أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - سقوط آخر دويلات الفرنجة: انتصار عكا وانهيار كيان -القومون-















المزيد.....


سقوط آخر دويلات الفرنجة: انتصار عكا وانهيار كيان -القومون-


علاء اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 11:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نواصل في هذا النص قراءتنا لأحداث صعود وانهيار الكيان الإفرنجي الأخير "مملكة بيت المقدس" الثانية وعاصمتها عكا، في أواخر القرن الثالث عشر، متوقفين تفصيلا عند فشل الاستيطان الإفرنجي واسع النطاق في بلاد الشام.
فشل الاستيطان الإفرنجي واسع النطاق
امتدت مملكة بيت المقدس في ذروة صعودها وتمددها لتشمل فلسطين الكنعانية القديمة كلها وأجزاء من جند الأردن، وأجزاء أخرى جنوب جبل لبنان، وكانت هذه المملكة تهيمن فعلياً على الإمارات الصليبية الثلاث الأخرى (أنطاكية، طرابلس، والرها).
وحين بدأت الكيانات الغربية بالسقوط، انكمشت مملكة بيت المقدس في عكا على نفسها وتجمع فيها الفارون واللاجئون الفرنجة وكانوا من عدة بلدان منها فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنكلترا وغيرها، وتحولت عكا إلى "قومون". والكلمة تعريب لكلمة (Commune) الفرنسية والإنكليزية وتعني المدينة المدارة ذاتيا.
حاول الفرنجة طوال قرنين نقل نظام الإقطاع الأوروبي إلى المشرق العربي، فقسّموا الأراضي التي سيطروا عليها إلى بارونيات يملكها ويديرها أمراء وفرسان، وأنشأوا تنظيمات عسكرية دينية متنفذة وقاسية كفرسان الهيكل (الداوية) والاسبتارية وفرسان القديس إليعازر وغيرها. ولكن التجربة لم تتوسع وتنغرس عميقاً في البنية الاجتماعية العربية الإسلامية حيث رقبة الأرض في الغالب مشاع تُسْتَغَل ولا تستملك كما تذهب أكبر المذاهب الفقهية إلا بشروط خاصة صارمة ولآماد زمنية محددة.
فشلت هذه الكيانات الإفرنجية فشلاً ذريعاً في أن تتحول إلى مجتمعات استيطانية ذات غالبية سكانية من الفرنجة. ولم تتجاوز نسبة المستوطنين الأوروبيين في أفضل الحالات ربع السكان. هم في غالبهم من المقاتلين والأجهزة الدينية والمدنية اللازمة إدارة الكيان والمرتزقة الملتحقين بهم. وتركز هذا الاستيطان الأوروبي غالبا في المراكز الحضرية والمدن المحصنة مثل القدس، وعكا، وصور، ويافا. بينما ظل الريف والبوادي والمدن البعيدة نسبيا عن الساحل، ظلت هذه المناطق برمتها في قبضة السكان الأصليين العرب. وشكلت هذه المناطق بيئة نابذة وطاردة للغزاة الأجانب وطوق حماية ديموغرافي منع اختراق هذه البيئة حتى نهاية المغامرة الإفرنجية.
هذا الفشل في الانغراس الاستيطاني سيتكرر في الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة طوال عقدين ولم ينجح هذا الكيان في تحقيق استيطان نامٍ وراسخ باستمرار إلا نسبياً. تحقق نجاحه النسبي بعد تفعيل سببين؛ الأول تداعيات الهولوكوست العنصري النازي في أوروبا ضد اليهود، والثاني تواطؤ الأنظمة العربية الرجعية وخصوصاً الأنظمة الملكية في العراق والمغرب مع الكيان وإقدامها على طرد وإجلاء الجاليات اليهودية العربية إلى الكيان وتغذيته بالذخيرة الديموغرافية، وعبر الاستعانة بالإرهاب الصهيوني الذي مارسته أجهزة الاستخبارات في الكيان التي كانت تسمى قبل تأسيس الموساد "الدائرة السياسية"، كما اعترف بذلك مؤرخون معاصرون منهم اليهودي العراقي آفي شلايم صاحب كتاب "مذكرات يهودي عربي".
