أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جوزيف تحوت - السياق والكلمة















المزيد.....



السياق والكلمة


جوزيف تحوت
كاتب

(Jousseph Thouth)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 07:44
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لطالما تمثلت كلمة "العدم" في ذهني بمعنى اللامادة، اللامكان، اللازمان، ولا زال معناها ماثلا في وعيي في لاشيئية مطلقة حتى قرأت هذه الكلمة في عدد من سياقاتها الخارجة عن هذا المعنى: "فخلق الوجود حسب هذا الكتاب لم يستغرق ستة أيام، حسب التوراة والقرآن، بل لم يأخذ غير لحظة الأمر والتكليف. ومن جهة أخرى إنه ذكر الظلمات، وربما هي العدم لدى المعتزلة، وهي الخراب والماء في التوراة والقرآن، وهي الهيولي"؛ "هذه هي قصة الخلق الدينية السماوية المفترضة الأولى، والتي نفهم منها بأنها لا تقول بالعدم المطلق؛ بل تقول صراحة بوجود عالم قبل هذا العالم، حيث تنص على وجود أرض خربة تطفو على سطح الماء، ولكنها لم تتحدث عن مصدر هذه الأرض، هل كانت عامرة فخربها الله وعمرها من جديد؟ أم هي أزلية؟ وتحدثت عن أولوية الماء، حيث كانت الأرض تطفو على هذا الماء، وأن روح الله تتحرك فوقه. وتحدثت القصة أيضاً عن وحدة السماء والأرض وفصلهما بالجلد، فما هو فوق الماء دعاه سماءً، وما هو تحت الماء دعاه أرضاً"؛ "أقر القرآن بالمادة الأولى، وهي الدخان، وعدم قوله بالعدم المطلق، حيث خلق الله السماء من مادة سابقة، وقد شخص من الأيام الستة يومين لخلق الأرض وما عليها من حياة"؛ "كذلك نجد المجلسي يفسر مفردة العدم بعبارته الآتية: "كان كل شيء ماء وكان عرشه على الماء، فأمر الماء فتحول ناراً، ثم أمر النار فخمدت فارتفع من خمودها دخان، فخلق الله السماوات من الدخان وخلق الأرض من الرماد"؛ إذن ليس هناك عدم محض، فالأول كان الماء الذي شخصته الأفكار السومرية أساسا للكون"[1]؛ ففي الفقرة الأولى وردت كلمة "العدم" مرادفة للكلمات: "الظلمات"، "الخراب"، "الماء"، "الهيولي"، وهي كلها أشكال مبهمة وأولية من أشكال الوجود؛ وفي الفقرة الثانية وردت كلمة العدم المطلق وهو يشير إلى تصنيف للعدم إلى مطلق وناقص، وتشير هذه الفقرة إلى أن العدم الناقص ينطبق على عالم كان موجودا قبل عالمنا وكان عبارة عن أرض خربة تطفو على سطح من الماء، كما تشير إلى شكل آخر من أشكال العدم الناقص يتمثل في وجود مدغم تندمج فيه السماء مع الأرض؛ أما في الفقرة الثالثة فيأتي إثبات المادة الأولى والمادة السابقة مرادفا لنفي العدم المطلق بل إنهما جميعا ينعقدان بإقرار واحد؛ أما في الفقرة الرابعة: فتفسير المجلسي يشير إلى المرادفة بين العدم والأشكال البدئية للوجود المعتاد ذكرها في الخطاب الديني والميثولوجي، وتفسير رشيد الخيون لكلام المجلسي يؤكد ما استقر في وعيي من تصنيف العدم إلى عدم خالص يتمثل في اللامادة، اللامكان، اللازمان، وعدم ناقص يتمثل في العماء أو غيره من أشكال الوجود البدئية المبهمة وغير المتمايزة.

لم أخرج من هذه التجربة بمعنيين مختلفين لكلمة "العدم" فحسب، بل خرجت منها بشيء أعمق من ذلك، لقد استوعبت بشكل واعٍ وعميق لأول مرة، كيف يؤثر السياق في مفهوم الكلمة أثناء التلقي ويطور دلالتها في الوعي، ولم يكن مفهوم السياق في حد ذاته جديدا أو غريبا، فلطالما كان جزءا لا يتجزأ من دراستي اليومية في الأزهر ومن قراءاتي الخاصة في النحو والبلاغة والنقد وغيرها، ولكن عادة ما كان يتردد هذا المصطلح في أفقي الحسي كقوة عاملة في تشكيل النص وصياغته، وقلما تردد كقوة عاملة في تلقي النص وفهمه، حتى استقر في نفسي -ودون وعي ربما- أن السياق مفهوم مرتبط بإنشاء النص لا بتلقيه، ورغم كثرة النصوص الفلسفية والنقدية التي أشارت إلى دور السياق في تلقي النص وفهمه إلا أنها لم تكن في نظري قبل هذه التجربة أكثر من كلام نظري، وكثيرا ما كنت أرفض الوجه الإعرابي أو البلاغي في الكلمة محتجا بتنافره مع المعنى العام للنص إلا أني لم أنجح قبل ذلك في صياغة فهم أو تصور للسياق؛ فما المقصود بالسياق؟ ومما يتكون؟ ومن أين يبدأ؟ وأين ينتهي؟ وكيف يعمل ويؤثر؟ وكيف يُلزِم منشئ النص باختيار كلمة دون كلمة؟ ثم كيف يُلزِم مفسره باختيار معنى محتمل في الكلمة دون معنى آخر هو أيضا محتمل فيها؟ وهل المقصود بالسياق عند الإنشاء هو ذاته المقصود به عند التلقي؟ وهل يعمل السياق عند الإنشاء ضمن نفس الآليات والكيفيات التي يعمل بها عند التلقي؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه في الصفحات التالية، وسأناقش هذه الأسئلة ضمن ثلاثة أقسام، أما القسم الأول فسأتناول فيه مفهوم السياقات والآليات والكيفيات التي يعمل ضمنها ومن خلالها آن إنشاء النص وآن تلقيه وتفسيره، وأما القسم الثاني، فسأتناول فيه أهم المصطلحات المستخدمة في الجانب التطبيقي من الدراسة، أما القسم الثالث فسأتناول فيه أمثلة تطبيقية أوضح من خلالها ما ذكرته في القسم الأول وأستدل عليه، وسأتناول هذه الأقسام ضمن المحاور التالية:

السياق: المفهوم وآليات العمل.
المصطلحات المستخدمة في الجانب التطبيقي: التداخلات والعلائق.
السياق ونشأة النص بين ابن رشيق وعبد القاهر.
الكلمة تتمم ما بدأه السياق.
السياق بين النص والواقع.
السياق: المضامين والبدايات.
سياق التفسير كتمثيل مستقل ومتفاعل مع الواقع.
تطور دلالة "العدم": المراحل والكيفيات.
السياق وبناء الصرح بين الرازي وابن عاشور.
الثواني تعيد تشكيل الأوائل بما يتسق مع شروطها.
التفسير بين التوقع وتصديق التوقع.
الخاتمة: السياق والفرد.

السياق: المفهوم وآليات العمل

إن أبسط مفهوم للسياق هو إقامة الثواني على ما تقتضيه فيها الأوائل من شروط، وهذه الأوائل قد تكون ما تقدم من كلامك، وقد تكون ما تقدم من كلام غيرك، وقد تكون ما تقدم من أحداث؛ ولذلك جرت العادة عند النحويين العرب أن يقيموا الإعراب في النص على ما يفهم من نص آخر سابق عليه ولو كان لمتكلم آخر، حتى قالوا في كلمة "حزين" الواقعة في إجابة سؤال من مثل "كيف أنت؟": إنها خبر لمبتدأ محذوف، تقديره "أنا" يفهم من الكلام السابق عليه[2]، كما جرت العادة عندهم أن يقيموا الإعراب في النص على ما يفهم من حدث سابق عليه، وإن لم يتلفظ به متلفظ، حتى لو هممت الآن بأي جماد على مكتبي، فقمت بإلقائه، وقلت آن أو إثر ذلك: "رميَ القاذورات" لعدوا كلمة "رميَ" مفعولا مطلقا، لفعل محذوف تقديره "أرمي" يفهم مما يحدث بالفعل في المادة والواقع، وهذا ما يذكره سيبويه في كتابه تحت العنوان "هذا باب ما يُضْمَرُ فيه الفِعْلُ المستعمَلُ إظهارُهُ في غير الأمر والنهى"، ويستشهد على ذلك بعدد من الأمثلة ومن أوضحها: "أو رأيتَ رجلاً يسدِّدُ سَهْمًا قِبَلَ القرطاسِ فقلتَ: القرطاسَ واللهِ، أي يُصيبُ القرطاسَ، وإذا سمعتَ وَقْعَ السَّهم في القرطاس قلت: القرطاسَ واللهِ، أي أصاب القرطاسَ"[3].

وأنت إذ تتلقى الأوائل تتبطنها بتصورك وشعورك، ومن ثم تتوقع فيما يقام عليها ويتصل بها أن يكون ذا طبائع شروط خاصة كي يكون صالحا لاستكمال الحقيقة التي تصورتها في هذه الأوائل ابتداء، فإذا جاءت الثواني ضمن الطبائع والشروط التي توقعتها صدق توقعك، واستقامت العبارة، وإن جاءت الثواني خارج ما تتوقعه فيها من طبائع وشروط، فإما أن تؤول الثواني بما يردها إلى الطبائع والشروط التي تجعلها صالحة لاستكمال الحقيقة التي تتصورها في الأوائل، وإما أن تعدل الحقيقة التي تصورتها في الأوائل كي تكون صالحة للاستمرار والتماسك ضمن الأوائل والثواني معا، وإما أن ينهار النص كله في وعيك، فتحكم على نفسك بعدم الفهم، أو تسقط الانهيار على النص ذاته فتحكم عليه بالتناقض والاضطراب، وفي بعض السياقات لا تجيء الثواني أصلا مما يخلق في اطراد السياق فجوة تحول السياق من رسالة قابلة للقراءة والفهم إلى آلة تنتج ما لا يتناهى من التأويلات، ولا يعني ذلك أننا ندخل النص ونحن نمتلك تصورات واضحة ومنظمة تنتظر أن تجد تحققها ووحدتها واكتمالها في النص، وإنما ندخل النص بتصورات كلية مبهمة مدغمة عن الحقائق التي أشارت إليها الأوائل في نفوسنا قد يطفو على سطحها مدركات بعينها لأسباب لا ترجع إلى النص المفسر، أما بقية المدركات فهي مغيبة في قاع الحقيقة التي تتصورها في الأوائل حتى إذا ما انتظمت ضمن وعيك الثواني تشكلت الحقيقة التي تتصورها في الأوائل تشكلا جديدا فيتقدم منها نحو المقدمة المدركات الصالحة للدخول مع الثواني في علاقة صحيحة ويتغيب منها في المؤخرة ما لا يصلح لذلك، أي: إن الحقيقة الكلية السابقة على النص المفسر والتي ندخل بها ضمنه تعيد التشكل والترتب أثناء التلقي وضمن اتصالها بالثواني بما يجعلها صالحة لهذا الاتصال، ولربما تكشفت الحقيقة ضمن اتصالها بالثواني عن مدركات لم تتكشف عنها من قبل أمام حدقة الوعي وإنما كانت حدسا تنتظر من يدفعه للإعلان عن ذاته، أما الثواني فلا تتجلى أمام حدقة الوعي إلا ضمن ومن خلال ما يقتضيه فيها اتصالها بالأوائل وقيامها عليها من تشكل وترتب، وذلك أنها لا تقع في الوعي ثم يقع ما يعيد ترتيبها وتشكيلها من اتصال، وإنما تقع ابتداء ضمن ما يقتضيه فيها اتصالها بالأوائل من شروط وطبائع.

هذا ويسير العقل أثناء تلقيه للنص بالتردد بين الحقيقة كما تتمثل في خبرته السابقة على النص بكل ما انطوت عليه من تصورات ومشاعر وبين الحقيقة ذاتها كما تتمثل في النص، وتحقق هذه السيرورة ضمن الثنائيات (التوقع - تصديق التوقع)، (التوقع - كسر التوقع)، ويمثل التوقع في الثنائيتين إقبالك على النص مندفعا من خبرتك السابقة على النص أو التي تطورت من خلال التفاعل مع أوائل النص، ويمثل تصديق أو كسر التوقع ارتدادك عن النص عائدا إلى خبرتك السابقة باليقين والاكتمال أو بالقلق والاضطراب، وعندما يصدق التوقع تزداد الحقيقة المتصورة سلفا قبل النص أو من خلال التفاعل مع أوائله يقينا وتأكدا واستقرار، أما عندما ينكسر التوقع تحدث الفجوة بين ما يقوله النص وما تتصوره، وهنا نجد أنفسنا أمام خيارين، فإما الانهيار التام لأحد الطرفين النص أو الخبرة السابقة، وإما المقاربة وتعمل المقاربة على إعادة تشكيل التصور السابق أو النص أو الاثنين معا حتى تنتج تفسيرا وسطا يسد هذه الفجوة.

