|
|
حول ظاهرة التلاسن بين المصريين وعرب الخليج - مقاربة اجتاعية تاريخية
صلاح السروى
الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تثور بين الحين والآخر حالات من الاشتباك اللفظي بالقدح والشتم والاستهزاء على وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل بعض أبناء منطقة الخليج، بحق مصر والمصريين. مما استفز بعض المؤثرين المصريين، فتم استدراجهم الى حالة من التلاسن المتبادل. وهذه الحالة لم تبدأ خلال هذه الأيام، فقط، على خلفية الموقف من الحرب. بل انها تكاد أن تكون متواصلة، فما ان تخمد، لفترة، حتى تثور مرة أخرى، وعلى أتفه الأسباب. الغريب أن هذا التلاسن يحدث على الرغم من العلاقات التاريخية والثقافية والدينية والاقتصادية والأمنية القوية التي تربط بين المصريين وأبناء الخليج. حيث يوجد عدد كبير من المصريين يعمل هناك، كما أن عددا كبيرا من الخليجيين يفد الى مصر، اما طلابا للعلم أو سياحا أو رجال أعمال. فضلا عن التاريخ الطويل من الدعم المصري لهذه البلاد في فترات ما قبل الاستقلال وما بعده، سواء أكان الدعم علميا على هيئة ارسال المعلمين والأدوات المدرسية والأطباء والمهندسين، أو عينيا مثل ارسال الملابس والأحذية، وحتى الطائرات (تم منح دولة قطر طائرتين من سلاح الجو المصري لتكونا نواة لسلاح الجو القطري عام 1971، بعد استقلالها). أو كان دعما عسكريا مثلما تم مع الكويت عام 1961 عندما هدد عبد الكريم قاسم بضمها الى العراق، وعام 1991، عندما انطلق ما يربو على 40 ألف جندي مصري لتحريرها من الاحتلال العراقي. وكذلك تم تقديم الدعم العسكري والعلمي والعيني لحركات التحرير في إقليم ساحل الصلح (الامارات حاليا)، قبل اعلان دولة الامارات عام 1971وبعده. فضلا عن ارسال القوات المصرية الى السعودية عام 1990 للمشاركة في عملية درع الصحراء وحمايتها من التهديدات العراقية. وبالمقابل حظيت مصر بقدر ليس بالقليل من الدعم المالي والنفطي الذي قدمته دول الخليج في مراحل متعاقبة منذ السبعينيات وحتى وقت قريب. وان كان دعما متذبذبا ومشروطا في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من كل ذلك فان بعض مواطني دول الخليج لا يفوتون فرصة حتى يكيلوا لمصر كل ما ينقص قدرها ويشوه عطاءها ويقلل من شأن شعبها. حتى وصل هذا التشوية الى مستوى متدن من الابتذال والتفاهة، كأن نصادف، مثلا، من يعير المصريين بأنهم يأكلون "الفول" و"الطعمية" و"الفسيخ"، وما شابه ذلك من أنواع الانتقاص، التي لا تدل الا على السذاجة وبساطة التفكير. وقد وصلت هذه الموجة الى أعلى ذروة لها ابان الحرب الحالية التي شنتها أمريكا وإسرائيل على ايران. حيث خرج علينا من يلوم الموقف المصري تحت زعم تقاعسه عن نصرة دول الخليج. على الرغم من أن هذه الدول نفسها لم تطلق النار ولم تعلن الحرب أصلا على ايران. والمفترض أنها مشمولة بحماية القواعد الأمريكية المقامة على أراضيها، والتي دفع من أجلها الخليجيون التريليونات. وبدلا من توجيه اللوم الى أمريكا التي أخذت نقودهم ولم تقم بواجب حمايتهم في مقابلها، اذا بهم يوجهون سهام اللوم والنقد الى مصر والمصريين. بل ان بعضهم