صلاح السروى
الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 08:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أسفرت الحرب الأمريكية، التي لم تنته بعد، على ايران، عن عدة حقائق، أظنها لن تتغير بتغير المجريات المحتملة لهذه الحرب، وربما في أي حرب شبيهة لها في المستقبل.
وأهم هذه الحقائق هو عدم قدرة القوة العظمى، بكل جحافلها العسكرية وحلفائها المحليين والدوليين، على اخضاع ارادة دولة ضعيفة ومنهكة. على الرغم من كل القصف والتدمير والاغتيال. فكيف حدث ذلك؟؟ وما المقومات التي تمتلكها دولة نامية تنتمي الى العالم الثالث حتى تستطيع تحقيق هذه النتيجة غير المنطقية؟؟.
منذ البداية دارت الحرب بين قوتين غير متناظرتين، على أي مستوى عسكري أو اقتصادي:
فاحدى هاتين الدولتين، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، بمثابة قوة عظمى، ان لم تكن القوة الأعظم في العالم، فهي تمتلك أقوى جيش، وأقوى نفوذ، وأقوى اقتصاد (حتى الآن)، وأقوى تكنولوجيا عسكرية، وأكثرها تطورا وتعقيدا، في العالم.
فضلا عما تحظى به من حلفاء أغنياء وأقوياء عديدين بالمنطقة والعالم. وعلى رأسهم دولة الكيان الصهيوني، التي يصنف جيشها وقدراتها التكنولوجية بوصفها قوة رئيسية بالمنطقة، ان لم تكن القوة الرئيسية باطلاق.
فضلا عن دول الخليج، الغنية بالأموال، والمدججة بالقواعد العسكرية والمطارات، والمسلحة بسلاح بالغ التطور،. وهي دول أثبتت المجريات أن معظمها يتموضع ضمن عديد الأدوات الأمريكية في مواجهة ايران، بلا مراء.
أما القوة الثانية المقابلة فهي ايران، الدولة التي تنتمي الى العالم الثالث، والمحاصرة منذ سبعة وأربعين عاما، والواقعة تحت عقوبات اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية لا نهائية. بل لقد تمت محاولة استنزافها عن طريق الزج بها في حرب عبثية مع العراق استمرت لثماني سنوات، فضلا عن محاولات استفزازها والتربص العسكري بها على مدار هذا الزمن الطويل. حتى اذا وقعت هذه الحرب اذا بايران تقلب كل الموازين وتطيح بالقدرة الأمريكية على الردع، وهي الأداة الامبراطورية الأساسية، منذ اللحظات الأولى للحرب. بل انها جعلت من التفوق الأمريكي محض أوهام إعلامية، تتناقض مع الواقع الذي شهده العالم أجمع. الى الحد الذي جعل ترامب يصرخ قائلا: لماذا لا يستسلمون؟؟
وأعتقد أن سؤال ترامب الاستنكاري يصلح وحده لكي يكون سؤال هذه الموجة من حروب عصرنا. فمنذ القرن الثامن عشر بنت الامبراطوريات الاستعمارية مجدها على:
- قوة بحرية باطشة، تمثل الذراع الطولى للامبراطورية، بحيث تتيح لها إمكانية شن الحرب في أي مكان تريده من العالم.
- الى جانب قوة برية محمولة، هائلة القوة، يمكن انزالها الى الميدان عن طريق البحر أو الجو أو البر.
- وتم، لاحقا، دعم هذين السلاحين التقليديين بقوة صاروخية وجوية محمولة بحريا، قادرة على التواجد، في سماء أي مكان من العالم، عن طريق المدمرات وحاملات الطائرات العائمة.
وهذه المكونات العسكرية هي التي صنعت، تحديدا، مفهوم "القوة العظمى العالمية"، أو الإمبراطورية. ولقد تم استخدام كل هذه المكونات في الحرب الحالية، والتي أرى أنه قد لايكون لها مثيل في اللحظة المعاصرة، الا الحرب الروسية - الأوكرانية، ولكن الفارق هنا أن روسيا لا تقاتل أوكرانيا، في الحقيقة، وانما تقاتل حلف الناتو بأكمله، ولولا الدعم الغربي لسقطت أوكرانيا خلال أيام. أما ايران فهي وان حظيت ببعض الدعم من روسيا أو الصين، فان قوتها الحقيقية تكمن في الامكانيات الإيرانية ذاتها، مع بعض الدعم الاستخباراتي واللوجيستي. ومن غير الصحيح قياس موقفها بالموقف الأوكراني. ولا أجد ما يشبه تلك الحرب على ايران، في نوعية الحروب غير المتناظرة، الا حروب التحرير الوطنية في كل من الجزائر وفيتنام وكوريا، وما شابههم.
فكيف تعاملت ايران مع هذه القوة العاتية؟؟
لقد تمكنت ايران من التعامل مع عناصر القوة الأمريكية بوسائل مبتكرة للغاية، بحيث جعلت التفوق التكنولوجي والعددي للعدو منعدم القيمة، تماما، مثلما تعامل مقاتلو حركات التحرر في البلاد المشار اليها، مع التفوق التكنولوجي النوعي الذي تمتعت به القوى الاستعمارية. وتمثلت هذه الوسائل فيما يلي:
1- استغلال الإمكانيات التي تتيحها طبيعة المكان.