ولا تزال الفرشة الديموغرافية في الكيان الصهيوني هشة وعرضة للتغييرات وعوامل الهجرة والهجرة المعاكسة حتى اليوم. وقد فشل الكيان في بناء وترسيخ حالة سكانية هوياتية عميقة وما يزال المجتمع الاستيطاني منقسم على نفسه فئوياً بين أشكناز وسفارديم ومزراحيم شرقيين، وأيديولوجياً بين مجتمع علماني وآخر "حريدي = تقي" متدين وأصولي متشدد.
صعود إسلامي وانشقاقات إفرنجية
ومع تنامي قوة الدويلات والسلطنات العربية الإسلامية في المشرق بدأت موازين القوى بالانعدال لمصلحة العرب المسلمين، وتتويج هذا الصعود بتحالف بين حكام بلاد الشام الزنكيين ووادي النيل الأيوبيين بدءاً من عماد الدين زنكي، ثم ابنه نور الدين محمود، وصولاً إلى صلاح الدين الأيوبي.
في الوقت ذاته استمر الانقسام الداخلي والصراعات البينية ينخران أركان المملكة الإفرنجية الوحيدة على البر العربي. عانت مملكة بيت المقدس من صراعات شرسة على العرش، وازداد الأمر سوءاً بفعل المغامرات الدموية قام بها بعض قادتها مثل رينو دي شاتيون (أرناط) حاكم الكرك. فعلى سبيل المثال خرق دي شاتيون الهدنة مع صلاح الدين وهاجم قوافل الحجاج المسلمين. ثم تمادى فاستهدف قبر النبي العربي الكريم فهزمه صلاح الدين وقتله بيده لشناعة الجريمة التي ارتكبها وهي قتل أسرى من الحجيج المسلمين واستهداف قبر النبي العربي الكريم.
حين بلغت القوة العربية الإسلامية ذروة صعودها جاءت الضربة القاصمة للفرنجة في معركة حطين (1187م) حين استدرج صلاح الدين الجيش الصليبي إلى سفوح حطين وقضى عليه قضاء مبرما. بعد هذا الانتصار، حاصر صلاح الدين مدينة القدس واستعادها في الثاني من تشرين الأول - أكتوبر 1187م، وأنهى وجود "مملكة بيت المقدس" الأولى وحشر الصليبيين في شريط ساحلي ضيق وبدأت المرحلة الثانية من عمر هذه المملكة الغربية.
سقوط مملكة بيت المقدس بعد قرنين
لم تكن المعركة الحاسمة التي أنهت وجود مملكة بيت المقدس مغامرة سريعة وطائشة بل عملاً صبوراً ودقيقاً استمر التحضير له جيلين؛ جيل السلطان المنصور قلاوون الذي بدأ التخطيط للمعركة وتجهيز الأسباب المادية والأسلحة ولا سيما العرادات والمجانيق الضخمة المختلفة، وذكروا منها طرازي "منصوري" و "الغاضبة" ومجانيق صغيرة ولكنها ذات قوة تدميرية هائلة يطلقون عليها "الثور الأسود" وبالتركية " قره بقرا". وقد أحدث هذا السلاح أضراراً بالغة بالمقاتلين الصليبيين وجعل دفاعهم شبه مستحيل.
وحين توفي السلطان المنصور قلاوون استمرت الاستعدادات الحربية على الوتيرة نفسها في زمن ابنه الأشرف صلاح الدنيا والدين خليل قلاوون.
ففي عام 1289، وما أن انتهى السلطان قلاوون الأب من القضاء على الوجود الفرنجي في إمارة / كونتية طرابلس وحرر المدنية وضواحيها من الفرنجة حتى توفيَّ. وحلَّ محله في الحكم ابنه الأشرف الذي تولى قيادة المعركة الحاسمة ضد آخر مركز للعدو بعد عام وبعض عام من وفاة والده.
