكر شيئا عمّن شغلوا هذا المنصب قبل السيد علي عباس وعن منجزهم وهل أمكن لهم استرجاع أي قسط من الـ 13500 مليار المنتظرة. إن تعلق السيد قيس سعيّد حدّ الهوس بهذا التمشي وهو أول من اقترحه سنة 2012 عندما كان لا حول له ولا قوّة، والعودة إليه بنفس الحماس بعد عشر سنوات وهو المجمّع بين يديه لجميع السلط كان يشير ليس فقط الى نفض الغبار على هذا الملف الحارق، بل الى إعطائه دفعا سيقلب كل المعادلات وسيحوّل "المعتمديات المنكوبة" الى حضائر وورشات للبناء والتشييد غابت عنها لمدة عقود من النسيان والتهميش. لكن لا شيء من ذلك حصل الى حدّ اللحظة على الأقل ولا مؤشرات لحصوله في المستقبل القريب.

استرجاع الأموال المهرّبة الى الخارج
وبصفة موازية لعمل لجنة الصلح الجزائي، أحدث قيس سعيد منذ أكتوبر 2020 لجنة خاصة تعود بالنظر الى رئاسة الجمهورية مباشرة مهمتها استرجاع الأموال المنهوبة المودعة بالخارج يترأسها وزير الخارجية. ويبدو أنها لم تنجز شيئا يذكر حتى أن رئيس الجمهورية خلال موكب إحياء الذكرى السادسة والعشرين لوفاة الحبيب بورقيبة، وقف قبالة البحر وخاطب من خلاله الدّول والمؤسسات بالقول” أعيدوا إلينا أموالنا، هي أموال الشعب التونسي“، في إحالة على الأموال المنهوبة المودعة بحسابات بنكية في الخارج... وسبق له أن قام بنفس الحركة في نفس الذكرى منذ ثلاث سنين خلت، لكن يبدو أن لا شيء تغيّر منذ ذلك الوقت.
والمؤسسات المعنية بهذه الدعوة هي طبعا المؤسسات المالية الدولية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي الذي تمارس تجاهنا كل طرق الابتزاز ولا تٌفرج عن بعض المبالغ إلا بسياسة القطرة قطرة كما حصل لما تم رفع التجميد عن جزء من أموال سبعة من أفراد عائلة بن علي والمقربين منه يوم 28 أكتوبر 2022.
ورغم هذه الصعوبات والعراقيل التي تواجه مسار استرجاع الأموال المنهوبة، يصرّ قيس سعيد على التعويل على هذه الآلية وإدراجها في مخططاته كحل "سحري" للأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعصف بالبلاد منذ وصوله الى دفة الحكم، بل وكذلك كبديل عن التوجه لبعض الجهات الأجنبية المانحة التي اعتادت إقراض تونس وخاصة صندوق النقد الدولي الذي نحن نظريا في قطيعة معه دون أن يمنعنا ذلك من التعامل مع أذرعه المبثوثة في الشبكات المالية الدولية والتي تواصل إقراضنا بفوائض أعلى بكثير مما كان يفرضه علينا الصندوق. لذا نرى برلمان بودربالة يلهث وراء المصادقة على اتفاقيات القروض، مما سبّب نوعا من القلق والاشمئزاز حتى لدى عدد من أعضائه أنفسهم.

الشركات الأهلية إحدى رهائن الصلح الجزائي
ولمّا يربط الرئيس مصير "الشركات الأهلية" وهي إحدى أحلامه الباذخة بمردود الصلح الجزائي وبالأموال التي ستفيض بها خزائن بيت مال المسلمين، نفهم محدودية هذا الحلم وعدم واقعيته التي تتجلى اليوم في صعوبة انطلاق هذه المؤسسات التي لم يأت بمثلها الأوّلون والتي تتفوّق على مثيلاتها في الاقتصاد التضامني الاجتماعي حسب قيس سعيّد، بينما لا يرى فيها بعض الدارسين سوى صورة مشوّهة من "تعاضديات الاشتراكية الدستورية" التي لم تفِ بوعودها من حيث دفع عجلة التنمية من ناحية وتوفير مواطن الشغل لطالبيه، وهي نفس الأهداف المرسومة اليوم للشركات الأهلية في منظومة البناء القاعدي للعلوّ الشاهق، إذ أنها تعتبر من ركائز المشروع الرئاسي، باعتبارها، حسب الرئيس، "مصدراً لخلق الثروة، وطريقة ناجعة لتمكين الشباب من تحقيق آماله في الشغل والكرامة الوطنية".
ومنذ صدور المرسوم المُحدث لهذه الشركات بتاريخ 21 مارس 2022 وما رافقه من حملات دعائية للترويج لها فلا حديث إلا عن الامتيازات الممنوحة لها حتى أن اسمها أصبح بمثابة "كلمة السر" لحل معضلات الاقتصاد التونسي وعلى رأسها معضلة البطالة. إذ أنه وفي انتظار حصولها على منابها من الصلح الجزائي، تم تخصيص خط تمويلي لفائدتها في ميزانية الدولة لسنة 2023 والسنين الموالية قُدّر بـ 20 مليون دينار. إلا أن الملاحظ أن المشروع مازال متعثّرا، وعائداته المالية، وقدرته التشغيلية والإنتاجية ضعيفة. بل إن معظم الشركات الأهلية المعلن عن إحداثها لم تباشر عملها بعد شهور أو حتى سنين من تأسيسها لما تواجهه من تعقيدات قانونية، وصعوبات عقارية وإدارية، ولعزوف عديد البنوك عن تمويلها.
لذلك بادرت الدولة بالإغداق عليها بامتيازات من جميع الأصناف من ذلك:
- تفضيلها في الحصول على القروض (مقارنة بمؤسسات الاقتصاد التضامني الاجتماعي، أو المؤسسات الصغرى والمتوسطة العصب الحقيقي للاقتصاد التونسي)
- منحها أفضلية لدى ت البنك التونسي للتضامن للحصول على القروض والترفيع في سقفها، وحث بقية البنوك للحذو حذوه.
- تمييزها عند إسناد أملاك الدولة (أراض، عقارات...) بمنحها إياها مراكنة لا عن طريق الصفقات العمومية ولو بضرب مبدأ الشفافية والمساواة بين المتنافسين، الى غير ذلك من الامتيازات حتى أن بعض الملاحظين أصبحوا يتحدثون عن تحوّلها من هيئات "أهلية" لإيجاد حلول لقضايا التنمية والبطالة الى عبء على الدولة والشعب.