هذا وأنت إذ تتلقى الكلمة فإنما تتلقاها ضمن سياق يتألف من النص ومن الواقع الذي يلقى فيه النص معا، وكل سياق تتلقى فيه الكلمة فإنما يؤكد في حقلها الدلالي معنى حاصلا فيه بالفعل أو يستجد فيه معنى جديدا، ومن ثم يتألف الحقل الدلالي للكلمة في وعي الفرد من مجموع التجارب اللغوية التي باشر الفرد الكلمة ضمنها ومن خلالها والتي حصلها امتداد تجربته في الوجود والاطلاع، والتي يمكن التعبير عنها بالتاريخ الدلالي للكلمة في وعي الفرد، وبذلك فإن السياق ينتج ويعيد إنتاج الكلمة كما تنتجه وتعيد إنتاجه الكلمة، ورغم أن التاريخ الدلالي للكلمة يتألف من تجارب لغوية تنطوي على استعمالات فعلية لها ضمن نصوص كاملة إلا أن الذاكرة لا تحتفظ عادة بهذه النصوص في كليتها، وإنما تحتفظ فقط بما تستنبطه منها من معنى عام أو معان متعددة للكلمة، ويظل هذا الاستنباط في صورة معرفة مضمرة، تقدم نفسها لنا دائما كمعرفة بديهية لا تفتقر إلى التوضيح أو التنظيم، حتى نعمد إليها بالتفكير والنص وحينها فقط تتحول إلى معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول.

وما دمنا لا نباشر النص إلا ونحن ننطوي على حقول دلالية لما يتألف منه من مفردات وعلائق، وما دامت هذه الحقول الدلالية تتشكل عبر التاريخ الدلالي للكلمات في وعينا؛ فإن هذا يعني أن أفعال التلقي والتفسير والفهم تقوم على التقاء التاريخي، أي: الحقل الدلالي للكلمات الذي تشكل في وعينا عبر تاريخ التجارب اللغوية التي باشرنا الكلمة ضمنها ومن خلالها امتداد تجربتنا في الوجود والاطلاع، بالآني، أي: النص الذي نفسره الآن ضمن سياق محدد، وما إن نتجاوز النص الآني وننتهي من تفسيره حتى يلتحق بكامل سياقه بالتاريخ الدلالي للكلمة باعتباره واحدا من التجارب اللغوية التي باشرنا الكلمة ضمنها ومن خلالها؛ وبذلك يمكن القول إن الحقول الدلالية التي تشكلت عبر التاريخ الدلالي للكلمات تفسر السياقات الآنية وتمنحها المعنى والشعور، كما أن السياقات الآنية بدورها تحقق الحقول الدلالية عبر ما تقدمه لها من تجارب لغوية متعاقبة، فكل منهما ينتج الآخر.
ولا ينشأ النص إلا ضمن سياق واقعي أو متخيل، وخارج السياق لا يوجد ما يشير إليه النص، ويتكون السياق من مجموع الخبرات التي خبرها المتكلم وسجلت حضورها في النص من صور ذهنية وانفعالات، سواء سجلت حضورها في النص من خلال لفظ صريح وضع للدلالة عليها، أم سجلت حضورها في النص من خلال مسلك أسلوبي تعمده المتكلم دون غيره من المسالك، وما دام النص لا ينشأ ولا يشير إلا ضمن السياق الذي أنتجه، وما دامت النصوص إذ تتداول فلا تتداول معها سياقاتها التي أنتجتها؛ فلا يمكننا أن نفسر النصوص حتى نتمثل فيها سياقات بديلة للسياقات التي أنشأتها، ونستمد هذه السياقات من خبرتنا بما من شأنه أن يكون في مضامين النص من ظروف وأحوال وهيئات وانفعالات، وهذه السياقات شأنها شأن كل بديل نتمثله ونتصوره تقارب السياقات الأصلية لمنشئ النص من خلال الارتداد إلى واقعه باستمرار أو تتجافى عنه لتستغرق في المثالية أو الخرافة أو التعبير عن واقع المفسر ذاته.

المصطلحات المستخدمة في الجانب التطبيقي: التداخلات والعلائق

لا بد قبل أن نشرع في الجانب التطبيقي من الدراسة أن نوضح أهم المصطلحات المستخدمة في هذا الجانب، ويستمد هذا التوضيح أهميته من طبيعة هذه المصطلحات: فهي إما مصطلحات ذات مضامين مركبة تعرف تعريفات عدة من زوايا مختلفة، وإما مصطلحات مرنة تطلق على المسمى لا بالنظر إلى طبيعته الثابتة وإنما بالنظر إلى علاقته بمسمى أخر، وإما مصطلحات متداخلة تقوم في مُدرَك واحد من زوايا مختلفة، وتتمثل هذه المصطلحات جميعا في المصطلحات التالية: السياق، الأوائل، الثواني، المضامين، التصورات، الدواعي، القوى.

• السياق: ويأتي في مقدمة هذه المصطلحات مصطلح "السياق"، وهو أهمها جميعا، وهو مصطلح ثري لتعدد المسارات التي يستخدم ضمنها ومن خلالها وإن كانت تنصهر جميعا ضمن موضوع واحد، فتارة ننظر إلى السياق باعتباره اطرادا يتطور عبر الزمان تتقدم فيه الأوائل وتلحقها الثواني ضمن الشروط التي أسست لها هذه الأوائل، فنعرف السياق حينئذ بأنه إقامة الثواني على الشروط التي اقتضها فيها الأوائل؛ وتارة ننظر إلى السياق في لحظة واحدة من لحظات تطوره باعتباره شيئا ساكنا يتكون من مجموعة من العناصر، فنسمي السياق حينئذ من زاوية منشئ النص بالسياق الأصلي ونعرفه بأنه مجموع الخبرات (الصور - الانفعالات) التي خبرها المتكلم، والتي تنصهر في موقف معرفي ووجداني ما لتنتج النص، وهي تسجل حضورها في النص من خلال ألفاظ صريحة وضعت للدلالة على مضامينها أو مسالك أسلوبية خاصة تشير إليها، أو نسميه من زاوية المفسر بالسياق البديل ونعرفه بأنه مجموع الخبرات (الصور - الانفعالات) التي يتمثلها المفسر كبديل للسياق الأصلي، ويستمدها من خبرته بما من شأنه أن يكون في مضامين النص المفسر من ظروف وأحوال وهيئات، وهي قد تقارب السياق الأصلي أو تجافيه؛ وقد أستعمل مصطلح "السياق" في الدلالة على عنصرٍ أو جانبٍ من العناصر التي يتكون منها، فقد أقول "السياق الصوتي للنص"، وأنا أقصد الوزن والقافية، وهما من العناصر والمضامين التي يتكون من كليتها وتفاعلها السياق، وقد أقول "السياق الثقافي للشعر العربي" وأنا أقصد إحدى العادات والتقاليد التي اتبعها وحافظ عليها الشعر القديم والتي تشكل جزءًا من السياق الكلي الذي ينتج الشاعر نصه ضمنه ومن خلاله، وهذا من باب تسمية الكل باسم الجزء، وعادة ما أميز السياق بصفة تخصصه عندما أستعمله في الدلالة على جانب محدد من مضامينه، مثل: "السياق الصوتي"، "السياق الثقافي".

• الأوائل والثواني: يتكون السياق بالنظر إليه كاطراد يتطور عبر الزمان من أوائل وثواني، والأوائل هي كل ما يتقدم غيره ويفرض فيما يتلوه شروطا وطبائع، والثواني هي كل ما لحق غيره ضمن الشروط التي اقتضاها فيه، وهما صفتان نسبيتان يلحقان الموصوف بالنظر إلى موقعه من موصوف آخر، فقد تلحق الكلمةُ الكلمةَ على شروطها وهي في ذات الوقت تقدم لكلمة ثالثة وتؤسس لشروطها فتكون ثانية من حيث هي قائمة على شروط الكلمة السابقة عليها وتكون أولى من حيث هي مؤسسة لشروط الكلمة التالية لها، ولا يقتصر المصطلحان على الكلمات التي يتكون من اطرادها النص، وإنما يشملان كل الخبرات التي تساهم في إنتاج وتفسير النص؛ وعندما ننظر إلى السياق في لحظة واحدة من لحظات تطوره باعتباره شيئا ساكنا، نسمي الأوائل بالمضامين باعتبارها عناصر يتكون منها تفاعلها السياق في لحظة من لحظات تطوره، ونسميها بالتصورات باعتبار أنها ليست حقائق مادية ماثلة في العقل وإنما هي تصورات في عقل المنشئ أو المفسر تقارب الواقع أو تجافيه، نسميها بالدواعي لأنها تتطلب في الكلمة التي تتلوها وتقوم عليها آن إنشاء النص طبائع وشروطا بعينها وتتطلب فيها آن التفسير معانيَ وتفسيراتٍ ضمن شروط خاصة، ونسميها بالقوى لأنها توجه سلوك المنشئ آن إنشاء النص إلى اختيار كلمات دون كلمات فيما يتلوها، وتوجه سلوك المفسر آن تلقي وتفسير النص إلى اختيار معان دون معاني فيما يتلوها من كلمات؛ فالأول والمضمون والتصور والقوة والداعي جميعها مَدارِك (جمع مُدرَك) مُختلفة في مَدرَكٍ (أي: مَحلٌّ للإدراك تقوم به عدة مدركات) واحد يقع ضمن مسارات مختلفة من التفكير فيسمى بأسماء مختلفة وإن كانت جميعا تلتقي وتنصهر ضمن موضوع واحد.

السياق ونشأة النص بين ابن رشيق وعبد القاهر

قالت جَنُوب أخت عَمْرٍو ذي الكلب:
فـأقــسـم يا عَـمـروُ لـو نَبَّـهـاك ∴ إذَا نَبَّــهَـا مـنــك داء عُـضَــالَا
إذَا نَـبَّــــهَـا لَـيْـــثَ عـرِّيـسَـــةٍ ∴ مُـفِــيتًـا مُـفــيـداً نُـفُـوسـاً ومالَا
وخــرْقٍ تجــاوزت مجــهـولَـه ∴ بوجنَاءَ حرف تَشَـكَّـى الـكـلالا
فـكــنـتَ الـنـهـار بـه شَــمْـسَـهُ ∴ وكـنـتَ دُجَـى اللَّيل فيه الهلالا

يعلق ابن رشيق القيرواني على الأبيات السابقة بقوله: "قابلت مفيتًا بالنفوس ومفيداً بالمال، وكذلك قولها في البيت الأخير لما ذكرت النهار جعلته شمسا ولما ذكرت الليل جعلته هلالا لمكان القافية، ولو كانت رائية لجعلته قمراً، وسر الصنعة في هذا الباب أن يكون معنى البيت مقتفيا قافيته، وشاهدا بها دالا عليها"[4]؛ فكلمة "مُفِيتًا" في الشطر الثاني من البيت الثاني هي اسم فاعل مشتق من الفعل أَفَاتَ يُفِيتُ إِفَاتَة، أي: ضَيَّع الشيء وأذهبه[5]، ومن ثم يكون المقصود بها عند تعليقها بكلمة "نفوسا" مضيعا النفوس على أصحابها بإهلاكهم، ذَكرَت جنوب الإفاتة والإفادة، فعلَّقَت الإفاتة بالنفوس، وعلَّقَت الإفادة بالمال؛ وحاصل كلام ابن رشيق في الشطر الثاني من البيت الثاني أن كلمة "مالا" يقتضيها السياق من جهتين، فهو يقتضيها من جهة الإفادة السابقة عليها والتي تتحقق بما يكون به النفع للمُفاد، ويقتضيها من جهة القافية التي تتطلب كلمة لامية، وكلمة "مالا" هي التي تشبع حاجات ومقتضيات السياق، فهي من أشد ما يتحقق به الإفادة من جهة وهي كلمة لامية من جهة أخرى، وبذلك تتعزز الروابط بين الكلمة وسياقها؛ ولما ذكرت النهار في الشطر الأول من البيت الرابع قابلته بظلام الليل في الشطر الثاني، فلما جعلت أخاها هو الشمس التي تضيء النهار في الشطر الأول ترجح أن تجعله القمر أو الهلال أو البدر الذي يضيء ظلام الليل في الشطر الثاني، لتتم بذلك صورة المقابلة في الممدوح، ولتعمم فيه ما يفهم من معاني الإضاءة والإرشاد حتى يشمل كافة الظروف والأحوال، ولما كانت القافية لامية ولم تكن رائية تعينت عليها كلمة "الهلالا"، لتقيم وحدة القافية في النص كما أقامت وحدة الصورة في البيت.

ارجع إلى الأبيات أيها القارئ، وانظر في البيت الأول: هل ترى جنوب قد حشدت الكلمات المتجاورة حشدا عشوائيا كيفما اتفق؟ أم تجدها قدمت الفعل "أقسم" لتتخذه أساسا تقيم الجملة على مقتضياته، وهاديا يسوق الكلام ضمن هداه، ثم أتبعته بالنداء، ولم تقدم حرف النداء "يا" حتى بنت عليه المنادى "عمرو"، ثم أتبعت النداء بأداة الشرط غير الجازمة "لو" لتبدأ بها جملة فعلية واقعة في جواب القسم، ثم ألحقت "لو" بالفعل "نَبَّهاك" ليكون شرطا لها، وبالفعل "نبها" ليكون جوابا لها، بعد أن أدخلت على الفعل الأخير الحرف "إذا" لتؤكد معنى الجواب الذي ابتدأته "لو"، ثم أتبعت الفعل "نبها" بمعموليه، وهما الجار والمجرور الدال على المصدر والمبدأ الذي يبتدئ منه فعل التنبيه "منك"، والمفعول به الدال على مسقط ومنتهى هذا التنبيه "داء"، ثم ألحقت بالداء صفته "عُضَالَا"؛ وكذا الحال في بقية الأبيات حتى أتت عليها جميعا.