أول إجراء حربي قام به السلطان الأشرف هو عقد "المجلس الحربي" والذي لا يعقد إلا في الحالات الاستثنائية العظمى. وذكر المؤرخ المصري المقريزي في تاريخه "السلوك"، كما يقتبس محمد شعبان أيوب، أن الأشرف "جمع العلماء والقضاة والأعيان والقراء بالقبة المنصورية بين القصرين من القاهرة عند قبر أبيه، في ليلة الجمعة الثامن عشر من شهر صفر (690هـ)، فباتوا هناك في عمل مُهمّ عظيم".
وكان من قرارات المجلس الحربي إعلان حالة النفير العام في مصر والشام، والبدء بتعبئة العساكر والأسلحة من مختلف الولايات والنيابات المملوكية. وحين اكتملت الاستعدادات أعطى الأشرف الأوامر بالزحف الشامل نحو بقايا مملكة بيت المقدس في (قومون) عكا. وتحركت العساكر الشامية والمصرية في أربعة جيوش يقودها نواب السلطان.
ولعل من أبرز قرارات السلطان الأشرف هو سماحه لعامة الناس والمتطوعين بالانخراط في الجهد العسكري إلى جانب الجيوش النظامية، "فشارك الجمّالون وأهل الأسواق وحتى العلماء والمدرسون في دفع آلات الحصار"، ويصف المؤرخ ابن كثير في "البداية والنهاية" ذلك المشهد بقوله: "جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول [سنة 690هـ] لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق: الغزاة في سبيل الله إلى عكا… فأُبْرِزَت المجانيق إلى ناحية الجسورة، وخرجت العامة والمطوعة يجرون في العجَل، حتى الفقهاء والمدرسون والصلحاء. وخرج الناس من كل صوب، واتصل بهم عسكر طرابلس، وركب الأشرف من الديار المصرية بعساكره قاصداً عكا/ م.س".
والتقت هذه الجيوش عند قلعة الحصن في جبال الساحل الشامي أولا. ونصب الأشرف خيمة أركان حربه الحمراء على تل قريب من شاطئ البحر مقابل ما يسمى البرج البابوي وباشر قيادة المعركة.
يوم مادت الأرض وارتجت تحت أقدام الغزاة والمستوطنين
أطبقت الجيوش الشامية والمصرية في حصار بري خانق على المدنية. كانت عكا محمية براً بسورَين حجريين مزدوجين، واثني عشر برجاً. إضافة إلى الحصار البري دكت المجانيق الكثيفة والعرادات أسوار المدينة في قصف لا يتوقف ليلاً ونهاراً. أما سلاح الهندسة الذي كان يسمى "الحَجَّارة" أي المشتغلون بالأحجار والحفريات، فقد أخذ على عاتقه حفر خنادق وأنفاق تحت أسوار وأبراج العدو وتلغيمها بالمواد الحارقة تحضيراً لإسقاطها في الوقت المناسب.
مع سقوط أهم برج للعدو هو "برج الملك" يوم 18 أيار/مايو 1291، انفتحت أمام المهاجمين ثغرة ضخمة في السور فبدأوا باقتحامها. وتدفقت قواتهم مرفوقة بدوي طبول ضخمة حملت على ثلاثمائة جمل لبث الرعب في قلوب المدافعين الفرنجة وضبط سير القوات المهاجمة ورفع معنوياتها أكثر. كانت القوات تتقدم في المدينة تسبقها سحب متلاحقة من السهام والمقذوفات النفطية، فلم تجد القوات الإفرنجية المذعورة وفي طليعتها قوات النخبة الاستبارية وفرسان الهيكل "الداوية" وفرسان التيتون الألمان والرهبان المقاتلين إلا الفِرار نحو الحصن المنيع على الشاطئ بعد أن قُتِلَ عدد كبير من مقاتليها.