طالب بلاده بطرد المصريين العاملين (في الكويت تحديدا) والتوقف عن السفر الى مصر، وسحب الودائع .. الخ. والملاحظ أن مصر تكاد أن تكون الدولة الوحيدة التي يقوم مواطنون خليجيون بتجييش أنفسهم وتكريس وقتهم لانتقادها. بينما قد لا يقترب أحد منهم من أية دولة أخرى، بالقدر ذاته. ولعل استمرار وتواصل هذه الحالة، وان جاء على نحو متقطع، هو ما جعلها تشكل ظاهرة لافتة تحتاج الى فهمها وتحليل مكوناتها وتبيان أسبابها. فكيف نفهم هذه الحالة الخليجية إزاء مصر؟؟ ولماذا مصر، على التحديد، وليس أمريكا أو إسرائيل أو ايران .. مثلا؟؟ أعتقد أن الأمر مرتبط بعدة عناصر متشابكة ومتداخلة، معا، سوف أوجزها في العناصر التالية: أولا: ان الطبيعة القبلية لشعوب الخليج، تقوم على التفاخر و"النفاجة" والتنابذ. حيث كثيرا ما نجد بعض القبائل تزدري قبائل أخرى وتتفاخر عليها وتراها أقل منها في القدر والقيمة. بما قد يصل الى حد العنصرية والاستعلاء العرقي. بل ان بعضهم يرى أن من لا ينتسبون الى قبائل معينة لا يستحق أن يحمل جنسية الدولة برمتها، ولذلك ظهر أغرب وضع في تاريخ المواطنة في كل بلاد العالم، ألا وهو وضع "البدون"، أو الشخص الذي يعيش على أرض الدولة وينتسب الى شعبها، ويتحدث لغتها أو لهجتها، ويحمل ثقافتها، ويدين بدينها الرسمي، ولكنه لا يتمتع بجنسيتها. لا لشئ سوى لأنه لا ينتسب الى القبائل المؤسسة للدولة. ولذلك ليس غريبا أن يتم ممارسة ذلك في حق غير الخليجيين، بعامة، والمصريين بخاصة. وقد يرجع ذلك، أيضا، فيما يتعلق بالمصريين، الى اعتزاز الخليجيين بأنهم هم من يمثلون العرب الأقحاح، أما المصريون فهم (فراعنة) أخنى عليهم الدهر فأصبحوا مستعربين أو متمسحين في العروبة، كما صرح أحد كتابهم. وبالتالي فهم يرتبون هرمية تقوم على تفضيل الأكثر عروبة على الأقل نصيبا منها، فضلا عن المتمسح فيها. خاصة أنهم يرون أنهم من أبناء الفاتحين الذين أرغموا شعوبنا (غير العربية) على التحدث بالعربية والتدين بالإسلام. وبذلك فانهم يرون أنهم يحوزون شرفا لا ندانيهم، نحن أبناء البلاد المفتوحة، فيه. ثانيا: تحسن الأحوال الاقتصادية بدول الخليج. وبخاصة، في الفترة الممتدة منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن. بحيث أصبحت منطقة الخليج تعد الأكثر رغدا وثراء، والأعلى دخلا بالنسبة لمستوى دخل الفرد، ربما على مستوى العالم (يبلغ مستوى دخل الفرد في قطر وهي الأعلى بين بلدان الخليج ومن الأعلى عالميا 71 الى 84 ألف دولار سنويا في عام 2025 - 2026 بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي). وهذه الحالة المزدهرة لم تأت نتيجة لعمل أو اجتهاد أو علم، بل لأسباب قدرية بحتة، تمثلت في تدفق النفط والغاز دون جهد كبير. وهو ما أدى الى حالة تشبه ما يسمى في علم النفس ب"جنون العظمة"، أو "هستيريا الغنى المفاجئ". وهما حالتان مصحوبتان ب"هوس التملك وإظهار النعمة". وهي حالة تظهر غالبا على محدثي النعمة ممن تهبط عليهم الثروة فجأة، وبدون استحقاق أو جدارة. خاصة في ظل قوانين العمل الخاصة بالوافدين ومنهم المصريون. حيث تم ابتداع نظام للعمل يخص العمالة الوافدة، يسمى نظام "الكفيل"، وهو نظام أقرب الى العبودية منه الى علاقات العمل الحرة. حيث يصبح جواز سفر العامل وحدود حركته وأجره.. الخ كلها برغبة وإرادة الكفيل. وهو ما أضاف إحساسا بالتفوق فوق ما تم ذكره آنفا. ثانيا: تردي الأحوال الاقتصادية في مصر. فمصر منذ هذا التاريخ، وأقصد به منتصف السبعينيات، على التحديد، تمر بفترة ممتدة من سوء الأحوال الاقتصادية. ويرجع ذلك الى أسباب عديدة ليس هنا مجال الخوض فيها. وهو الأمر الذي جعل المصريين يسافرون بأعداد كبيرة الى الخليج للعمل وكسب الرزق،. كما جعل الدولة المصرية في حاجة الى دعم المال الخليجي. وأظن أن تلك الوضعية، من الحاجة لدى المصرين، والتدفق المالي اليسير عند الخليجيين، هي التي جعلت الخليجيين يمارسون عقد "النوفو ريش" على المصريين، تحديدا، فالهجوم على غير المصريين ممن لا يمتلكون الزخم التاريخي والثقافي نفسه،لا يشعرهم بأهميتهم على النحو المطلوب. ثالثا: المبالغة في تقدير حجم الدعم الخليجي وتوقع التبعية الكاملة في المقابل. ان هذا الهجوم على المصريين وازدراءهم مصحوب أيضا بما قد يتصوره بعض الخليجيين أنهم قد قاموا بانقاذ مصر الفقيرة من الموت جوعا. فالخليجيون يبالغون في حجم وقيمة ما يقدمونه لمصر من "دعم"، وبالتالي فانهم لا ينتظرون مقابلا له أقل من الخضوع والتبعية الرسمية والفوقية في ترتيب العلاقة بين الشعوب. على الرغم من أن هذا الدعم يعد في ميزان الدعم الخليجي للاقتصاد الأمريكي خاصة، والغربي عامة، قدرا ضئيلا بما لا يكاد يذكر. فلقد تم منح ترامب في رحلتها الأخيرة للخليج مبالغ مجموعها يربو على 4 تريليون دولا، فضلا عن الهدايا العينية باهظة الثمن، (يوجد بينها طائرة مذهبة يبلغ ثمها 400 مليون دولار). بينما لم يتعد ما قدمته دول الخليج، مجتمعة، الى مصر خلال الفترة من 2011 الى 2022 ، مبلغ 47,5 مليار دولار، (بحسب تقديرات بلومبرج). والنسبة الغالبة منها عبارة عن استثمارات تدر أرباحا، وودائع مدفوعة الفائدة، بالبنك المركزي. بينما تضاعف، بالمقابل، حجم الاستثمارات المصرية في السعودية من 500 شركة الى 4 آلاف شركة بلغ رأس مالها 50 مليار ريال خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط. والأمر نفسه، في كل من الامارات والأردن، وان كان بمبالغ أقل. رابعا: عدم الخشية من العواقب. فاذا تصورنا قيام الخليجيين بمهاجمة أمريكا التي تقاعست عن حمايتهم من الضربات الإيرانية، فلنا أن نتصور كيف ستكون العواقب، على الرغم من كل الاساءات والاهانات العلنية التي كالها ترامب للسعودية وبلدان الخليج. ويبدو أن الحكومة المصرية قد تساهلت كثيرا وفي مرات عديدة في طلب المحاسبة عن الإساءات المتكررة التي عانى منها العاملون المصريون في هذه الدول، تحت وطأة عدم رغبتها في تعكير صفو العلاقة مع الخليجيين، مما جعلهم يستمرئون ويعتادون على هذه النزعة الاستعلائية تجاه المصريين ولا يخشون عواقبها. خامسا: العشم الزائد. ان المبالغة في توقع هرولة الجيش المصري للدفاع عن الخليج، على الرغم من عدم توقيع أية اتفاقيات دفاعية، وعلى الرغم من رفض الخليج دعوة سابقة قدمتها مصر لإقامة قوة عربية مشتركة، وعلى الرغم