ولو رجعت إلى عبد القاهر الجرجاني أيها القارئ لأكد لك أن ما وقع في الأبيات من ترتيب وتنظيم إنما هو موازٍ لانتظام المعنى وترتبه ضمن شعور جنوب، دون أن يخرج عما يقتضيه فيها العقل من تقديم وتأخير وفصل ووصل، ولردَّد على مسامعك أن "هذا الحُكْمُ -أعنى الاختصاص في الترتيب- يقع في الألفاظ مرتباً على المعاني المرتبة في النفس، المنتظمة فيها على قضية العقل"، فعبد القاهر يرى أن ترتيب الكلمات في النص ليس مجرد عادة لغوية مصطلح عليها، وإنما هو قضية العقل، أي: ما يقتضيه فيها العقل والمنطق -المنطق العربي في أدنى حد- من وجوه ترتيب وتعليق، ولدعاك إلى إجراء تجربة كتلك التجربة التي أجراها على بيت امرئ القيس "فلو أنك عَمَدت إلى بيت شعر أو فَصْلِ نثرٍ فعددت كلماته عَدًّا كيف جاء واتّفق، وأبطلت نَضَدَهُ ونظامه الذي عليه بُنى، وفيه أُفرغ المعنى وأُجرى، وغيرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد ما أفاد، وبنَسَقِهِ المخصوص أبان المراد، نحو أن تقول في "قِفَا نَبْكِ مِن ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ": "منزل قفا ذكرى من نبك حبيب..."[6]، ثم ارجع إلى بيت جنوب وطبق عليه ما أرشدك إليه عبد القاهر، انظر بنفسك وسجل ما انتهيت إليه.

اعمد إلى أسلوب النداء "يا عمرو"، وانظر هل بمقدورك أن تَعدِل فيه عما عمدت إليه جنوب، فتعلق النداء "يا" بالفعل "نبهاك" بدلا من الاسم "عمرو"؟ ألا تجد نفسك إزاء تركيب فاسد؟ ثم اسأل نفسك من أي جهة كان فساده؟ هل كان فساده لمجرد أن العرب لم يقولوا به في متسع وفصيح كلامهم؟ أم يرجع فساده لقضية في العقل تمنع أن يتعلق النداء بالفعل؟ ولو تأملت في النداء أيها القارئ لوجدت أنه مما لا يتعلق إلا بالأسماء الموضوعة للدلالة على العاقل أو المنزل منزلة العاقل، ولا يتأتى بأي حال من الأحوال أن يتعلق بالأفعال، فأنت لا تنادي المنادى حتى تعمد إليه وتقبل عليه، وأنت لا تعمد إلى الحركة المدلول عليها في اللغة بالفعل وإنما تعمد إلى الحقيقة الثابتة التي تقوم فيها الحركة والمدلول عليها في اللغة بالاسم، ثم ما من معنى للنداء إلا طلب حدوث أفعال وحركات في المنادى، وهي الإقبال والحضور والانتباه، ولا يتصور في الحركة العارضة إقبال أو حضور أو انتباه، إذ لا تقوم الحركة في حركة مثلها -كما تمثل في الوعي اللغوي منذ قرون بغض النظر عما قد تقوله الحقائق العلمية اليوم- وإنما تقوم الحركة في الحقيقة الثابتة، ثم قد تكون هذه الحقيقة الثابتة حيا عاقلا، وهو الإنسان وكل ما يُعتَقَد أو يُدَّعَى فيه العَقلُ والإدراك، وقد تكون مادة جامدة أو حيوان تُصُوِّرَت فيهما صورةُ الإنسان العاقل، وقد تكون حركة تُصُوِّرَت فيها صورة الإنسان فادُّعِيَ فيها التحيز والثبات والحياة والعقل، فكفت بذلك في الوعي عن كونها حركة وتنزلت منزلة الإنسان العاقل، فاكتسبت الصلاحية لأن يتعلق بها النداء من جهة الصورة التي اكتسبتها لا من جهة ما يقدر في أصلها كحركة، ومن ذلك قول الشاعر في النسيب[7]:

جــاء العِــذارُ بـظــلٍّ غـيـرِ ممـــــدودٍ ∴ فـمــنتـهى الحـسـنِ مـنه غـيرُ محـدود
نــاديــتُ قـلـبـيَ إذ لاحـت طَـلائـعُـــهُ ∴ يــا صـــبـرَ أيـــوبَ هــــذا درعُ داودِ

فتصور في القلب صورة كائن مستقل بوعيه وإرادته ومن ثم يطلب منه الحضور والانتباه، ثم تصور في الصبر صورة إنسان مستقل بوعيه وإرادته ينادى ويخبر "هذا درع داود"، ومثله كثير في الشعر العربي، ولا أتقصَّاه الآن؛ فإذا علمت أن النداء لا يتعلق إلا بالعاقل وما نزل منزلته، ولا يتعلق بالفعل حتى يكف في الوعي عن كونه فعلا ويتصور في صورة حقيقة مادية ثابتة مستقلة بوعيها وإرادتها تعقل النداء وتستجيب له، وعلمت أن الاسم موضوع في اللغة للدلالة على الحقيقة الثابتة وأن الفعل موضوع للدلالة على الحركة العارضة، تقرر لك أن تعلق النداء بالاسم وامتناعه عن الفعل ليس محض عادة اصطلح عليها المتكلمون بل هو قضية العقل كما قال عبد القاهر، ولو كانت القضية في امتناع تعلقه بالفعل على ما قالته العرب دون تصور معهود في الوعي العربي لما ينبغي أن يتعلق به النداء لما تكلفوا في مثل قول الفرزدق "يا أرغمَ الله أنفا أنت حامله" أن يقدروا منادى محذوف يتعلق به النداء، أو يجعلوا "يا" أداة تنبيه لا نداء، ولما سلكوا المسلك نفسه إزاء قراءة الكسائي "ألا يا اسجدوا"، فقدروا فيها ألا يا هؤلاء القوم اسجدوا، وقدر البعض الآخر "يا" أداة تنبيه، ولاكتفى النحويون والبلاغيون بما نصت عليه العرب في ظاهر كلامها[8].

واعمد إلى أسلوب النداء مرة أخرى أيها القارئ، وانظر هل بمقدورك أن تفصل ما وصلته جنوب فتقول: "يا لو نبهاك عمرو"؟ ألا تجد نفسك إزاء تركيب مهلهل تضعف الصلة فيه بين النداء والمنادى؟ ولو تأملت في حال النداء مع المنادى لوجدتهما في منزلة الكلمة الواحدة التي يمتنع فيها الفصل وإعادة الترتيب؛ لأن النداء لا يقوم إلا ضمن ومن خلال المنادى، فليس النداء إلا الاستدعاء وطلب الحضور، وأنت لا تستدعي العدم، ولا تطلب حضور المطلق، وإنما لا بد أن يكون ثمة مدرك محدد تستدعيه وتطلب حضوره، ولعلك تردد في نفسك الكلمات "أنادي"، "أستدعي"، "أطلب حضور" ولا تجد في نفسك مدركا تستدعيه أو تطلب حضوره فتظن بذلك أن النداء لا يتعلق بالمنادى إلا في العرف ومجرى العادة وفيما اصطلح عليه المتكلمون، إلا أنه ليس ضرورة عقلية أو معرفية، فإن ذهبت ذلك المذهب فانظر إلى نفسك إذ تردد هذه الكلمات هل ثمة فيك شعور بطلب إقبال وحضور شيء أم فقط ترددها لتثبت بها بطلان ما أقول؟ فإن كان ثمة فيك شعور بطلب الإقبال والحضور فهل ترغب في حضور شيء دون أن يتحدد هذا الشيء في ذهنك بحد أو صفة؟ ودون أن تشعر تجاهه بأي حد من الاستقلال والتمايز عن غيره من المدركات التي لا تطلبها؟ فإن كنت تشعر بمثل ذلك فهذا كل ما أعنيه، وإن كنت لا تجد في نفسك شعورا أو رغبة في حضور شيء وإقباله عليك فاعلم أن "النداء"، و"الاستدعاء"، و"طلب الحضور" قد وضعت في اللغة لتمييز هذه المشاعر التي تفتقدها دون غيرها مما يتقاطع في أفق شعورك، فلا يكون ترديدك لهذه الكلمات حينئذ نداء أو استدعاء أو طلب حضور، وإنما تكتسب كلماتك دلالة أخرى من خلال السياق الذي انتظمت فيه، إذ تكتسب كلماتك حينئذ معنى الانفصال بين النداء والمنادى، وهذا ما هممت أنت ببيانه والتعبير عنه بترديدك لها، ولعلك تعترض عليِّ بما يجده الواحد منا من نفسه من شعور بالرغبة في حضور أو حدوث شيء ما وهو لا يدري ما الذي يطلبه، فانظر إلى نفسك حينئذ هل تشعر بالرغبة والطلب إزاء الشيء إلا وأنت تشعر بتمايزه عن غيره مما لا تريد؟ وإن كنت لا تدري وجها ولا علة لهذا التمايز؟ فإن كنت تشعر بتمايزه عن غيره مما لا تريد فهذا كل ما أعنيه، وإنما مردُّ مثله إلى الحدس والمعرفة المضمرة، ولا تختلف المعرفة المضمرة عن المعرفة المنظمة في أنها ذات جزئيات ومضامين متمايزة قابلة للقصد والتحديد، غاية ما في الأمر أن حدودها لم تتضح بعد أمام حدقة الوعي فلا تزال مدغمة ومبهمة تثير في النفس شعورا كليا بالقبول أو الرفض إزاء شيء لم تتضح بعد معالمه؛ أما إن كنت تجد في نفسك شعورا بالرغبة والطلب دون أيِّ شعور بمتمايز تتوجه إليه رغبتك وطلبك فازعم ما شئت ودع عنك ما أقول؛ ولكن اعلم أني لست بدعا فيما أدعيه، فلأجل ما أدعيه من أن النداء لا يتصور في الوعي والشعور إلا قائما بالمنادى، متصلا به، مميزا له عن غيره مما هو ليس بمنادى، أجمع النحويون على أن النداء يعرِّف المنادى، أي: يجعله معروفا مميزا في الوعي عن غيره، وأن هذا التعريف إنما جاءه من خلال القصد إليه والإقبال عليه بالنداء[9].

ثم اعمد إلى أسلوب النداء مرة ثالثة أيها القارئ، وانظر هل بمقدورك أن تقدم ما أخرته جنوب فتقول: "عمرو يا"؟ ألا تجد نفسك مرة أخرى إزاء تركيب مهلهل تضعف الصلة فيه بين النداء والمنادى؟ وإنك لو تأملت في حال نفسك إذ تطلق النداء أيها القارئ لوجدتك لا تطلق الاسم مجردا عن إرادة النداء، ثم تعلق به النداء وتبنيه عليه بناء الخبر على المبتدأ، وإنما تعمد بوعيك ونصك إليه ابتداء وأنت تريد نداءه، فإقبالك عليه وقصدك إليه إنما هو مبني على إرادة النداء، ولذلك حق للنداء أن يتقدم في اللفظ على المنادى تنبيها إلى ما بني عليه الكلام، واعلم أنه قد جرت العادة في كل كلمتين نزلتا معا منزلة الكلمة الواحدة عند العرب بامتناع الفصل وإعادة الترتيب في متسع وفصيح كلامهم، لما كان لا يجوز مثله في الكلمة المفردة، من مثل زيد وخالد وصدق وسيف وأسد وبحر ووطن.

