أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - صلاح الدين ياسين - عملية اللحم المفروم: أعظم خدعة في تاريخ الحرب العالمية














المزيد.....

عملية اللحم المفروم: أعظم خدعة في تاريخ الحرب العالمية


صلاح الدين ياسين
باحث

(Salaheddine Yassine)


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 16:11
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


في خضم الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في عام 1943، خُدعت ألمانيا النازية خديعة عبقرية، أدت إلى نجاح الحلفاء في غزو صقلية، وغيّرت مجرى الحرب في جنوب أوروبا. كانت تلك الخدعة تعرف باسم "عملية الورقة المزورة" أو "عملية اللحم المفروم" (Operation Mincemeat)، وهي واحدة من أعقد وأذكى حيل الخداع الاستراتيجي التي نفذتها الاستخبارات البريطانية في تاريخها.
أولا: خلفية العملية
في مطلع عام 1943، كان الحلفاء يخططون لغزو جنوب أوروبا بعد أن نجحوا في طرد قوات المحور من شمال إفريقيا. وكانت الوجهة المنطقية التالية هي صقلية، الجزيرة الإيطالية الكبيرة التي تعتبر بوابة الدخول إلى أوروبا. لكن صقلية كانت متوقعة للغاية، لدرجة أن أدولف هتلر نفسه قال إن "أي أحمق يعلم أن صقلية هي الهدف التالي". وعليه، كان لا بدّ من تضليل الألمان ودفعهم للاعتقاد بأن الحلفاء سيغزون مكانًا آخر، مثل اليونان أو سردينيا، بهدف تخفيف التحصينات الدفاعية في صقلية، ومن ثم مضاعفة حظوظ نجاح الغزو.
ثانيا: التخطيط للعملية
وُلدت الفكرة في ذهن ضابطين بريطانيين هما إيوان مونتاجيو (Ewen Montagu) وتشارلز تشولمونديلي (Charles Cholmondeley)، وكانت مستوحاة جزئيًا من مذكرة وضعها ضابط في البحرية يُدعى إيان فليمنغ (الذي سيشتهر لاحقًا كمؤلف روايات جيمس بوند). اقترحت الفكرة استخدام جثة رجل مجهول الهوية، يتم تلفيق هويته ووضع وثائق مزيفة عليه، ثم يُلقى في مكان يمكن للألمان الوصول إليه، لإقناعهم بأن هدف الغزو ليس صقلية.
وقد تضمنت الخطة العناصر التالية:
- اختيار الجثة: تم العثور على جثة مناسبة لرجل تُوفي نتيجة تسمم بمبيد للفئران. كان اسمه الحقيقي غليندور مايكل، وهو مُشَرَّد من ويلز تُوفي في لندن، لكن اسمه الحقيقي لم يُذكر أبدًا في العملية.
- خلق الهوية المزيفة: أُعطي الرجل هوية مزيفة باسم الميجور ويليام مارتن، ضابط في البحرية الملكية. ولإضفاء المصداقية على هويته، وضعت الاستخبارات في جيوبه عدة أشياء شخصية مثل: تذاكر مسرح، إيصالات بنكية، خطابات غرامية من "خطيبته" الخيالية "بام"، بطاقة عضوية في نادٍ بحري.
- الوثائق المزورة: أُضيفت إلى الجثة وثيقة بالغة الأهمية في حقيبة يد، كانت عبارة عن رسالة سرية موجهة من قائد عسكري بريطاني إلى جنرال في شمال إفريقيا، تشير إلى أن الحلفاء يخططون لغزو اليونان وسردينيا، مع وجود صقلية كـ "خدعة" لتضليل الألمان.
ثالثا: تنفيذ العملية
في صباح يوم 30 أبريل 1943، تم إسقاط الجثة من غواصة بريطانية قبالة سواحل مدينة ويلبا في جنوب إسبانيا، وهي منطقة معروفة بتعاطف بعض مسؤوليها مع الألمان. عُثر على الجثة من قِبل صيادين، وسرعان ما وصلت إلى السلطات الإسبانية، الذين سلموها بدورهم سرًا إلى المخابرات الألمانية.
بعد ذلك، تمكنت الاستخبارات الألمانية من نسخ الوثائق التي كانت بحوزة الجثة، ثم أعادوها وكأنها لم تُمس، ظنًا منهم أن البريطانيين لن يلاحظوا. لكن خبراء الاستخبارات البريطانية لاحظوا بدقة أن الوثائق قد فُتحت، مما أكد أن العملية نجحت في إيصال الرسالة للألمان.
رابعا: خداع هتلر وتغيير مجرى الحرب
وصلت المعلومات المزيفة إلى القيادة الألمانية العليا، وكنتيجة لذلك تم تعزيز الدفاعات الألمانية في البلقان وسردينيا. وفي المقابل، جرى تقليص عدد القوات في صقلية بشكل كبير. وفي 10 يوليو 1943، شن الحلفاء غزوهم لصقلية، ونجحوا بسرعة في السيطرة عليها بعد مقاومة أضعف من المتوقع، مما مهد الطريق لغزو إيطاليا وسقوط نظام موسوليني الحليف لهتلر لاحقًا.
وهكذا، تُعتبر عملية "الورقة المزورة" علامة فارقة في تاريخ الحرب النفسية والخداع الاستراتيجي، إذ أثبتت أن استخدام المعلومات المضللة يمكن أن يكون بنفس فاعلية القنابل والمدافع، بل قد يُنقذ أرواحًا كثيرة دون طلقة واحدة.