أما فرسان القديس إليعازر فقد أبيدوا كلهم في المعركة، وكانوا بالعشرات، ولكنهم قاتلوا ببسالة واستماتة. وحين اكتمل تجمع الفرنجة الناجين في الحصن البحري نودي عليهم بالاستسلام فرفضوا، لأنهم كانوا يخشون من عقاب المنتصرين لهم من جرّاء ما ارتكبوا من جرائم شنيعة بحق أهل الأرض وآخرها قطع رؤوس الأسرى العرب المسلمين الذين كانوا بحوزتهم بهم في الحصن. وعندها أمر السلطان الأشرف بدك الحص بالمجانيق والعرادات وهدمه على رؤوسهم وهذا ما حدث. فقتل منهم جمع كبير وأسر آخرون وأُعْدِم منهم من شارك في قتل الأسرى العرب وفر قسم منهم بحرا بالسفن المتوفرة إلى جزيرة قبرص.
مع الفارين من الموت بحراً، هرب الملك هنري الثاني الذي جاء من قبرص لنجدة المستوطنين والمقاتلين الفرنجة. وكان في رفقته أربعون سفينة محملة بالمقاتلين والعتاد، لكنها لم تكن كافية لصد هجوم العرب المسلمين الشامل. فآثر هنري الانسحاب والنجاة بجلده وترك الباقين يواجهون مصيرهم البائس. ومعه وصل معه بعض الناجين الأحياء حيث اتخذوا من مدينة "ليماسول" مستقراً لهم.
لم تأخذ الأشرف خليل سَكرة النصر بعد تحرير عكا، بل أوعز باستكمال المعركة والزحف شمالاً لتأمين الساحل الشامي كله. فالبحر المتوسط يبقى مصدر خطر دائم. لذلك اقتحمت القوات المسلمة مدن الساحل المحتلة وشبه المحتلة وحررتها كلها من دون مقاومة كبيرة مثل صيدا، وصور، وحيفا، وطرطوس.
أما بيروت، فقد أرسل إليها السلطانُ أشرفُ الأميرَ سنجر الشجاعي على رأس قوة مهمة. وبعد أن حرر هذا الأخير صيدا، توجه إلى بيروت. وكان بها حامية صليبية صغيرة فهي كانت مرفأً تجارياً هاما للصليبيين تحكمها امرأة تدعى "إيشيفا من إبلين" وتلقب بسيدة بيروت. ظنت السيدة الإبلينية أنها بمأمن من زحف المسلمين بسبب توقيعها هدنة مع السلطان منصور قلاوون والد الأشرف خليل. وحين دخلت قوات الشجاعي إلى بيروت طلب القائد من مقدمي الحامية المثول أمامه فلما أتوه اعتقلهم، ففر المقاتلون الصليبيون عن طريق البحر ومعهم سيدتهم إيشيفا الإبلينية إلى قبرص حيث عاشت هناك وظلت تصر على مناداتها بلقب "سيدة بيروت" وماتت بعد 21 عاماً ودفنت في نيقوسيا.
بتحرير بيروت من الفرنجة الصليبيين في 31 تموز/ يوليو 1291، أُغْلِقَ ملف المغامرة الغربية والوجود الإفرنجي الغربي نهائياً على أرض المشرق العربي.
غير أن السلطان الأشرف لم يهنأ طويلاً بانتصاره الباهر، بل انتابه الغرور وأساء معاملة قادته وحلفائه. ودخل في صراعات مع نخبة المماليك الذين صاروا في عهده أحزابا وجبهات. وارتكب أخطاء عدة، من ذلك قمعه لبعض من اعتقد بعداوتهم لهم. وكان قد قبض على أمراء أبيه وأعدم بعضهم مثلما فعل مع الأمير طرنطاي نائب سلطنة أبيه. وبعد فتح عكا قام الأشرف بالقبض على قائده حسام الدين لاجين الذي عاد منتصرا إلى القاهرة. كما أعدم بعض كبار الأمراء من بينهم الأمير سنقر الأشقر. ومن جهة ثانية تحزب الأشرف إلى جهة المماليك والأمراء البرجية الشركس وفضلهم على المماليك والأمراء من ذوي الأصول التركية ما خلق حالة من التنافس والكراهية بين الأمراء وجعله في تقاطع نيران وعداوات كان في غنىً عنها.