ثم اعمد إلى أسلوب الشرط "لو نبهاك إذا نبها"، وانظر هل بمقدورك أن تَعدِل فيه عما عمدت إليه جنوب، فتؤخر حرف الشرط على فعله "نبهاك لو إذا نبها منك"؟ أو تؤخره على فعله وجوابه "نبهاك إذا نبها منك لو"؟ أو تقدم حرف الجواب "إذا" لتوقعه بعد "لو" مباشرة "لو إذا نبهاك نبها منك"؟ أو تقدم الجواب على الشرط "لو نبها منك داء عضالا إذا نبهاك"؟ ألا تجد نفسك في كل مرة إزاء تركيب فاسد لا يؤدي المعنى المراد؟ ثم ارجع إلى نفسك وفتش عما تجده في تصورك وشعورك من علة هذا الفساد، هل كان تأخير حرف الشرط على فعل الشرط أو على الفعل والجواب معا فاسدا إلا لأنك بنيت كلامك على الشرط لا على مجرد الإخبار عما حدث وتحقق في الواقع، ومن ثم يتعين عليك أن تبدأ بالحرف الدال على الشرط "لو" ثم تبني عليه الفعل وجوابه، وإلا كنت مخبرا عما تحقق في الواقع بالفعل بمعزل عن سلطان الشرط؟ وهل كانت مباشرة حرف الشرط "لو" بحرف الجواب "إذا" تركيبا فاسدا إلا من جهة أنك بنيت كلامك على أداة شرط تستلزم فعلا يستحيل حدوثه كشرط لها، لتبني عليه فعلا آخر يستحيل حدوثه كجواب لها، ومن ثم يتعين فيما تباشره أن يكون فعلا لا حرفا؟ وإنما صح دخول "إذا" على الفعل "نبها" لتوكيد معنى الجواب الذي ابتدأته "لو" دون أن تكون جوابا لها، وهل كان تقديم الفعل "نبها منك داء" على الفعل "نبهاك" ممتنعا إلا من جهة أنه يعدل بالجملة عن الدلالة على المعنى الذي أرادته جنوب لتدل على معنى آخر، فيتحول الشرط إلى جواب والجواب إلى شرط؟

ثم اعمد إلى فعل الجواب وما اتصل به من متعلقات "إذا نبها منك داء عضالا"، وانظر هل بمقدورك أن تقدم متعلقات فعل الجواب على الحرف الدال على الجواب "منك داء عضالا إذا نبها"؟ ألا تجد نفسك إزاء تركيب مستهجن تضعف الصلة فيه بين فعل الجواب "نبها" وبين متعلقاته "منك داء عضالا"؟ فمن أين جاء هذا الضعف؟ ارجع إلى نفسك وفتش في شعورك وتصورك هل تجد علة لهذا الضعف إلا أن الحرف الدال على الجواب "إذا" ينص في وعي المتلقي على أن ما بعده إنما يقع في حيز الجواب، حتى إذا قدمت متعلقات الفعل "منك داء عضالا" على حرف الجواب أخرجتها بذلك عن حيز الجواب وألحقتها بحيز الشرط؟ ألا تجد نفسك بذلك في مواجهة تركيب مهلهل يوقع في نفسك الشعور بالتناقض والاضطراب بين ما يقتضيه تقديم المتعلقات على حرف الجواب من خروجها عن حيز الجواب وبين ما تقتضيه قضية العقل وفهمك العام للبيت من اتصال هذه المتعلقات بالفعل الواقع في حيز الجواب؟

هل استقر في وعيك الآن ما عناه عبد القاهر بقضية العقل؟ وهل أدركت أن كل كلمة "الأوائل" تستلزم في الكلمة التالية لها "الثواني" شروطا وطبائع بعينها كي تكون صالحة للاتصال بها والإقامة عليها؟ وأن الكلمة إذ تتقدم جملتها فإنها لا تحتل فقط موقعا متقدما في أفق البصر، وإنما تبتدئ وتؤسس للشروط التي تقام عليها الجملة، وتحدد طبيعة الكلمات التالية لها؟ ومن ثم لا تستقل الكلمة بتحديد مضمونها وإنما تتمم تحديدا ابتدأه السياق؟ ولو أتيت على الأبيات كلها أيها القارئ لوجدتها لا تقبل الفصل والوصل والتقديم والتأخير إلا حيث أذنت قضية العقل بذلك، ولوجدت عادات المتكلمين قد جرت على نظام أو على ما تصوروه نظام في المعقول الذي وضعت اللغة للدلالة عليه والإبانة عنه، ولوجدت في كل ترتيب جديد حتى ولو أذنت به قضية العقل تقديما جديدا لتدفق المشاعر في الموضوع يختلف عن التدفق الذي حدث في نص جنوب، وهذا مستوى فني أرفع لا أستقصيه الآن؛ ولوجدت نفسك في النهاية لا تملك إلا تردد ما ردده عبد القاهر في مسامعك: "وهذا الحُكْمُ -أعنى الاختصاص في الترتيب- يقع في الألفاظ مرتباً على المعاني المرتَّبة في النفس، المنتظمة فيها على قضية العقل. ولا يُتصوَّر في الألفاظ وُجُوبُ تقديم وتأخير، وتخصّص في ترتيب وتنزيل -أي: لا يتصور ذلك في الألفاظ مجردة عن المعاني التي تنتظم في الألفاظ على ما تقتضيه فيها قضية العقل- وعلى ذلك وُضِعت المراتبُ والمنازلُ في الجمل المركبَّة، وأقسام الكلام المدوَّنة، فقيل: من حق هذا أن يَسبق ذلك، ومن حقّ ما ههنا أن يقع هناك، كما قيل في المبتدأ والخبر والمفعول والفاعل، حتى حُظِر في جنس من الكلم بعينه أن يقع إلا سابقاً، وفي آخَر أن يوجد إلا مبنيّاً على غيره وبه لاحقاً، كقولنا: إن الاستفهام له صدر الكلام، وإن الصفة لا تتقدم على الموصوف إلا أن تُزَال عن الوصفية إلى غيرها من الأحكام"[10].

الكلمة تتمم ما بدأه السياق

وعندما أقول لك "أكلت الطرنطم"، أنت لا تعرف الطرنطم، لم تره، لم تسمع عنه من قبل، ولا تملك حتى هذه اللحظة أي معرفة متعلقة به، ولكنك تعرف من خلال السياق أنه مما يؤكل، فقد يكون نباتا، وقد يكون نوعا من الأطباق، فمن أين عرفت أنه مما يؤكل وأنت لا سابق عهد لك به إن لم تكن قد عرفته من السياق، ومن تسلط فعل الأكل عليه كمسقط له؟ هذا ما أعنيه عندما أقول لك إن الكلمة "الطرنطم" لا تستقل بتحديد مضمونها "طعام يؤكل"، وإنما تتمم تحديدا ابتدأه السياق، فتقدم الفعل "أكلت" وبناء الجملة عليه، يلزم فيما يقع بعده كمفعول له أن يكون مما يؤكل، وبذلك يحدد السياق طبيعة المفرد وشروطه، فلا يتبقى لكلمة "الطرنطم" إلا أن تحدد نوع المأكول، فتتمم بذلك تحديدا ابتدأه السياق، وإذا ما جاء المفرد مناقضا للطبيعة ومضادا للشروط التي يقتضيها السياق رفضه السياق وتداعت الجملة، كأن تقول: أكلت الطائرة.

ثم ارجع إلى الشطر الثاني من البيت الثاني من أبيات جنوب "مفيتا مفيدا نفوسا ومالا"، واستعد ما قاله ابن رشيق القيرواني في تحديد القافية بكلمة "مالا" التي اقتضاها ذكر الإفادة وقافية الأبيات معا، واسأل نفسك كيف تحددت القافية فيه هذا البيت بكلمة "مالا"؟ وهل يمكن أن يحدد السياق الكلمة المناسبة تحديدا كاملا بالاستقلال عن ذكر الكلمة؟ أم أنه يبتدئ فقط تحديدها ولا بد من ذكر الكلمة حتى يتم هذا التحديد؟ لنفصل في ذلك لا بد من الرجوع إلى القوى العاملة على تحديد طبيعة وشروط الكلمة المنتظرة في آخر البيت، حتى نستقصيها عاملا عاملا، فننظر ما شروطها ومن أية جهة اقتضتها، وسنجد أن العامل الأول هو كلمة "مفيدا" التي تقتضي ما يتحقق به الإفادة مما ينعقد بإفادته المدح، ولكن ألم يكن من الممكن أن تترك جنوب كلمة "مفيدا" بغير معمول تتحقق بإفادته المدح؟ أجل، كان ذلك محتملا، وكان سيفيد حينئذ التعميم، بمعنى أن الممدوح يفيد كل ما يتحقق به النفع وينعقد بإفادته المدح من مال أو قرى أو نجدة أو رأي ونصح أو غيره، ولكن ما يبعد هذا الاحتمال أن جنوب ذكرت الإفاتة قبل الإفادة فلما علقت الإفاتة بمفعول ترجح أن تعلق الإفادة أيضا، لتحدث في نصها نوعا من الوحدة والتناسق والنظام، وهذا ما أبرزه ابن رشيق، وسنجد أن العامل الثاني هو القافية التي يلتزم بها الشاعر في نهاية كل بيت من أبياته حتى يحقق لها وحدة موسيقية ومعنوية، والقافية في الأبيات مكونة من روي "اللام"، وردف "الألف" السابقة على اللام، ووصل "الألف" التالية للام، ولعلك تكون سريع الملاحظة أيها القارئ فتلاحظ أن هذه الحروف تمثل الحروف الثلاثة الأخيرة من كلمة "مالا"، فلا يتبقى لجنوب حرف تستطيع تغييره دون أن تخرج على القافية إلا حرف الميم، ولو خضت هذه التجربة أيها القارئ فلن تجد كلمة واحدة تصلح لأن تحل محل كلمة "مالا"، وأقرب كلمة قد تصل إليها هي كلمة "نالا"، ولو رجعت إلى لسان العرب لوجدت أنها مصدر بمعنى الأخذ والحصول على الشيء[11]، ولن تجد أي دلالة صريحة في استخدامها على المال أو العطاء، إلا أن تشتق من مادتها "نائلا"، فتكسر بذلك قوة أخرى من قوى السياق وعاملا من عوامله، وهو الوزن الشعري، الذي يمثل مع القافية السياق الصوتي للأبيات، فتجد نفسك مضطرا مرة أخرى إلى كلمة "مالا".

هل نفهم من ذلك أن السياق يستقل بتحديد مضمون الكلمة المفردة استقلالا تاما وسابقا على التلفظ بالكلمة المفردة؟ لا يمكن القول بذلك وإلا كان عبثا وتطرفا في الحكم، فهذا النص يُدرَس في النقد العربي القديم تحت مسمى "التسهيم"، وهو باب يتناول تلك النصوص التي يمكن التنبؤ بقوافيها قبل أن تذكر -وهو زمن افتراضي بالطبع- لدلالة السياق عليها واقتضائه لها، ولا يمكن تعميم الحكم المستنبط منه على كافة النصوص، وإلا فمن النصوص ما تجتلب قافيته اجتلابا وتقحم في موضعها إقحاما وليس شيء في السياق يطلبها أو يقتضيها أو يشير إليها، ومثله كثير ولا حاجة بنا إلى تقصيه الآن، ولعلك تتساءل أيها القارئ: ما دام هذا النص لا يمثل إلا قدرا محدودا من النصوص فلماذا نختاره؟ أما كان من الأولى أن نختار نصا يمثل الغالبية السائدة من النصوص؟ لقد آثرت هذا النص دون غيره لقدرته الفائقة على توضيح الكيفيات والآليات التي ضمنها ومن خلالها يستكمل السياق ذاته ويقيم على أوائله ثوانيه بما تقتضيه فيها هذه الأوائل، ولأثبت لك أن الكلمة لا تستقل في تحديد مضمونها وإنما تتمم تحديدا ابتدأه السياق، والتحديد السابق على الكلمة الذي يبتدئه السياق قد يكون تحديدا متقدما يكاد يفصح عن الكلمة ولو لم يتلفظ بها متلفظ كما في الأبيات التي بين يدينا الآن، وقد يكون تحديدا بسيطا يشير إلى جنس المدلول أو بعض من شروطه، فلا يتعين هذا المدلول في صورته المحددة التامة إلا ضمن ومن خلال الكلمة المتممة لما بدأه السياق.

السياق بين النص والواقع

وتذكر أيها القارئ أن مفهوم السياق لا ينحصر في إقامة ثواني نصوصك على أوائلها، ولا في إقامة نصوصك كلها على ما تقدم من نصوص الآخرين، وإنما يمتد مفهوم السياق حتى يشمل كل ما تقدم نصوصك في الواقع من تداع في الأحداث أو النصوص، وكما يتوقع في ثواني نصوصك أن تقام ضمن ومن خلال الشروط التي أسست لها أوائلها، كذلك يتوقع في نصوصك كلها أن تقام ضمن ومن خلال الشروط التي أسست لها الأحداث التي سبقتها وقدمت لها في المادة والواقع، وإلا خرج المشهد إلى حالة من التوتر والتنافر والاستقطاب، ومن ذلك ما وقع لإبراهيم بن إسحاق الموصلي الذي دخل على المعتصم بالله وقد بنى قصره بالميدان وجلس فيه، فأنشده مادحًا ومهنئًا:

