أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - الحديث النبوي بوصفه حدثًا وجوديًا: قراءة في حديث -الآن يا عمر-















المزيد.....

الحديث النبوي بوصفه حدثًا وجوديًا: قراءة في حديث -الآن يا عمر-


يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 14:11
المحور: قضايا ثقافية
    


تمهيد
غالبًا ما يُقرأ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك..."
قراءةً إيمانية أو فقهية، فيُستخرج منه حكم محبة الرسول ﷺ وكونها شرطًا من شروط كمال الإيمان. وهذه قراءة صحيحة ومقررة عند علماء الإسلام. لكن هذا الحديث يفتح أيضًا بابًا آخر للقراءة، وهو البعد الوجودي؛ أي: ماذا يكشف هذا الحوار عن حقيقة الإنسان؟ وكيف تتشكل الذات؟ وما العلاقة بين النفس والحقيقة؟ وكيف ينتقل الإنسان من وجود يتمحور حول ذاته إلى وجود يتمحور حول الحق؟
إن هذه القراءة لا تستبدل القراءة العقدية، بل تحاول الكشف عن العمق الإنساني الذي يحتويه النص النبوي.
أولًا: النفس بوصفها مركز العالم
يولد الإنسان وهو يرى العالم من خلال نفسه. فالجوع هو جوعه، والألم هو ألمه، والخوف هو خوفه، والرغبة هي رغبته. لذلك تصبح النفس المرجع الأول الذي تُوزن به الأشياء.
ولهذا لم يكن جواب عمر رضي الله عنه كذبًا ولا نقصًا في الإيمان، بل كان وصفًا صادقًا للحالة الإنسانية الطبيعية: "لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي." ، إنها لحظة اعتراف بأن الإنسان مفطور على حب بقائه وسلامته وحب نفسه .
ومن هنا تتجلى عظمة التربية النبوية؛ فلم يُعنّف النبي ﷺ عمر ، ولم يتهمه بالنفاق، بل كشف له أن الإيمان يدعو الإنسان إلى تجاوز هذا المستوى الطبيعي.
ثانيًا: الوجود بين مرجعيتين
يكشف الحديث أن الإنسان يستطيع أن يعيش وفق مرجعيتين مختلفتين.
المرجعية الأولى هي النفس : وفيها تصبح الرغبة هي معيار الاختيار، والمنفعة هي مقياس الخير، والخوف هو الذي يرسم حدود القرار.
أما المرجعية الثانية: فهي الحقيقة التي جاء بها الوحي.
وهنا لا يعود السؤال: "ماذا أريد؟"
بل يصبح:
"ما الحق الذي ينبغي أن أتبعه، حتى لو خالف ميلي؟"
إن الفرق بين المرجعيتين هو الفرق بين حياة تدور حول الذات، وحياة تدور حول الحقيقة.
ثالثًا: الرسول ﷺ ليس منافسًا للنفس
قد يُفهم الحديث خطأً وكأنه يطلب من الإنسان أن يستبدل حب نفسه بحب شخص آخر.
غير أن هذا الفهم يبقى سطحيًا. فالرسول ﷺ في المنظور القرآني ليس فردًا ينافس النفس على مكانتها، وإنما هو حامل الوحي الذي يكشف للإنسان حقيقته. ولهذا فإن تقديم الرسول ﷺ ليس تقديمًا لشخص على شخص، وإنما هو تقديم للهداية على الهوى ، و الحق على الباطل ، و النور على الظلمة .
إن الرسول لا يسلب الإنسان نفسه، بل يعيدها إلى حقيقتها.
رابعًا: لماذا تغيّر عمر بهذه السرعة؟
هذا السؤال ظل يشغل كثيرًا من الشراح.
وجوديًا: يمكن فهم الأمر بطريقة مختلفة ، لم تتغير مشاعر عمر في ثوانٍ، وإنما تغير مركز وعيه.
لقد انتقل من التفكير انطلاقًا من ذاته إلى التفكير انطلاقًا من الحقيقة ، ولذلك قال: "فالآن والله لأنت أحب إلي من نفسي."