إضافة إلى ذلك كان الأمراء المماليك البرجية "الشركس" والذين سكنوا أبراج قلعة القاهرة، يكرهون وزيره ابن السلعوس. وكان هذا الأخير في الأصل تاجراً وصولياً جاء من دمشق. ولم يكن أميراً أو مملوكاً ولكنه حلَّ محل الأمير الشجاعي وزيراً رفيعاً، له حظوة كبيرة لدى أشرف. وهنا اجتمع رأي المماليك على قتل السلطان فقتلوه غيلة في 21 من كانون الأول -ديسمبر عام 1293.
لكن الصراع الدموي بين المماليك البرجية والمماليك السلطانية، لم ينتهِ بل استمر حتى نهاية دولتهم في عام 1517م (923 هـ) إثر سقوط القاهرة في يد الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول. فدار التأريخ الشرقي دورة جديدة أخرى.
عودة إلى البدايات
أفاق المشرق العربي والإسلامي على صدمة العنف الحربي المفرط الذي مارسته جيوش الفرنجة "الصليبيين" الجرارة في المناطق التي اجتاحتها بلا تفريق بين مسلمين بكل طوائفهم ومسيحيين ويهود، ولا بين مدنيين وعسكريين، وكأن هدفهم الأول غير المعلن هو إبادة السكان الأصليين كبشر واستبدالهم بمستوطنين أوروبيين كما حدث بالضبط في القارتين الأمريكيتين.
في بداية الحروب الإفرنجية الصليبية، كانت الحضارة العربية الإسلامية قد غادرت ذروة صعودها في بغداد العباسية في أواسط القرن التاسع الميلادي / الثالث الهجري. وبدأ الهزال والضعف وهيمنة العسكر المرتزقة الأجانب على دواليب الدولة. وتحولت الدولة المركزية إلى ما يشبه الدولة الاتحادية "الفيدرالية نوعا ما" إلى دويلات متنازعة مستقلة أو شبه مستقلة عن المركز العباسي. هذه الصورة المتشائمة لظروف وسياق حدوث الغزو جعلت من الصعوبة بمكان على المشرق العربي الإسلامي أن يأتي برد فعل متماسك ومؤثر يرد الغزو، فانتكست المحاولات الأولى للتصدي.
غير أن الصراع العميق بين قوى الغزو الاستيطاني وقوى أصحاب الأرض والسكان الأصليين لم يتوقف، بل اتخذ وجوهاً وأشكالاً كثيرة وغير مسبوقة. لقد انتقلت حالة المشرق العربي من التطامن والخذلان واللامبالاة الشبيه بما يعيشه العالم العربي اليوم إلى حالة التحدي والدخول في معارك مختلفة الوزن التاريخي بعد زمن طويل ناهز القرن حتى بلغ مرحلة كسر التوازن فالهجوم الشامل والنهائي.
من الخذلان إلى التصدي والتحدي
لكي نأخذ صورة واضحة عن حالة التردي الحضاري وأجواء التشرذم واللامبالاة والتآمر والخذلان العربي الرسمي وحتى الشعبي في سنوات الغزو الصليبي الأولى، والشبيهة إلى درجة التطابق مع الحالة التي نشهدها اليوم في أجواء جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة ضد الفلسطينيين في غزة، يمكن لنا أن نتذكر تلك المشاهد القاسية التي رواها المؤرخون العرب، التي صدَّر بها أمين معلوف كتابه "الحروب الصليبية كما رآها العرب/ ص 11".