يا دارُ غَــيَّرَكِ الْبِلَى ومـحَــاكِ ∴ يا لَيتَ شِعْرِي ما الَّـذي أبْـلَاكِ

فتطير المعتصم بهذا الابتداء وأمر بهدم القصر"[12]؛ سيكون من السهل أن نطلق القول بمخالفة الشاعر للسياق وبخروجه على كل شروطه ومقتضياته، ولكن أعد النظر، هل بوسعنا أن نوجد خارج السياق؟ أين هي تلك اللحظة التي نوجد أو نستجيب فيها ابتداء دون أن تكون استجابتنا امتدادا أو تطورا أو رد فعل لشيء كان قبلها في اطراد وجودنا في العالم؟ أتظن أنك لو قمت الآن بتحريك طرف من أطرافك عابثا أو أصدرت أي صوت دون غاية أو وجهة أو معنى أو فكرت حتى في عبثية ما أقول، أتظن بذلك أنك تحررت من السياق وأنك تثبت بطلان ما أقول؟ ألا تكون حركتك استجابة وامتدادا للسياق الذي بدأته أنا بكتابتي والذي تطور في وعيك عبر قراءتك إياه حتى أثار فيك هذا التحدي كرد فعل على ما أدعيه؟ وهل أنا حقا من بدأ هذا السياق؟ هل بدأت أنا من العدم كتابة حول السياق؟ أم أنها تطورت واختمرت فيَّ ضمن ومن خلال ما انصهر في وعيي وشعوري من مقولات وآمال وهموم وتوترات اتصلت بها؟ هل ثمة وجود لتلك اللحظة التي نبدأ فيها بدءا مطلقا منقطعا عن كل وجود سابق؟ وهل بإمكان إبراهيم أن ينشئ قصيدة دون أن تكون امتدادا لأي وجود سابق تنعقد معه في سياق واحد؟ لقد استجاب إبراهيم الموصلي للسياق ولكنه أخطأ الموازنة بين القوى والدواعي المتعددة والمتجاذبة التي ينعقد بها السياق فاستجاب لبعضها دون بعض، مما أوقعه فيما وقع فيه من اضطراب، ولتفهم ذلك لا بد أن تفهم السياق الثقافي للشعر العربي القديم والذي كان يوجب على الشاعر أن يبدأ قصيدته ببكاء الأطلال قبل أن يستطرد في الغرض الأصلي الذي لأجله كانت القصيدة، ولكن بكاء الأطلال اسم صغير ينطوي على محتوى ضخم متعدد الصور والعادات والإمكانيات الأدبية، كان بإمكان إبراهيم أن يبرز من هذه العناصر ما يتفق مع موقفه الآني بين يدي المعتصم وفي ساحة قصره الجديد، فيفعل كما فعل القطامي إذ يقول[13]:

إنَّـا مُـحَــيُّــوكَ فـاسـلَـمْ أيَّتُــهَـا الطَّــلَلُ ∴ وإن بُلِـيــتَ وإن طَــالَـتْ بِـكَ الطِّــيَـلُ

فاستهل بيته بالتحية والدعاء بدوام السلامة مما يوقع الأنس والفأل في نفس المتلقي، وأخَّر ذكر "البلى" وأوقعه بعد "إن" الدالة على الاستبعاد، قارن ذلك بصنيع إبراهيم الذي لم يكتفِ بذكر البلى حتى ذكر المحو، ولم يكتفِ بتصديرهما في الشطر الأول من بيته حتى صاغ الأفعال الدالة على التغيير والمحو في صيغة الماضي الدال على التحقق والانقطاع بالفعل في الواقع، فأي استجابة كان ينتظرها من المعتصم؟ لم ينجح إبراهيم في الموازنة بين الدواعي والقوى المتجاذبة التي انعقد بها سياقه فأنتج هذه النتيجة غير المتوازنة بالمرة، وكان من الممكن أيضا أن يفعل مثلما فعل أشجع السلمي في مطلع قصيدته التي مدح فيها الرشيد[14]:

قـصر عـلـيـه تـحــيـة وســلام ∴ خـلــعـــت عـلـيه جمالها الأيام

ويزداد الاتساق مع الواقع صعوبة عندما يكون الواقع نفسه متناقضا، كما وقع لجمال الدين بن نباتة في تعزية الملك المؤيد صاحب حماة وتهنئة ولده الأفضل بالسلطنة بعد أبيه، فجمع في قصيدة مطوّلة بين التهنئة والتعزية [15]:

هــناء مـحـا ذاك الـعــزاء الـمـقـــدمـا ∴ فـمـا عـبـس الـمـحـزون حـتـى تبـسما
ثـغـــور ابتـسـام فـي ثـغـــور مـدامــع ∴ شـبيــهان لا يمــتـاز ذو السـبق منهـما
نرد مجــاري الـدمــع والبشـر واضح ∴ كوابل غيث في ضحى الشمس قد همى
سـقــى الـغـيث عــنا تـربة الملك الذي ∴ عـهــــــــدنا سـجــايـاه أعـز وأكــرمـا
ودامـت يـد الـنـعـمى على الملك الذي ∴ تـدانـت بـه الـدنيـا وعـز بـه الـحــمـى
مليـكــان هــذا قـد هـوى لـضـريـحــه ∴ بـرغــمي وهــذا للأســرة قـد ســـــمـا
وروضـة أصــل شــاذوي تــكــافــأت ∴ فغـصـن ذوى مـنـهـا وآخـر قـد نـــمـا
فـقــدنا لأعــناق الـبـــــريـة مـالـــــكـاً ∴ وسـمــنا لأنــواع الـجــمـيـل مـتــــمما
كــأن ديــار الـمــلك غـاب إذا انقضى ∴ بـه ضــيـغم أنـشا بـه الـدهـر ضـيغـما
كــأن عــمــاد الـدين غــيـر مـقــوّض ∴ وقـد قــمت يا أزكــى الأنــام وأحـزما
فـإن يـك مـن أيـوب نجـم قـد انقـضـى ∴ فـقــد أطـلـعــت أوصـافـك الغر أنجما
وإن تــك أيـام الـمــؤيأد قـد مـضــــت ∴ فـقــد جــددت عـلــياك وقــتاً ومـوسما
هـو الـغــيـث ولَّـى بـالـثـنـاء مـشـيَّـعـاً ∴ وأبـقــاك بـحــراً بـالـمــواهـب مـنـعما

فالشاعر وجد نفسه في مواجهة موقف متناقض يجمع بين رثاء الملك الراحل وتهنئة الملك المتوج، فوازن بين الداعيين موازنة دقيقة جدا، لا تكدر البهجة بتنصيب الملك الجديد من جهة، ولا تغض من هيبة وجلال موت الملك القديم من جهة أخرى، وبذلك تحول الداعيان المتناقضان في الواقع إلى التوازن والانسجام في النص.

يقول عبد القاهر الجرجاني: "ترى الجملة إذا هي دَخَلت ترتبط بما قَبلها وتأتلف معه وتتَّحد به، حتى كأن الكلامين قد أُفرِغَا إفراغاً واحداً، وكأن أحدهما قد سُبك في الآخر"[16]، يتكلم عبد القاهر في العبارة السابقة عن مزية "إن" في بعض السياقات، وما يخصنا في هذا السياق هو تصوير عبد القاهر الجرجاني للكلامين وقد اتحدا وأتلفا معا بالسبيكة الواحدة التي أفرغ بعضها في بعض، فأنت إذ تنظر للسبيكة من الذهب أو الفضة لا ترى ولا تلمس فيها نتوءا، فما من نقطة حسية ظاهرة يمكن أن تمثل في اطرادها انقطاعا يمزق وحدتها في أفق البصر ويفصلها إلى مدركين متمايزين متجاورين، بل هي كلها من أولها إلى آخرها متصل واحد لا يقبل التجزئة أو الانفصال، وكذا ينبغي أن يكون الكلام الجيد في بناء ثوانيه على ما تقتضيه أوائله حتى تنصهر كلها في كل واحد متصل ما من نتوء بارز فيه يمكن أن يمثل في نسيج النص نقطة انفصال ينقسم عندها النص إلى جزئين متمايزين، حتى كأنهما قطعتان لم يُحسِن المتكلم تركيبهما معا فلا يزال موضع التركيب ظاهرا للعين، ويؤكد عبد القاهر الجرجاني ذلك المعنى في موضع آخر إذ يقول: "واعلم أن مَثَلَ واضع الكلام مَثَلُ من يأخذ قِطَعاً من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة"[17]، وذلك واضح في الدلالة على ما قلناه.

وإذا كانت صورة السبيكة الواحدة تنطبق على الكلام إذا جاءت مضامينه متحدة ومؤتلفة، فما الذي يمنع أن تنطبق الصورة ذاتها على الكلام وواقعه إذا جاء الكلام متحدا ومؤتلفا مع ما سبق وقدم له من أحداث في الواقع؟ وهل بمقدورك أن تنظر إلى قول أبي بكر الخازن في التهنئة بمولود[18]:

بُشْــرَى فـقـد أَنْـجَـزَ الإقـبـالُ مَا وَعَدَا ∴ وَكَـوكَـبُ المَجـدِ في أُفُـقِ العُلَى صَعَدَا
لِلَّهِ أَيَّــةُ شـمــــــس للـعُـلَـــــى ولَـــدَت ∴ نـجــمـاً وغَـايَـةَ عِــزٍّ أَطْلَـعَــت أَسَــدَا
لَــــم يتَّـخِــــذ وَلَـــداً إلا مُـبَـــالَــغَـــــةً ∴ فــي صِــدْقِ تَـوحِـيـدِ مَن لَم يَتَّخِذ وَلَدَا

فتكبح نفسك عن الشعور بالوحدة والتآلف بين النص وسياقه الواقعي الذي ورد ضمنه ومن خلاله؟ أما انصهر الشاعر بنصه في الواقع حتى صار امتدادا طبيعيا لحركته وتطوره؟ فلا نتوء ولا بروز ولا انفصال ولا تمزق؟ واعلم أن دراسة النص كجزء من سياق الواقع ليس بالشيء الغريب أو المستجد على النقد والبلاغة العربيين، فلطالما درس النقاد والبلاغيون العرب ذلك تحت مسمى "مطابقة الكلام لمقتضى الحال".

السياق: المضامين والبدايات

قال أبو الحسن الأنباري يرثي أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة لما قتل وصلب[19]:

عُــلُــوٌّ فِــي الـحَــيَـاةِ وَفِــي الـمَمَــاتِ ∴ لَــحَــقٌّ أَنْــتَ إِحْــدَى الـمُــعْـجِــــزَاتِ
كَــأَنَّ الــنَّــاسَ حَــوْلَكَ حِـيـنَ قَــامُــوا ∴ وُفُـــودُ نِــــــدَاكَ أَيَّــامَ الــصِّـــــــلَاتِ
كَــأَنَّــكَ قَــائِــمٌ فِــيــهِــمْ خَــطِــــــيبــاً ∴ وَكُــــلُّــــهُــمُ قِــــــــيَــامٌ لِلــصَّــــــلَاةِ
مَــدَدْتَ يَـدَيْــكَ نَـحْــوَهُــمُ احْـتِــــفَــاءً ∴ كَــمَــدِّهِــمَـا إِلَــيْــهِــمْ بِـالــهِــــــبَــاتِ
وَلَـمَّــا ضَــاقَ بَـطْـنُ الأَرْضِ عَـنْ أَنْ ∴ يَـضُــــمَّ عُــلَاكَ مِــنْ بَـعْــــدِ الـوَفَـــاةِ
أَصَــارُوا الجَــوَّ قَـبْـرَكَ وَاسْتَعَـاضُـوا ∴ عَــنِ الأَكْــفَـانِ ثَــوْبَ الـسَّــافِـــــيَـاتِ
لِعِـظْـمِكَ فِـي النُّفُـوسِ تَبِـيـتُ تُـرْعَــى ∴ بِـحُــــــرَّاسٍ وَحُــــــفَّــاظٍ ثِــــقَــــــاتِ
وَتُــوقَــدُ حَـــوْلَكَ الـنِّـيـــرَانُ لَــيْـــــلاً ∴ كَــذَلِكَ كُــنْـتَ أَيَّــــامَ الـحَـــــــــــــيَـاةِ

يطلق مصطلح "السياق" على مجموع القوى والدواعي التي انصهرت في موقف معرفي ووجداني ما، ويتوقع في الاستجابة الصادرة عن هذا الموقف أن تخضع في تشكلها لهذه القوى والدواعي جميعا بشكل متوازن أو غير متوازن، وهذه القوى والدواعي هي الأوائل ذاتها أو هي ما تقتضيه الأوائل في الثواني من شروط، وما من شيء من هذه القوى يمكن أن يخرج من العدم أو ينبثق فجأة في حيز الوجود، فكل قوة من القوى العاملة في السياق وكل داع من دواعيه إنما هو امتداد أو تطور أو رد فعل على وجود آخر أسبق منه ضمن اطراد لا نهائي يتجدد باستمرار بالفعل ورد الفعل؛ فأبو الحسن الأنباري في موقف مؤلف من العديد من القوى والدواعي، أبرزها هو ممارسة الصلب على الوزير أبي طاهر بن بقية، وهو الحدث الرئيس الذي تطور ضمن وخلال وجدان الشاعر وشاعريته ولغته إلى النص الذي بين أيدينا الآن، فهذا النص هو رد فعل على صلب الوزير وتطور لوقعه في النفس في نفس الوقت، ومن هذه القوى والدواعي أيضا شاعرية الشاعر التي تطورت ضمن ومن خلال صلب الوزير ووقعه في النفس وآليات اللغة في الدلالة والتصوير إلى هذا النص، ومنها أيضا خبرة الشاعر بالوزير أبي طاهر، التي تحولت ضمن شاعرية الشاعر وانفعاله بفاجعة الصلب وقدرته على استخدام اللغة إلى هذا النص، ومنها أيضا اللغة العربية التي حوت الخبرة بالوزير والانفعال بالحدث والشاعرية ونظمتها في معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول؛ هذه أبرز القوى والدواعي المؤلفة للسياق الذي أنتج النص كاستجابة وتطور له، اعمد إلى أي داع شئت من هذه الدواعي، ثم انظر هل انبثق فجأة في حيز الوجود فكان بعد أن لم يكن ولم تكن أي من مقدماته أو أسبابه؟ أم كل داع منها هو تطور أو رد فعل على وجود آخر أسبق منه؟ ولكن ما معنى ذلك؟ هل يعني ذلك أننا مضطرون كي نفهم نص أبي الحسن أن ندرس تاريخ وتطور الصلب في بغداد؟ كلا بالطبع، غاية ما أريد قوله أن النص الأدبي ليس عرضا طارئا على حيز الوجود وإنما هو تطور لقوى وعوامل متجذرة في الواقع، وأن السياق الذي أنتج النص الأدبي لا يمكن أن نحدد له بدايات مطلقة تتحدد حدودها بالعدم، وإنما يتألف من قوى يمكن تتبع بداياتها وما أنتج بداياتها إلى ما لا نهاية، ومن ثم يأتي التساؤل عن البداية المناسبة للسياق بدلا من البداية المطلقة، ولكن بم تتحدد هذه البداية المناسبة؟ هل تتحدد بالمناسبة التي قال فيها الشاعر أم تتحدد بالمواطن التي يشير فيها الشاعر إلى الواقع؟ أم لا يمكن تحديدها بشيء مما نتصوره ونفترضه الآن؟