وهكذا يتضح مجدّدا في هذا المجال كذلك أن هوّة سحيقة تفصل الخطاب الرسمي عن الواقع المعيش، إذ أن هذه الشعارات لا تجد تجسيدا لها في برامج ملموسة تقوم على القطع الفعلي مع منوال للتنمية اتبعته منظومة الاستعمار الجديد خلال فترات حكمها الثلاثة، ويواصلها اليوم قيس سعيّد الذي جاء لإنقاذها ولم يجد الى ذلك سبيلا رغم السلطات المطلقة التي حبا بها نفسه والتي أعادت البلاد الى مأزق الحكم الفردي المطلق، مأزق الديكتاتورية والفاشية الزاحفة.



#مرتضى_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -ألبانيا ليست للبيع-: ورقات من انتفاضة الشعب الألباني ضد آل ...
- تقديم كتاب كارل ماركس في أمريكا / أندرو هارتمان
- كينيا وفرنسا تستضيفان قمة إفريقية فرنسية في نيروبي
- النضال الشيوعي: التزام واعٍ بالثورة البروليتارية
- في فاتح ماي 2026، العمال يعودون إلى الشوارع في جميع أنحاء ال ...
- الجماهير هي عماد الحزب الثوري
- بغض النظر عن الحاكم، يبقى الصراع الطبقي قائماً / ألفونس توري ...
- عزلة دولة الكيان الصهيوني تتفاقم أوروبيا
- هل تتوقف موجة الاستقالات/الإقالات في إدارة ترامب بعد تعليق ا ...
- لن يحرر البشرية من الاستغلال والقمع والحرب إلا سلطة العمال
- الندوة الدولية للأحزاب والمنظمات الماركسية اللينينية تنعى ال ...
- العمال والشباب يهزمون ميلوني في استفتاء إيطاليا
- كومونة باريس 18 مارس - 28 ماي 1871
- الوعي الثوري: القوة القادرة على الإطاحة بالرأسمالية
- الطبقة العاملة في الأرجنتين تتصدّى لهجوم حكومة أقصى اليمين و ...
- القواعد القديمة للإمبريالية في العصر الجديد في العالم / بقلم ...
- فلنتكاتف ضد العدوان الإمبريالي والصهيوني على إيران، من أجل ا ...
- أحزاب الندوة تُدين العدوان الامبريالي الصهيوني على إيران
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب
- الى جانب الشعب الكوبي من أجل إنهاء الحصار الإجرامي الذي تفرض ...


المزيد.....




- استكشاف -جزيرة مالديف تركية-.. جوهرة خفية لا يعرفها الكثيرون ...
- رئيس أرامكو يكشف كمية النفط الخام التي فقدها العالم بسبب حرب ...
- ترمب يمنح إيران -الفرصة الأخيرة-.. وتطورات متسارعة في لبنان ...
- موسكو تتهم كييف بقتل مدنيين على شاطئ.. والصواريخ الروسية تسج ...
- نعيم قاسم: السلطة اللبنانية كانت عونا لإسرائيل بدل أن تكون ع ...
- قاسم: لا مانع من لقاء علني بين -حزب الله- والقيادة السورية ف ...
- مصر.. -كايروكي- يسخر من ترامب وتسلا ويحتفي بـ«لادا» الروسية ...
- إسرائيل تستنفر لمواجهة عمليات تهريب على الحدود المصرية
- -بيلد-: ألمانيا تعد خدمة بديلة للمتخلفين عن الخدمة العسكرية ...
- وزيرة الإسكان تتابع مع رئيس الجهاز المركزي للتعمير موقف تنفي ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مرتضى العبيدي - من الصلح الجزائي الى الشركات الأهلية: عندما تؤسس السياسة على الأوهام