في تلك المشاهد يظهر قاضي دمشق أبو سعد الهروي وهو يقود وفداً من العرب المسلمين الناجين من مذابح الفرنجة في القدس، ويستغيث بخليفة المسلمين أحمد المستظهر بالله العباسي وقادته، ويطلب منهم نجدة لن تأتِ قط. وكيف تأتي النجدة للمقادسة من خليفة يأخذ بيعته من المرتزقة الترك السلاجقة ويكون تحت رحمة قائدهم ركن الدولة بركيارق بن ملكشاه، خليفة غدر بوزير أبيه ثم وزيره أبي منصور بن جهير وقتله غيلة في السنة ذاتها (حبسه في حمام وسمَّر عليه حتى مات مختنقا)؟ فبعد تأخير طويل سُمح لأبي سعد الهروي ووفده الفلسطيني بالمثول بين يدي الخليفة، وأسمعه وأسمع الحاضرين كلاماً مؤلماً وتوبيخاً قاسياً ومنه قوله "لم يسبق إنْ أذِلَّ المسلمون هذا الإذلال ولا أن نهبت ديارهم بمثل هذه الوحشية".
ولكن الهروي لم يحصل من الخليفة والسامعين سوى البكاء والنحيب. وهنا قال لهم خاتماً كلمته: "إنَّ أسوأ ما يلجأ إليه المرء من سلاح هو أن يسكب الدموع بينما تُذكي السيوفُ نار الحرب"! وقد استعاد الصديق الشاعر الراحل أمجد ناصر حكاية القاضي الهروي في مقالة له قبل بضع سنوات من وفاته كتب فيها: "حين لم يأخذ القاضي الهروي من الخليفة العباسي إلا الكلام، قرر أن يستثير نخوة البغداديين. طلب الخُطبة في أحد جوامعها، وكان ذلك في يوم من أيام رمضان. صعد قاضي دمشق المنبر، وبيده صُرَّة. جال بصره في المصلين، وبدل أن يبدأ الخُطبة فتح صرته وأخرج خبزاً وأكله على مرأى من جموع المصلين المبهوتين. سرت همهمات، وعلت أصوات استنكار، ثم هاج المصلون، وماجوا، فتنحنح القاضي الهروي، وقال لهم ما معناه، ويحكم تهيجون وتموجون لإفطار رجل في رمضان، فيما لا تحركون ساكناً حيال سقوط قبلتكم الأولى/ /العربي الجديد عدد 23 آذار مارس 2015"!
لقد فضح القاضي الدمشقي تجليات الدين القشري الشعائري التي كانت سائدة آنذاك. وكانت أمثال هذه القطرات التثقيفية والتحريضية تتراكم طوال نصف قرن. ثم أن هذا الواقع السوداوي والبالغ السوء انقلب إلى النقيض. وحلت سنوات كانت حافلة بالانتصارات والتراجعات، حتى انتهت أخيراً بتدمير جميع الكيانات الإفرنجية التي بلغ عمر بعضها قرابة القرنين وحدث ذلك خلال معركة لم تستمر أكثر من أربعة وأربعين يوما وكأن التاريخ في كل مرة يدون فيها الماضي الذي كان حاضراً يترك نافذة مضيئة تنير لنا حيثيات حاضرنا وترسم لنا طرقا لم تطرق لنا على بال إبان حالة التراجع والتشتت والخذلان لا لشيء إلا لأننا على أرضنا وفي بيئتنا ويبقى عدواناً غريباً يفشل في كل مرة يحاول إبادتنا أو الانغراس والاستيطان في بقعة من أرضنا عنوة. وليس ثمة ما يشير إلى أن حركة التاريخ وروحه الفعلية المتجلية في صور الأحداث الجسام لن تعود إلى الوراء أو تأتي بما يخالف ويناقض تلك المقدمات وذلك المضمون "الروح" المتجوهر في مقاومة شعوب المنطقة ودفاعها عن نفسها ضد الاقتلاع والإبادة.