سياق التفسير كتمثيل مستقل ومتفاعل مع الواقع

قال امرؤ القيس[20]:
ديـارٌ لسُـلْـمَـى عـافـيـاتٌ بـذِي الـخـالِ ∴ أَلَــحَّ عـلـيـهـا كـــلُّ أسْــحَـمَ هَــــطَّـالِ
وتَـحـسِـبُ سـلـمـى لا تَـزَالُ كـعـهـدنـا ∴ بوادِي الخُزَامَى أو على رَأْسِ أوْعَـالِ
وتَـحـسِـبُ سلـمى لا تـزالُ تَـرَى طَـلَاً ∴ مِـنَ الـوحـشِ أو بيْـضـاً بِمَيْثَاءَ مِحْلَالِ
لـيـالـيَ سَـلْـــمَـى إذْ تُـرِيـكَ مُـنَـضَّـــداً ∴ وَجِـيـداً كـجـيـدِ الـرِّيْـمِ لَـيْـسَ بِمِـعْطَالِ

عادة ما يعلل النقاد والبلاغيون العرب تكرار اسم المحبوبة "سلمى" في مثل هذه الأبيات بعلل من قبيل التشوق، والاستعذاب، والتلذذ بذكر اسمها، والاستعاضة عن غيابها بتكثيف حضورها في النص...، اقرأ النص وتمعن فيه جيدا أيها القارئ، ثم تأمل عللهم، ثم اسأل نفسك هل اشتمل النص على كل ما ادعاه فيه النقاد والبلاغيون؟ النص يشتمل على محض سلوك لغوي وهو التكرار إلا إنه لا يتضمن أي تعليل أو تبرير، فمن أين أتى النقاد والبلاغيون بمثل هذه العلل؟ وهل يوجد في النص ما يشير إليها صراحة أو كناية؟ ثم اسأل نفسك هل نحن في حاجة لأن نرجع إلى قصة الحب التي عاشها امرؤ القيس في الواقع وندرس ما كان بينه وبين سلمى حتى نفهم أنه كرر اسمها في الأبيات لأجل ما ذُكِرَ من التشوق والاستعذاب والتلذذ والاستعاضة؟ وماذا إن لم تكن تلك القصة مسجلة أصلا؟ أو كان هذا الحب محض قصة أدبية لا وجود لها في الواقع؟ أنقف حينها أمام النص عاجزين عن فهمه وتفسيره؟ ثم ارجع إلى قول الشاعر[21]:

قـال لـي كـــيـف أنـت؟ قـلــت عـلـيـل ∴ سـهــــــر دائــــم وحــــــزن طــويــل

وتأمل في تفسيرهم لحذف المبتدأ مرتين في مثل ذلك النص: خارت قوى الشاعر لشدة ما به من العلة والحزن، ولم يعد قادرا على إطالة الكلام، فاقتصر على ما لا يقوم الكلام إلا بالتلفظ به وحذف كل ما قامت عليه قرينة من السياق (المبتدأ أنا - المبتدأ حالي أو شأني)، ثم اسأل نفسك هل اشتمل البيت على تلك العلل التي ادعاها فيه النقاد والبلاغيون؟ النص يتضمن تصريحا بالمرض ويتضمن سلوكا لغويا تكرر مرتين وهو حذف المبتدأ ولكنه لا يتضمن أي تعليل لهذا الحذف، أليس من الممكن أن يقع الحذف لعلة أخرى غير المرض؟ وهل يكون الشاعر أو المتكلم مريضا في كل مرة يحذف فيها المبتدأ؟ وإن لم نكن قد عرفنا مثل هذه العلة من النص فمن أين عرفنا بها؟ وهل رجع أحد من البلاغيين أو النقاد إلى قائل البيت في الواقع ليبصر حاله ومقدار قدرته على التكلم؟ أم هل ورد من النصوص ما يوثق حاله آن إنشاء البيت؟ ثم انظر إلى قول أبي السمط:

فَـتًــى لَا يُبَــالِـي الـمُـدْلِـجُــونَ بِـنُـورِهِ ∴ إِلَــى بَـابِـهِ أَلَّا تُـضِــىءَ الـكَـــوَاكِـــبُ
لَـهُ حَــاجِــبٌ عَــنْ كُــلِّ أَمْـرٍ يَـشِـيـنُـهُ ∴ وَلَـيْـسَ لَـهُ عَـنْ طَـالِبِ العُرْفِ حَاجِبُ

يعلق بسيوني عبد الفتاح فيود على ذلك النص بقوله "فقد أفاد تنكير "حاجب" الأول التعظيم والتفخيم، فهو حاجب أي حاجب، ذلك الذي يحول بينه وبين فعل ما يشين، إنه حاجب قوي هائل، وأفاد تنكير "حاجب" الثاني التحقير والتقليل، فليس له حاجب ما، يحول بينه وبين طالبي معروفه"[22]؛ ارجع إلى نص أبي السمط أيها القارئ، واقرأه المرة بعد المرة، وانظر بنفسك، أليست كلمة "حاجب" في الشطر الأول من البيت الثاني هي ذات كلمة "حاجب" في الشطر الثاني من البيت الثاني؟ وأليس التنكير في الأولى هو ذات التنكير في الثانية؟ ثم هل ذكر في النص تعليل أو ما يشبه التعليل لهذا المسلك اللغوي؟ لم لا يكون المراد بحاجب الأولى الدلالة على الغرابة والتفرد أو الدلالة على التحقير؟ أليس هذا مما يتناسب مع معنى النكرة؟ ولمَ لا يكون المراد بحاجب الثانية الدلالة على التعظيم؟ أليس من الصحيح أن يقال ليس له حاجب عظيم يحول بينه وبين طالب المعروف؟ ستجيب على الفور أيها القارئ بأن هذه التفسيرات لا تتناسب مع السياق؛ فالسياق سياق مدح ولا يتناسب مع سياق المدح إلا أن يكون الحاجب الذي يحول بين الممدوح وبين الخطأ عظيما، وإلا أن يُنفَى كل ما يحول بينه وبين العطاء حتى ولو كان حاجبا حقيرا؟ تأمل إجابتك جيدا أيها القارئ، وانظر إلى ما انطوت عليه من معارف، ثم اسأل نفسك هل حصلت هذه المعارف من النص ذاته؟ أم حصلتها من السياق الذي قيل فيه النص؟ وهل تسنى لك أن ترجع إلى السياق الذي أنشأ الشاعر النص ضمنه ومن خلاله لتبصر ما كان فيه من أحوال وانفعالات؟ كيف ذلك والنصوص إذ تتداول لا تتداول معها سياقاتها التي أنشأتها؟ لم يبق في السياق الذي استعنت به في تفسير النص إلا أن يكون من صنعك أنت أيها القارئ، فنحن لا نفسر النصوص حتى نتمثل سياقاتها التي قيلت ضمنها ومن خلاها، أي: حتى ننخرط في ذات التجربة اللغوية التي انخرط فيها الشاعر -وإن كان انخراطا ناقصا بالطبع- ونختبر ذات المقدمات والأوائل التي اختبرها فنتحسس ما تثيره فينا من مشاعر وانفعالات، وما تقتضيه فينا كمتكلمين من ظروف وأحوال، وما يتسق معها من إيحاءات ودلالات، ولأن النصوص إذ تتداول لا تتداول معها سياقاتها التي أنتجتها، فلم يبق أمامنا إلا أن نستكمل هذه السياقات من خلال خبرتنا بما من شأنه أن يكون في مضامين النص من ظروف وأحوال وهيئات وانفعالات، وإن كنت في شك مما أقول فارجع إلى نص امرئ القيس هل فسرت التكرار هنا إلا من خلال خبرتك بما من شأنه أن يكون في المحبين من أحوال؟ وهل يقدر لك أن تفسر مثله من النصوص حتى تضع ذاتك كمفسر في ذات السياق الذي وُضِعَ فيه الشاعر ثم تتحسس ما يكون في نفسك من مشاعر وانفعالات؟ وارجع إلى نص الشاعر الذي يشكو من المرض والسهر، هل فسرت الحذف بضيق المقام عن إطالة الكلام إلا من خلال خبرتك بما من شأنه أن يكون في المرضى من عجز عن التكلم؟ وارجع إلى إجابتك التي أجبتها بنفسك في نص أبي السمط هل فسرت دلالة التنكير إلا من خلال خبرتك بما يتفق ولا يتفق مع سياق المدح؟ هل أدركت الآن أننا لا نفسر النصوص حتى نتمثل سياقاتها التي قيلت ضمنها ومن خلالها، وأنا إن كنا لا نرجع إلى السياق الذي قيل فيه النص فإنا نفسره من خلال المعتاد في سياقات مثله؟

تطور دلالة "العدم": المراحل والكيفيات

سنعود مرة أخرى أيها القارئ إلى مصطلح "العدم" لا لنعيد فيه ما ذكرناه من قبل، وإنما لنتتبع المراحل والكيفيات التي تطورت دلالته في وعيي ضمنها ومن خلالها، لنفهم من خلال ذلك الكيفيات التي يؤثر بها السياق في تطور دلالة الكلمة، ورغم أن التجربة التي تطورت ضمنها كلمة "العدم" في وعيي والتي قصصتها عليك في بداية هذه المقالة كانت تلقائية وغير مخطط لها إلا أني انتهزت الفرصة ما إن لاحظت أهميتها فقمت بتسجيلها، وقد ترتبت هذه المراحل في وعيي ضمن ثلاث مراحل، فأولا حدث شعور بالإشكال لأن العدم بمعناه القديم والذي كان مستبدا في وعيي لم ينسجم مع سياقاته الجديدة، فحدث شيء من القلق والتناقض في نفسي أسقطته على النص، فبدا لي النص ذاته كنص قلق متناقض غير متمكن في استخدام المفردات في الدلالة على ما يريد، وفي الخطوة التالية بدأ المعنى الجديد لكلمة "العدم" يلوح في الأفق كمعنى راجح وإن لم يكن مؤكدا، وفي الخطوة الثالثة تأكد هذا المعنى الجديد للعدم بما لا يدع مجالا للشك؛ بقيت ملاحظة أخيرة لا يمكن إغفالها لما لها من كبير دلالة في هذا الشأن، وهي تتعلق بالمعنى السابق على التجربة لكلمة "العدم" والذي تمثل في العدم المطلق، لم يكن هذا العدم متميزا في ذهني بالقدر الذي تميز به بعد التجربة، لم أكن أسميه بالعدم المطلق فلم يكن ثمة مبرر لهذا التسمية، لم أكن أقابله باللامادة ولا باللازمان ولا باللامكان ولا باللاشيء حتى، لم أكن أسميه شيئا، لم أعبر عنه في معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول، كل ما كنت أعرفه عن هذا اللفظ هو العين والدال والميم التي انتظم منها، وعلى كثرة استخدامي إياه في مختلف السياقات كان في وعيي أوضح من يفتقر إلى تعريف أو تحديد مفهوم أو تنظيم معرفة به، يمكن القول لم يكن العدم قبل التجربة حتى في معناه المطلق يتجاوز عندي مرحلة الحدس، أي: المعرفة المضمرة التي لا تعي ذاتها ولا تقبل التداول، فلما اصطدمت بهذه النصوص ثار في نفسي شعور عام بالرفض والانزعاج إزاءها، هذا الشعور وحده هو الذي دفع حدسي بالمفهوم القديم لكلمة "العدم" ليعلن عن نفسه، ليعلن وجوده ومضامينه التي تضاد السياقات الجديدة وترفضها، وحينها فقط أصبحت معرفتي بالعدم مؤهلة لأن تنتظم في نص يعي ذاته ومضامينه ويقبل التداول، أي: يتحول من معرفة مضمرة إلى معرفة منظمة.