إن كلمة "الآن" ليست زمنًا فقط، بل هي لحظة انكشاف، لحظة رأى فيها الإنسان نفسه من خارج نفسه.
خامسًا: «الآن يا عمر» ولادة جديدة
ليست عبارة النبي ﷺ مجرد تصديق، إنها إعلان عن اكتمال تحول داخلي.
كان هناك عمر الأول، عمر الذي يقيس الأشياء بنفسه.
ثم ظهر عمر الثاني، الذي صار يقيس نفسه بالحقيقة.
وهذا هو التحول الوجودي الحقيقي.
فالإنسان لا يولد مرة واحدة، إنه يولد كلما تغيّر مركز وجوده.
سادسًا: الحب هنا ليس شعورًا
في الثقافة الحديثة يُختزل الحب غالبًا في الانفعال العاطفي، لكن الحديث يقدم مفهومًا مختلفًا.
الحب هو ما يمنح الحياة اتجاهها، وأكثر ما تحبه هو أكثر ما تطيعه، وأكثر ما ترجع إليه عند الحيرة.
لذلك يصبح معنى الحديث: ليس المطلوب أن تشعر أكثر، بل أن تجعل الحقيقة أعلى من رغبتك.
سابعًا: الذات الحقيقية والذات الطبيعية
يمكن التمييز بين مستويين للذات.
الذات الطبيعية: وهي التي تبحث عن اللذة، وتتجنب الألم، وتخشى الفقد، وتدافع عن بقائها.
والذات المهتدية: وهي التي تدرك أن الإنسان لا يعرف دائمًا أين تكمن مصلحته.
ولهذا تحتاج إلى الوحي، فالحديث لا يطلب قتل الذات الطبيعية، بل يطلب قيادتها، كما يقود العقل الغريزة، ويقود البصير من لا يرى الطريق.
ثامنًا: العلاقة مع القرآن
يتناغم هذا الفهم مع قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: 6].، فالآية لا تتحدث عن عاطفة مجردة، إنها تتحدث عن الأولوية.
أي أن الرسول ﷺ أولى بتوجيه الإنسان من تقدير الإنسان لنفسه.
لأن النفس قد تخطئ، أما الوحي فهو الهداية.
تاسعًا: مفارقة الوجود
تبدو الفكرة لأول وهلة متناقضة، كيف يكون حب شخص آخر أكثر من حب النفس فيكون ذلك مصلحة للنفس؟
لكن هذا هو جوهر المفارقة، فالإنسان لا ينجو باتباع كل ما تشتهيه نفسه، بل ينجو حين يجعل الحق قائدًا لها.
ومن هنا يصبح تقديم الرسول ﷺ في الحقيقة دفاعًا عن النفس، لا إلغاءً لها، فالذي يقود السفينة ليس عدوًا للركاب، بل هو سبب نجاتهم.
عاشرًا: الإنسان بين الهوى والحقيقة
يمكن النظر إلى الحديث كله باعتباره صراعًا بين قوتين.
قوة تقول: أنا المعيار.
وقوة تقول: الحق هو المعيار.
وكل تاريخ الإنسان يمكن فهمه بوصفه انتقالًا من الأولى إلى الثانية.
ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي في الحديث: "من أحب أكثر؟"
بل كان: "من الذي يمتلك السلطة النهائية على وجودك؟"
خاتمة
إذا قُرئ الحديث بهذه الزاوية، فإنه لا يعود مجرد درس في فضيلة محبة الرسول ﷺ، بل يصبح وصفًا لمسار الإنسان نحو النضج الوجودي. فالإنسان يبدأ حياته وهو مركز عالمه، ويرى الحقيقة من خلال نفسه. ثم تأتي الهداية لتقلب المعادلة، فيتعلم أن يرى نفسه من خلال الحقيقة.
وهنا فقط تتحرر الذات من سجن الأنا، وتدخل أفقًا أوسع، حيث لا يعود الحق تابعًا للرغبة، بل تصبح الرغبة نفسها قابلة لإعادة التشكيل على ضوء الحق.
ومن ثم فإن قول النبي ﷺ: «الآن يا عمر» يمكن فهمه بوصفه إعلانًا عن لحظة ميلاد وعي جديد؛ وعي لم تعد النفس فيه مركز الوجود، بل أصبحت الحقيقة هي المركز، وأصبحت النفس تدور في فلكها، فتجد حريتها الحقيقية في اتباعها، لا في الاستقلال عنها.