#صلاح_الدين_ياسين (هاشتاغ)       Salaheddine_Yassine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة العميقة: من يحكم في الظل؟
- حرب الاستنزاف: عندما يصبح الزمن أقوى من المدافع
- دور خطوط الإمداد في حسم المعارك والحروب
- العلبة السوداء للانقلابات العسكرية
- تأثير الدومينو في السياسة: من فيتنام إلى الربيع العربي
- لماذا تبني القوى الكبرى قواعد عسكرية في الخارج؟
- جون ستيوارت ميل: فيلسوف الحرية
- فولتير: صوت التنوير المناهض للجهل والتعصب
- سيجموند فرويد: إطلالة على الدوافع الخفية للسلوك البشري
- فخ ثيوسيديدس: هل المواجهة بين أمريكا والصين حتمية؟
- الشعب مقابل الديمقراطية: هل النظام الديمقراطي في خطر؟
- جاك إلول: حين تتحول الدعاية إلى علم
- نيل فيرغسون: مؤرخ الإمبراطوريات وصعود الغرب وسقوطه
- عبد الله حمودي: علاقة الشيخ والمريد كمرآة للسلطة
- من هيغل إلى ماركس: الجسر الفلسفي الذي شيده فيورباخ
- الحركة الرومانسية: صرخة في وجه عصر التنوير
- آدم سميث: دماغ الرأسمالية
- ألكسيس دو توكفيل: فيلسوف المساواة وناقد الديمقراطية الحديثة
- القوات الخاصة: النخبة الصامتة التي تحسم المعارك في الظل
- الأموال الساخنة: استثمار مغر أم قنبلة موقوتة؟


المزيد.....




- -طرد قاتل-.. ضحايا إثر انفجار قنبلة -منزلية الصنع- بمطعم في ...
- تحليل: لماذا يمثل إعلان ترامب بشأن إيران تحدياً جديداً لنتني ...
- ترامب يعلن تحقيق اختراق بشأن غزة رغم المخاوف والعقبات.. إليك ...
- وزير الدفاع الإيراني بالوكالة يرد على -تهديدات العدو-: حرب ن ...
- السعودية تقود تحالفاً دفاعياً في البحر الأحمر، ماذا نعرف عنه ...
- طهران تعتبر أي تهديد من خصومها -حقيقياً وقائماً- رغم تعليق ت ...
- المجر تغلق محطتها النووية الوحيدة لانخفاض مستوى نهر الدانوب ...
- الجيش اللبناني: إصابة 5 عسكريين في بلدة كفرا جنوبي لبنان في ...
- ساويرس يعلق على تراجع ترامب عن ضرب إيران
- روسيا.. قتلى وجرحى بقصف أوكراني استهدف قرية حدودية


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - صلاح الدين ياسين - عملية اللحم المفروم: أعظم خدعة في تاريخ الحرب العالمية