ما الذي يمكن أن نستفيده من هذه التجربة؟ ما الذي نستفيده من الشعور بالرفض والانزعاج إزاء استخدام كلمة ما أي كلمة ضمن سياق جديد يستلزم فيها معنى جديدا؟ ألا يعني ذلك أن نفسي تنطوي على معنى قديم للكلمة يخالف المعنى الجديد الذي تحمله ضمن سياقها الجديد؟ فلمَ سأحتج على دلالة كلمة لا أعرف عنها شيئا؟ وقديما فرق البلاغيون العرب بين الخبر الملقى لخالي الذهن والخبر الملقى لمن انطوى ذهنه على معرفة تضاد الخبر الجديد، وألزموا في الخبر الملقى للضرب الثاني من الناس أن يؤكد على قدر رسوخ وعمق المعرفة المضادة، ثم ما معنى ألا ينتظم عندي المعنى القديم لكلمة "العدم" في معرفة منظمة تعي ذاتها وتقبل التداول إلا بعد التعرض لنصوص مضادة في استعمالها لكلمة "العدم" لهذا المعنى القديم؟ ألا يشير ذلك إلى ما قلته من قبل من أن الشعور بالتناقض يعزز الحدس ويدفعه ليعلن عن نفسه في معرفة منظمة؟ ثم ما مصدر هذه المعرفة بالمعنى القديم التي انطوت في نفسي ولو في صورة معرفة غير منظمة؟ إننا إزاء كلمة لا يستقل العالم بتشكيل معرفة بها لدى العارِف، فمن الذي باشر العدم أو قد يباشره في المادة والواقع؟ لا بد أن تكون هذه المعرفة القديمة بالعدم كلاشيئية مطلقة قد استقرت لدي كنتيجة مباشرة لكل التجارب اللغوية التي باشرت فيها كلمة "العدم" ضمن نصوص تستخدمها في الدلالة على ما هو نقيض الوجود، أو للتجارب اللغوية التي باشرت فيها كلمة "الوجود" نفسها، فالشيء يتعرف من خلال ضده، ولا يمكن اختزال هذه التجارب في تجربة أو تجربتين بل لابد وأنها كانت تاريخا كاملا من التجارب يمتد رأسا امتداد تجربتي في الوجود والاطلاع، وهو ما اتفقنا على تسميته بالتاريخ الدلالي للكلمة في وعي الفرد، ورغم أن التاريخ الدلالي لكلمة "العدم" يتألف من تجارب لغوية تنطوي على استعمالات فعلية لهذه الكلمة ضمن نصوص كاملة إلا أن ذاكرتي لم تحتفظ بهذه النصوص في كليتها، وإنما احتفظت فقط بالمعنى العام والكلي لكلمة "العدم"، وظل هذا المعنى في نفسي كمعرفة مضمرة، تقدم نفسها لي دائما كمعرفة بديهية لا تفتقر إلى التوضيح أو التنظيم، حتى اصطدمت باستعمالات لغوية مضادة لهذا المعنى المضمر، حينها فقط عبر عن وجوده في صورة شعور عام بالانزعاج والقلق، وحينها فقط أصبح هذا المعنى مؤهلا لأن ينتظم ضمن نص من جزئيات وعلائق يعي ذاته ويقبل التداول.

إذن، نباشر الاستعمال الجديد لكلمة "العدم" ونحن ننطوي على استعمالات قديمة لها تراكمت ضمن التاريخ الدلالي للكلمة في أفق الوعي، فيحدث نوع من التناقض بين الاستعمال الجديد والاستعمالات القديمة، وقد نسقط هذا التناقض على النص نفسه فنتهمه بالتناقض والقصور؛ ومن ثم يبدأ المعنى الجديد لكلمة "العدم" في الظهور ضمن أفقنا المعرفي كأحد الاحتمالات التي ضمنها ومن خلالها تتكامل الاستعمالات الجديدة للكلمة مع الاستعمالات القديمة ضمن تاريخها الدلالي في الوعي، وارجع إلى نفسك الآن وأعد النظر، هل يتعلق مثل هذا الظهور بإذن أو إرادة منك؟ ألا يحدث بمجرد القصد بوعيك نحو عموم المشكلة؟ ألا يشير مثله إلى وجود نزوع فطري في العقل نحو استكمال وتصحيح مضامينه؟ ويكفي أن تقصد بوعيك نحو الشيء حتى يمارس هذا النزوع عمله؛ ثم يزداد المعنى الجديد للعدم رسوخا كلما باشرنا الكلمة ضمن سياقات لغوية جديدة تستعملها ضمن ذات الاستعمال الجديد.

السياق وبناء الصرح بين الرازي وابن عاشور

قال ﷻ: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰهَٰمَٰنُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ �﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، ينقل فخر الدين الرازي وجهين من التفسير في الآية السابقة، أما التفسير الأول فهو تفسير الظاهريين الذين قطعوا ببناء الصرح وذكروا في كيفية بنائه حكاية طويلة، ويستبعد الرازي هذا التفسير بحجة أن فرعون عاقل مخاطب من قبل السماء ولا يتأتى في العاقلين أن يأمروا بمثل ذلك الصرح أمرا حقيقيا يتوقع نفاذه في المادة والواقع "إن فرعون لا يخلو إما أن يقال: إنه كان من المجانين أو كان من العقلاء: فإن قلنا: إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه؛ لأن العقل شرط في التكليف، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في القرآن، وأما إن قلنا: إنه كان من العقلاء فنقول: إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي، ويعلم أيضا ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال، وإذا كان هذا العلمان بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء، وإذا كان فساد هذا معلومًا بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون"؛ ويرجح الرازي أن يكون فرعون دهريا يطعن في إمكانية المعرفة بإله موسى من خلال تعليق إمكانية معرفة الإله بإمكانية الوصول إليه في موضعه "والذي عندي في تفسير هذه الآية: أن فرعون كان من الدهرية، وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع، وتقريره أنه قال: إنا لا نرى شيئاً نحكم عليه بأنه إله العالم، فلم يجز إثبات هذا الإله، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجوداً لكان في السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السماوات فكيف يمكننا أن نراه؟ ثم إنه لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السماوات ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا يَٰهَٰمَٰنُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحس ممتنعاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]، وليس المراد منه أن محمدًا ﷺ طلب نفقاً في الأرض أو وضع سلمًا إلى السماء، بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيل لك إلى تحصيل ذلك المقصود، فكذا ههنا غرض فرعون من قوله: ﴿يَٰهَٰمَٰنُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يعني أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا الطريق ممتنعاً، فحينئذ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى"[23]؛ أما التفسير الثالث فهو ما يضيفه الطاهر بن عاشور الذي فسر الصرح بمكان مخصص للاختلاء والتريض واستقدام الوحي "وقد لاح لي هنا محمل آخر أقرب أن يكون المقصود من الآية ينتظم مع ما ذكرناه هنالك في الغاية ويخالفه في الدلالة، وذلك أن يكون فرعون أمر ببناء صرح لا لقصد الارتقاء الى السماوات بل ليخلو بنفسه رياضة ليستمد الوحي من الرب الذي ادعى موسى أنه أوحى إليه إذ قال ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ فإن الارتياض في مكان منعزل عن الناس كان من شعار الاستيحاء الكهنوتي عندهم، وكان فرعون يحسب نفسه أهلا لذلك لزعمه أنه ابن الآلهة وحامي الكهنة والهياكل. وإنما كان يشغله تدبير أمر المملكة فكان يكِل شؤون الديانة الى الكهنة في معابدهم، فأراد في هذه الأزمة الجدلية أن يتصدى لذلك بنفسه ليكون قوله الفصل في نفي وجود إله آخر تضليلا لدهماء أمته، لأنه أراد التوطئة للإخبار بنفي إله آخر غير آلهتهم فأراد أن يتولى وسائل النفي بنفسه كما كانت لليهود محاريب للخلوة للعبادة كما تقدم عند قوله تعالى ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾، وقوله ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ ومن اتخاذ الرهبان النصارى صوامع في أعالي الجبال للخلوة للتعبد، ووجودها عند هذه الأمم يدل على أنها موجودة عند الأمم المعاصرة لهم والسابقة عليهم"[24].

إن كان السياق يلعب دورا هاما في إنشاء النص فإنه يلعب دورا أكبر عند التلقي؛ لأن سياق الإنشاء يتألف من تصورات المنشئ وحده التي خبرها امتداد تجربته في الوجود، والتي التقت وانصهرت فيه آن الإنشاء؛ أما سياق التلقي فيتألف من التصورات التي خبرها كل متلق للنص على حدة، فتتعدد سياقات التلقي بتعدد المتلقين؛ فالآية السابقة تفسر ضمن ثلاثة سياقات مختلفة، السياق الأول هو السياق التقليدي الذي يفسر الصرح ببنيان عظيم يعلوه فرعون حتى يبلغ موضع الإله في أعالي السماء ليتأكد بنفسه من كذب موسى، ويفتقر هذا السياق إلى تصورات مستقلة في الصرح وفي فرعون باعتباره عاقلا مخاطبا من قبل الإله، ولذلك يقف صاحبه في موقف المتلقي السلبي الذي يتقبل النص بحرفيته، دون الاعتراض أو التبرير لنمط العقل الذي يصوره النص في فرعون؛ أما السياق الثاني فهو سياق فخر الدين الرازي الذي يفسر الأمر ببناء الصرح بالرغبة في السخرية والتهكم والتعجيز، وحاصل هذا التفسير، أن إله موسى لا يمكن المعرفة به، فلا نعرفه حتى نبلغه، ولا نبلغه حتى يكون لدينا صرح عظيم الارتفاع يصل بنا إلى موضعه، ويستحيل علينا أن نبني مثل هذا الصرح، ومن ثم يكون الأمر به تهكما وسخرية وتقريرا بالعجز، ويبدو سياق فخر الدين الرازي أثرى بكثير من السياق السابق، فهو ينطوي على تصور لطبيعة الخطاب الإلهي وما يقتضيه في المخاطبين، ولطبيعة العقل وما يقتضيه أو يمنعه في العاقلين، ولطبيعة فرعون وما يتأتى أو لا يتأتى فيه من سلوك، لقد اجتهد الرازي ليتمثل سياقا ثريا يفسر نص فرعون وأمره ببناء الصرح ضمنه ومن خلاله دون أن يخرج عما تقتضيه طبيعة الخطاب الإلهي في فرعون من العقل والتمييز وحسن التقييم، لكنه في سبيل ذلك رمى فرعون بالدهرية، وهو مذهب ينكر الخالق والبعث والإعادة [25]، وهو اتهام لا مرجع واضح له، فلا شيء في النص المفسر يشير إليه، ولا نص في القرآن يشير صراحة إلى إنكار فرعون للخالق أو للبعث، بل ويتضاد مع المعروف عن عقائد المصريين القدماء، وإن كان من الطبيعي ألا يدخل الاعتبار الأخير في حسابات الرازي نظرا للفارق الزمني بينه وبين الكشوف التاريخية؛ تلك الكشوف التاريخية التي أتيحت لمفسر آخر مثل الطاهر بن عاشور، ولذلك نرى عنده تصورا أوضح لعقيدة فرعون "والمقصود بنفي وجود إله غيره نفي وجود الإله الذي أثبته موسى وهو خالق الجميع؛ وأما آلهتهم التي يزعمونها فإنها مما تقتضيه إلهية فرعون لأن فرعون عندهم هو مظهر الآلهة المزعومة عندهم لأنه في اعتقادهم ابن الآلهة وخلاصة سرهم"[26]، ولم يقم الطاهر بن عاشور تفسيره على مجرد تصور صحيح لعقيدة فرعون، وإنما أقامه أيضا على تصور لما من شأنه أن يكون من الكهنة والرهبان من خلوة وتريض واستقدام للوحي؛ ولذلك تمكن من وضع تفسير للأمر ببناء الصرح يحافظ من جهة على ما تقتضيه طبيعة الخطاب الإلهي في المخاطب -وإن لم يكن متعمدا لهذه النقطة بالتحديد كما سنرى- ولا يتورط من جهة أخرى في الخطأ الذي تورط فيه الرازي، إذ فسر الصرح بمكان للخلوة والتريض واستقدام الوحي، وهو ما يسميه في تفسيره بالاستيحاء الكهنوتي.