#يحي_عباسي_بن_أحمد (هاشتاغ)       Abassi_Yahia_Ben_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقال الخامس: مالك بن نبي في مصر – من المنفى إلى التأثير
- المقال الرابع: المسلم في عالم الاقتصاد – نقد التبعية الاقتصا ...
- المقال الثالث: أفكار حية وأفكار ميتة – تشخيص أزمة الفكر الإس ...
- المقال الثاني: من القابلية للاستعمار إلى تحرير العقل
- المقال الأول: معادلة الحضارة – الإنسان والتراب والزمن في فكر ...
- المقالة العاشرة: الرؤية القرآنية للفساد والصراع — قراءة أخلا ...
- المقالة التاسعة: القدس والأقصى — الصراع على الرمز والفضاء ال ...
- المقالة الثامنة: تفكيك مزاعم “الشعب اليهودي” — قراءة في الجي ...
- المقالة السابعة: الاستيطان كعقيدة — من الوعد الديني إلى بنية ...
- المقالة السادسة: التمييز المؤسسي داخل إسرائيل — دولة لليهود ...
- المقالة الخامسة: طمس الهوية الفلسطينية — من مقولة “أرض بلا ش ...
- المقالة الرابعة – التوراة كسند ملكية: قراءة نقدية في توظيف ا ...
- المقالة الثالثة: من اليهودية إلى الصهيونية — كيف تحوّل الدين ...
- المقالة الثانية: بنو إسرائيل في القرآن — بين الاصطفاء والمشر ...
- المقالة الأولى: بين الوحي والواقع… لماذا هذه السلسلة؟ قراءة ...
- المقال السادس: الخاتمة: كيف نتعامل مع ظاهرة المدخلية؟ رؤية م ...
- المقال الخامس: المنهج الوسط: البديل الشرعي في التعامل مع الو ...
- المقال الرابع: نقد فكر المدخلية من منظور شرعي وواقعي
- المقال الثالث: تأثير المدخلية على النسيج الاجتماعي والحراك ا ...
- المقال الثاني: الأسس العقدية والفقهية للمدخلية: قراءة نقدية


المزيد.....




- العراق: لم تقدم أي جهة دليلًا على استخدام أرضنا في شن هجمات ...
- ما الذي يجذب الشباب إلى عالم الكوسبلاي؟
- لماذا يكتسب ميناء دمياط أهمية في خريطة الغاز بالمنطقة؟
- وجهات نظر من أنقرة: تداعيات مؤتمر قمة حلف -ناتو- على الأمن و ...
- طالب صيني يحطم الرقم القياسي لحل مكعب روبيك بيد واحدة (فيديو ...
- تمرد في الجيش الإسرائيلي.. عشرات الجنود من لواء -غيفعاتي- يغ ...
- إسرائيل.. كيف تجسس سائق إسعاف لصالح إيران؟
- -أكسيوس-: خلاف فانس ونتنياهو حول إيران وصل إلى حد الاتهامات ...
- هل يتجه ترامب إلى خيارات عسكرية جديدة ضد إيران؟
- الاتحاد الأوروبي يندد بالضربات الروسية -الكثيفة- على أوكراني ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - الحديث النبوي بوصفه حدثًا وجوديًا: قراءة في حديث -الآن يا عمر-