من أن قرار انتقال الجنود والمعدات والانخراط في الحرب يحتاج الى خطط عسكرية تقوم على دراسة لطبيعة الميدان وما يتطلبه من حجم قوات وترتيبات لوجستية من امداد وتموين ومراكز دعم واخلاء، وعناصر اسناد وتعويض .. الخ، وهو ما لا يمكن توافره لحظيا وفي وقت الحرب، فان الخليجيين حين تصوروا أن على مصر أن ترسل قواتها في التو واللحظة لم يبرهنوا، فقط، على أن وعيهم السياسي ومعرفتهم العسكرية تقع في المستوى الأقل من درجة الصفر، فالحروب أعقد وأخطر بكثير من هذا التبسيط الساذج. بل برهنوا أيضا على أنهم يبالغون بشدة في حجم ما ينتظرونه من مصر، ترتيبا على الوعي "القرابي" البدوي الذي يقوم على مفهوم "الفزعة"، لا على مفهوم العلاقات المحسوبة، والحركة القائمة على التخطيط. ثم لماذا ترسل مصر قواتها في وقت تم فيه اسناد مهمة الدفاع عنهم الى قوى أخرى مدفةعة الثمن على نحو باهظ؟؟. وهل لمصر مصلحة في هزيمة ايران أمام أمريكا وإسرائيل؟؟ وما عواقب ذلك، لو حدث، على التوازن الإقليمي، وبالتالي على الأمن القومي المصري والعربي عامة، بل الخليج نفسه، خاصة.؟؟ كل ذلك لم يدر بخلد أي من منتقدي مصر، ربما لأنهم لا يفهمونه.
#صلاح_السروى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل هي حرب دينية؟؟
-
التداعيات المحتملة للغزو البري الأمريكي للجزر الايرانية
-
حرب سقوط الحسابات - خطئة ترامب ونتانياهو الكبرى
-
لماذا تعادي دول الخليج ايران؟
-
الكيان الصهيوني يتجه بقوة نحو وضعية صراع البقاء
-
الأوضاع المحتملة لمرحلة ما بعد الحرب الأمريكية الصهيونية على
...
-
لماذا انخرط حزب الله في الحرب الحالية؟
-
فلنترقب بعض التغيرات في بلدان الخليج
-
على مشارف التحول الاستراتيجي الكبير في مسار الحرب على ايران
-
مفترق طرق تاريخي - الخيارات المؤلمة التي تواجهها أمريكا في ا
...
-
الحرب الثانية على ايران .. هل يتغير مسار التاريخ
-
عملية أسر الرئيس الفنزويلي: أسباب وتداعيات كارثية
-
الفكر اليوتوبي
-
اليوتوبيا الأخلاقية الدينية
-
المدن الفاضلة السياسية
-
المشاعية البدائية واليوتوبيا
-
قراءة فيما وراء وقف اطلاق النار في غزة - الحرب لم تتوقف
-
الصدام الجيوبوليتيكي الدولي على الساحة السورية
-
الأسباب الحقيقية للقضاء على النظام السوري
-
لماذا توقفت الحرب على ايران؟؟
المزيد.....
-
حظر أمريكي للملاحة نحو الموانئ الإيرانية بعد انهيار محادثات
...
-
لبنان يتحرك لوقف الحرب عبر التفاوض وإسرائيل تواصل عملياتها ا
...
-
حصار هرمز و-أسطول الأشباح-..كيف ستخنق واشنطن النفط الإيراني؟
...
-
كثرة المفاوضين لم تعوض ضيق الوقت.. محادثات إسلام آباد تنتهي
...
-
تبادل الاتهامات بين إيران وأمريكا بعد فشل المحادثات واحتمال
...
-
هل ينجح حصار موانئ إيران في فرض واقع جديد بهرمز؟
-
كيف ستنفّذ أميركا حصار مضيق هرمز وما أبرز تحدياته؟
-
صحيفة: ترامب يدرس توجيه ضربات عسكرية محدودة لإيران
-
الإمارات والصين.. شراكة استراتيجية وعلاقات راسخة
-
ترامب: سنعمل على فتح مضيق هرمز.. وتفعيل الحصار البحري
المزيد.....
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
المزيد.....
|