إن الخلاصة الجوهرية التي تقدمها لنا هذه الإحاطة التاريخية التحليلية لأحداث الماضي تعلن بوضوح: إذا كانت شعوب وأمم أوروبا الفعالة آنذاك، وهي بمئات الملايين من البشر، وفي عنفوان فورتها الدينية الصليبية، قد فشلت في استزراع كيان إفرنجي استيطاني واحد على أرض المشرق العربي طوال قرنين من الحروب المتواصلة وفشلت في إنقاذه، وانتهت محاولاتها بتدمير آخر هذه الكيانات الأربع بقوة السلاح وهروب المستوطنين المغامرين، فهل يستطيع خمسة أو ستة ملايين مستوطن أشكنازي صهيوني في كيان صغير على جزء ضيق من فلسطين(لا يزيد عرضه في وسطه على أربعين كيلومترا)، حتى لو كانوا مدعومين من قوى الجن والأنس أن يقفوا في مواجهة بحر ديموغرافي يموج بنصف مليار إنسان معادٍ لوجودهم لا سيما بعد أن سفكوا كل هذه الشلالات من دماء أصحاب الأرض وما يزالون يهددون ويعملون على بناء كيانهم التوراتي من الفرات إلى النيل؟!



#علاء_اللامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقولة -المال مجهول المالك- في الفقهين السني والشيعي
- سقوط آخر دويلات الفرنجة -الصليبيين-: السياق والمقدمات
- جمهورية العتبات الدينية توقع عقودا استراتيجية كبرى مع شركات ...
- المصطلح الاجتماسي بين الاختلاق والواقعية: -الشيعية السياسية- ...
- تمثال الجواهري الجديد لنداء كاظم وما أثاره من جدل
- الزيدي في البيت البيض: بداية الاحتلال الأميركي الثاني
- تمهيد: -تفكيك المصادرات في الخطاب السلفي الانتحاري الداعشي-
- موت السيناتور الأميركي الصهيوني المثير للجدل أخلاقيا ليندسي ...
- -صولة الفجر- ضد الفساد: جعجعة ولا طحين والنفط العراقي في خطر ...
- نصيحة إلى شيعة أميركا في المنطقة الخضراء ببغداد
- أمام الزيدي ثلاثة احتمالات أحلاها علقم قبل تسليم النفط العرا ...
- أوف سايد... الفاسدون لا يكافحون الفساد!
- لا جديد في لبنان: العدو وأعوانه يكررون أنفسهم منذ 17 أيار 83 ...
- لماذا هذه الخسائر الفادحة للمنتخب العراقي؟
- ج2/ رجل أميركا الجديد في بغداد: نسخة من يلتسن أم السادات؟
- ج1/ خطة الزيدي الاقتصادية: نسخة من يلتسن أم السادات؟
- صمود إيراني حقيقي ولكن الحرب لم تنته بعد
- جنوب أفريقيا تطلب تأجيل النظر في قضية الإبادة الجماعية: الأس ...
- أرباح وخسائر إيران في الاتفاق الوشيك
- ماريو بارغاس يوسا في بغداد 2003؛ هل جاء متضامنا أم مروِّجا ل ...


المزيد.....




- من أزقة القاهرة القديمة إلى يد بيونسيه..قصة حقائب Okhtein ال ...
- كم وصل حجم الدمار بسبب حرائق الغابات في أوروبا؟
- ترامب: لو لم أتدخل وأدمر الأسلحة الإيرانية - لانهارت إسرائيل ...
- -توسيع للحرب-.. إيران تحذّر من تداعيات الحصار البحري الأمريك ...
- دلالة توقيت اتصال وزير خارجية إيران بنظيريه السعودي والعُمان ...
- كيف تحافظ على عظام قوية؟ إليك أهم الأطعمة التي ينصح بها الخب ...
- لبنان وإسرائيل على موعد مع جولة مفاوضات جديدة في روما
- بدعم إقليمي.. مبادرة عُمانية لإنقاذ مضيق هرمز من شبح الحرب
- ضيفا ترامب.. نتنياهو يبحث عن دعم سياسي وزيلينسكي يطلب السلاح ...
- الإمارات تعلن عن خطوة عالمية غير مسبوقة في مجال القضاء


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء اللامي - سقوط آخر دويلات الفرنجة: انتصار عكا وانهيار كيان -القومون-