فلقد استثمرت ايران في توظيف تضاريسها واستغلتها على النحو الأمثل. فدفنت مراكز القيادة، ومواقع اطلاق الصواريخ، ومعامل تخصيب اليورانيوم وتخزينه، تحت جبال زاجروس الشاهقة. وبعض هذه الجبال يتكون من الجرانيت الصلب، وبخاصة جبل "الفأس"، وعلى عمق عشرات الأمتار، بما يصعب على أعتى القنابل الأمريكية أن تطاله. كما وزعت مراكزها الصناعية والحيوية على مجمل الخريطة الإيرانية المترامية والتي تبلغ مساحتها: مليون وسبعمائة ألف كيلومتر مربع. بما يجعل من عمليات الاستهداف المعادي عمليات جزئية وغير قادرة على إصابة العمود الفقري للبلاد بالشلل. فضلا عن استخدام موقعها على الخليج وجزرها في مداخله وعمقه لتهديد الملاحة في مضيق هرمز وتهديد الدول المشاطئة له والتي تنطلق منها الهجمات الأمريكية.
2- ابطال السلاح المتفوق بأسلحة بسيطة وغير مكلفة وسهلة التعويض، محليا.
لقد تمكنت ايران من تحييد القوة البحرية الأمريكية الضاربة، ليس عن طريق صواريخ الكروز الضخمة، فقط. بل، أيضا وأكثر، عن طريق ما يسمى بقوات "الذباب". وهي تلك الأسراب الكثيفة الأعداد والرخيصة الثمن وسهلة التعويض والاستدامة، من الدرونات والزوارق السريعة. بحيث أصبحت القوة البحرية والقواعد العسكرية الأمريكية، بمثابة رهينة في أيدي القوات الإيرانية، وليست، فقط، عاجزة عن القيام بمهامها العملياتية. فتم تحييد جميع القواعد الأمريكية بالخليج، وتمت اصابة حاملة الطائرات ابراهام لنكولن وإخراج حاملة الطائرات جيرالد فورد من الخدمة، مبكرا. فضلا عن اعطاب عدد غير محدد من السفن الحربية الأصغر. وكذلك، تدمير أعداد تزيد عن أربعين طائرة، اما في الجو عن طريق صواريخ دفاعية محلية الصنع، أو عن طريق ضربها في قواعدها على الأرض، عن طريق القصف الصاروخي للقواعد العسكرية المتواجدة في منطقة الخليج، أو خارجها. فاذا حاولت أمريكا استخدام قواعد عسكرية أبعد، مثل تلك المتواجدة في الأردن، تولت الصواريخ بعيدة المدى (وهي السلاح الإيراني الأمضى والأنجع في هذه الحرب) المهمة بنجاح فائق.
لقد كانت الطائرات المسيرة (drons)، والزوارق البحرية الخفيفة، والصواريخ ذات الآماد البعيدة، هي أبطال هذه الحرب، بامتياز منقطع النظير. فهي التي أدت الى نضوب الصواريخ الدفاعية، غالية الثمن وصعبة التعويض، من ترسانة الولايات المتحدة وحلفائها. وجعلت من عملية الاعتراض بصواريخ الدفاع الجوي الثمينة عملية مكلفة للغاية، بحيث قد تضاهي في كلفتها، كلفة التدمير الذي تحدثه هذه الأسلحة الرخيصة، بحد ذاته. وهو ما جعل الحرب تبدو عبثية، بكل معنى الكلمة. فهي غير قابلة للوصول بالعدو الى تحقيق أي هدف، حتى لوكان صوريا.
3- الاستعداد الدائم للتضحية ودفع الثمن.
لقد كان وراء كل ذلك حالة نفسية مفعمة بالمضاء، والروح القتالية المتوثبة،والمعنويات الملتهبة. وهي معان تقوم، تحديدا، على عقيدة استشهادية، تستعذب الموت وتسعى اليه، ولا تخشى من تقديم التضحيات، بل انها قادرة على تحمل الخسائر، مهما عظمت. فرأينا قيادة لا تهتز، على الرغم من تصفيتها حتى الصف الثالث من تراتبيتها. وشعبا ظهر معدنه النفيس، فتضامن والتأم شمله وتجلت وحدته، من أول لحظة في الحرب، وأخذ يتظاهر، طلبا للثأر، تحت القصف والنار. ولقد تم ذلك على الرغم من كل التناقضات التي رأينا بعض مظاهرها قبل الحرب، سواء داخل النظام، أو بين النظام وفئات كبيرة من الشعب. ان صورة التضامن الشعبي والإصرار المطلق على النصر تكفي، وحدها، لجعل القوة الإيرانية مضاعفة أضعافا كثيرة.
4- قيادة ذكية وقادرة على اللعب بالأوراق المتاحة، واجادة استخدام الأدوات الديبلوماسية.
وأمام هذا الإصرار الشعبي ومع كل هذه الإمكانيات العسكرية ظهرت قيادة عسكرية وسياسية قادرة على استثمار كل ما لديها من إمكانيات، بداية من قدرة على تجييش الشعب وشحذ الجيش، الى شن حرب نفسية ناجحة جعلت العدو يجفل من القوة الكامنة والمخبأة والتي لا يتم الإفصاح عنها أبدا !!. فضلا عن استخدام كل الأدوات الإعلامية والوسائل الدبلوماسية في إيقاع الذعر والخوف في نفوس العدو: كأن يتم التأخر العمدي عن حضور اجتماعات التفاوض، أو عدم الحضور من الأصل، بينما يكون قد حضر ممثلو العدو. أو استخدام عبارات ملؤها السخرية من تصريحات قادته، وصولا الى إظهار الشموخ وعدم الاستعداد للتنازل.. الخ.
لكل ذلك نستطيع القول بأن عصر الامبراطوريات أو القوى العظمى الامبريالية قد أخذ في الأفول، وأن الأمم الأبية الصغيرة والمحاصرة قادرة على الصمود والنصر، اذا تحققت لها إرادة القتال والاستعداد للتضحية واستخدام ما لديها من إمكانيات مهما بدت بسيطة أو رخيصة الثمن.
#صلاح_السروى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