ارجع أيها القارئ إلى نص الرازي "وأما إن قلنا: إنه كان من العقلاء فنقول: إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي، ويعلم أيضا ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال، وإذا كان هذا العلمان بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء"، ثم اسأل نفسك هل لو طلب منك أو طلب من الرازي وضع تعريف للإنسان العاقل في موقف لا علاقة له بهذا النص، هل ينتظر منك أو من الرازي أن يُقَال في تعريفه هو من لا يضع بناء يصعد به إلى السماء؟ أو يُقال هو من يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي؟ أو يُقال هو من يعلم ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليها من أسفل الجبل وبين أن ينظر إليها من أعلى الجبل، أي: هي تبدو في ناظريه على ذات البعد والمسافة دون زيادة أو نقصان سواء نظر إليها من أسفل أم نظر إليها من أعلى الجبل؟ هل يتوقع هذا منك أو يتوقع من الرازي؟ وإن كان يصح مثله في تحديد العاقل وتحديد نمط تفكيره وسلوكه فلم لا يقال في تعريفه هو من يعلم ببديهة عقله أنه إن قفز من فوق عشرة طوابق فلن يسلم؟ ثم أسأل نفسك هل باشر الرازي نص فرعون وفي عقله هذا التعريف المسبق للعاقل ولما يكون منه من سلوك وكان تعريفا تاما واعيا ينتظر نصا كي يُفَرَّغَ فيه؟ أم إن الرازي باشر النص وفي عقله تصور كلي عن العاقل لا يتحدد بنمط معين من السلوك، فلما اصطدم بالنص شعر بالتضاد بين مضامينه كما نصت عليها التفسيرات السابقة وبين تصوره الكلي عن العاقل، ومن خلال التناقض بين تصوره الكلي وبين ما يدعيه النص ضمن تفسيراته في سلوك فرعون، أطلق الرازي هذا التعريف خاصة في العاقل كرد على ما يقال في تفسيره؟ ثم اسأل نفسك هل كان من الممكن أن يطلق هذا التعريف خاصة خارج هذا التناقض؟ ولو قيل لك: إن خالدا من الناس يدعي قدرته على التحكم في الطقس ومظاهر الطبيعة بمحض إرادته، وأنت تعلم أن خالدا هذا لا يفعل مثل ذلك لأنه من العاقلين، أتقول في تكذيب مثله: إن خالدا عاقلٌ، والعاقل يعلم ببديهة عقله أنه لا يمكنه أن يصنع صرحا يصعد به إلى السماء؟ أم تقول إن خالدا عاقلٌ، والعاقل يعلم ببديهة عقله أنه لا يمكنه أن يتحكم في الطقس والطبيعة بمحض إرادته؟ ثم اسأل نفسك هل كان هذا التعريف للعاقل تاما في نفسك حاضرا أمام حدقة وعيك ينتظر فقط الفرصة المناسبة ليعبر عن وجوده؟ أم أن كل ما كنت تملكه قبل ما قيل لك في خالد تصور كلي عن العاقل لا يتحدد في نمط معين من السلوك، ثم من خلال التناقض بين تصورك الكلي عن العاقل وبين ما قيل لك برز هذا التعريف خاصة في العاقل دون غيره مما يصح من التعريفات كرد على ما يدعى ويقال؟ ألا يذكرك ما نحن فيه بتجربتي الشخصية السابقة مع كلمة "العدم"؟ ألا يتفق ما نقرره الآن مع ما ذكرته لك من قبل عن المعنى السابق على التجربة لكلمة "العدم" والذي تمثل في ذهني في العدم المطلق؟ ألم أخبرك حينها أن هذا المعنى لم يكن متميزا في ذهني قبل التجربة تميزه بعد التجربة؟ وأني لم أتجاوز به مرحلة الحدس إلى مرحلة التحديد في نص منظم يعي ذاته ويقبل التداول إلا بعد التناقض بين استعماله القديم الراسخ في نفسي وبين استعمالاته الجديدة؟ ما نتعلمه من ذلك أننا لا نباشر النصوص وفي أذهاننا تصورات وتعريفات تامة تنتظر نصا تُفَرَّغ فيه وإلا كان التفسير عبثا خالصا، وإنما نباشر النص وفي أذهاننا معان وتصورات كلية تتطور ضمن ومن خلال التفاعل مع النص لتنتج سياقا خاصا بالمفسر يفسر النص ضمنه ومن خلاله.

وكلما كان سياق المتلقي فقيرا في تصوراته وخبراته السابقة على النص كان المفسر أقرب إلى التلقي السلبي للنص، دونما أي محاولة لإعادة إنتاج المعنى من خلال التفاعل والحوار والجدل مع النص، وهذا ما ينطبق على التفسير الأول الذي تلقى النص بحرفيته غير مبال بما يقتضيه في نمط العقل عند فرعون أو بمدى اتساقه أو تناقضه مع جلال وجدية الخطاب الإلهي، وتبلغ المشكلة مستوى أبعد من التعقيد عندما يكون النص المفسر ذا طبيعة أدبية فيحمل المجاز محمل الحقيقة، مما ينتهي بنا إلى تكريس الخرافة والأسطورة والجهل.

ويتألف السياق الذي يتمثله المفسر ليفسر النص ضمنه ومن مجموع تصوراته للقوى والدواعي المؤلفة للسياق الذي نشأ النص ضمنها ومن خلالها، وهذه التصورات شأنها شأن كل تصورات تقارب الواقع أو تجافيه، ومن ثم هي عرضة للتغيير والتبديل والتطوير باستمرار، وأي تغيير في هذه التصورات يؤكد أو يطور التفسير الذي نشأ ضمنها ومن خلالها، وهذا ما يتضح في تفسير الطاهر بن عاشور إذ يصحح عقيدة فرعون من خلال الرجوع إلى ما أثبتته الكشوف في عقائد المصريين القدماء، كما يتضح بقوة في تحول تفسيراته للصرح، فبينما فسره في سورة "القصص" بالمعنى التقليدي للصرح كبنيان عال يتوصل به الصاعد إلى موضع الإله "وحيث قال موسى إن الإله الحق هو رب السماوات فقد حسب فرعون أن مملكة هذا الرب السماء تصورا مختلا ففرّع على نفي إله غيره وعلى توهم أن الرب المزعوم مقره السماء أن أمر (هامان) وزيره أن يبني له صرحا يبلغ به عنان السماء ليَرَى الإله الذي زعمه موسى حتى إذا لم يجده رجع الى قومه فأثبت لهم عدم إله في السماء إثبات معاينة"، ويتقبل في نص صريح ما يقتضيه ذلك في عقل فرعون من التدني والانحطاط "وفي هذا الضغث من الجَدل السفسطائي مبلغ من الدلالة على سوء انتظام تفكيره وتفكير ملئه، أو مبلغ تحيله وضعف آراء قومه... وهذا من فساد تفكيره إذ حسب أن السماء يُوصل إليها بمثل هذا الصرح ما طال بناؤه، وأن الله مستقرّ في مكان من السماء... وكانت عقائد أهل الضلالة قائمة على التخيل الفاسد، وكانت دلائلها قائمة على تمويه الدجالين من زعمائهم"[27]، نجده في سورة "غافر" يفسر الصرح بمكان مخصص للاختلاء والتريض واستقدام الوحي كما مر، فمتى وكيف حصل هذا التغيير؟ يقول الطاهر بن عاشور في نهاية تفسيره لبناء الصرح في سورة "القصص": "وقد لاح لي في معنى الآية وجه آخر سأذكره في سورة المؤمن (أي: سورة غافر)"[28]، تميز كلمة "لاح" في صيغة الماضي الدالة على التحقق والانقطاع والمؤكد تحققها بقد اللحظة التي ظهر فيها تفسيره الجديد للصرح والذي بسطه في صورة غافر، ومجيء هذه العبارة في نهاية تفسيره للصرح في سورة "القصص" يدل بوضوح على القصر الشديد في المسافة الزمانية بين التفسيرين، ويمكن القول إن التفسير الثاني قد ظهر أثناء معالجة التفسير الأول ومحاولة إثباته والتحقق من صحته، وهذا ما يمكن استنباطه بوضوح من العبارات التي سبقت عبارته الأخيرة مباشرة "ولم يذكر القرآن أن هذا الصرح بُني، وليس هو أحد الأهرام لأن الأهرام بنيت من حجارة لا من آجـرّ، ولأنـها جعلت مـدافن للذين بنـوها مـن الفـراعنة. واخـتلف المفـسرون هل وقـع بنـاء هذا الصـرح وتـمّ أو لم يقـع؛ فحكى بعـضهم أنـه تـمّ وصَعـد فرعون الى أعلاه ونزل وزعم أنه قتل رب موسى. وحكى بعضهم أن الصرح سقط قبل إتمام بنائه فأهلك خلقا كثيرا من عملة البناء والجند. وحكى بعضهم أنه لم يُشرع في بنائه"[29]، تشير هذه العبارات بوضوح إلى محاولة الطاهر بن عاشور للتحقق من صحة تفسيره في بناء الصرح، وقد قام في سبيل ذلك بالعديد من المراجعات، فبحث في القرآن، وفيما عساه أن يكون بقية لهذا الصرح من الكشوف التاريخية، وفي آراء المفسرين من قبله، وانتهى بحثه وبشكل واضح إلى التشكيك في حدوث البناء في الواقع، وهذا ما أستنتجه من نفيه لكل ما من شأنه أن يؤيد حدوث هذا البناء في الواقع، سواء أكان مستمدا من القرآن "ولم يذكر القرآن أن هذا الصرح بُني"، أم من الكشوف الأثرية "وليس هو أحد الأهرام لأن الأهرام بنيت من حجارة لا من آجـرّ، ولأنـها جعلت مـدافن للذين بنـوها مـن الفـراعنة"، وكأنه يشير بذلك إلى أنه ما من أثر معروف في مصر يشير إلى وجود هذا الصرح، أم كان دليلا مستمدا من الإجماع "واخـتلف المفـسرون هل وقـع بنـاء هذا الصـرح وتـمّ أو لم يقـع..."، فنفى عنه بذلك كل ما يؤيد بناءه في القرآن والإجماع والواقع؛ ومن ثم لم يكن من المستغرب أن يلوح في عقله حينئذ التفسير الأخير الذي بسطه في سورة غافر كحل لمأزق حدوث البناء في الواقع الذي اعتمده في تفسيره لسورة القصص رغم افتقاره إلى كل سند ديني أو واقعي، وفي المقابل لم يبد الطاهر بن عاشور أي اعتراض على ما يقتضيه التفسير التقليدي في نمط العقل عند فرعون، بل أقر بتدني وانحطاط منطقه ولم ير في ذلك أي تعارض مع جلال وجدية الخطاب الإلهي، رغم اطلاعه على الآراء القائلة بعدم بنيان الصرح، ومن الصعب أن يقال إنه لم يطلع على تفسير فخر الدين الرازي وقد تكرر اسمه في كتاب ابن عاشور "التحرير والتنوير" في العديد من المواضع، فما الذي نفهمه من ذلك؟ إن ما نتعلمه من كلية هذه التجربة أن التفسير نسبي وأنه رهين في تحديد مضامينه بالتصورات الآنية في وعي كل مفسر لما من شأنه أن يكون في مضامين النص من ظروف وأحوال وهيئات، وأن هذه التصورات ليست متطابقة عند مختلف المفسرين فما يتصوره فخر الدين الرازي في طبيعة الخطاب الإلهي لا يتصور مثله الطاهر بن عاشور، ولذلك رأيناه يتهم فرعون بالفساد في تفكيره دون أن يرى في ذلك أي تعارض مع طبيعة الخطاب الإلهي ومقتضياته في المخاطبين، ويمكن للمفسر باستمرار أن يراجع صحة تصوراته التي ينتج تفسيراته ضمنها ومن خلالها بالرجوع إلى الواقع أو النص المفسر باعتباره مصدرا للحقيقة في الثقافة التي أنتجت التفسير، أو من خلال الرجوع إلى إجماع المفسرين باعتباره مصدرا للرأي في الثقافة التي أنتجت التفسير، ومتى تغيرت التصورات أو بعض التصورات التي أنتج المفسر تفسيره ضمنها ومن خلاله ارتد ذلك التغيير على التفسير نفسه، كما رأينا عند الطاهر بن عاشور الذي انتقل من تفسير الصرح ببناء يراد به بلوغ موضع الإله إلى تفسيره بمكان للتريض واستقدام الوحي، وذلك بعد أن دخل ضمن سياق تفسيره معارفه وتصوراته التي ذكرها في قوله "ولم يذكر القرآن أن هذا الصرح بُني، وليس هو أحد الأهرام لأن الأهرام بنيت من حجارة لا من آجـرّ، ولأنـها جعلت مـدافن للذين بنـوها مـن الفـراعنة، واخـتلف المفـسرون هل وقـع بنـاء هذا الصـرح وتـمّ أو لم يقـع..."، وبعد أن دخل ضمن سياق تفسيره أيضا معرفته بما كان يفعله الكهنة المصريون -كما يتصور الطاهر بن عاشور بغض النظر عما قد تقرره الحقائق التاريخية- والأحبار والرهبان من بعدهم من اختلاء لاستقدام الوحي.

الثواني تعيد تشكيل الأوائل بما يتسق مع شروطها

لنعد مرة أخرى أيها القارئ إلى العبارة "أكلت الطرنطم"، لقد اتفقنا من قبل أنك تتلقى "الطرنطم" كنوع مما يؤكل وإن لم يكن لك عهد سابق به أو باللفظ الدال عليه، وأنك تستمد هذه المعرفة من خلال السياق الذي سلط الأكل على الطرنطم مفعولا له، ولكن ماذا لو أكملنا هذه العبارة كالتالي "أكلت الطرنطم وخرجت من المنافسة"؟ ألا يتغير معنى العبارة بانضمام جملة جديدة "وخرجت من المنافسة" إليها؟ ألا يعاد تحديد "الطرنطم" في وعيك كنوع من الخديعة أو الفخ أو الزيف ويعاد تحديد معنى "الأكل" كنوع من التورط أو التلبس الذي لا فكاك منه؟ ألا تعيد بذلك تحديد معنى أوائل الكلام كي تتسق مع أواخره ضمن حقيقة واحدة صالحة للاستمرار والتماسك ضمن الأوائل والثواني معا؟ ثم انظر إلى العبارة "زأر زيد" وارجع إلى ما قاله البلاغيون العرب في تفسيرها، ألا تجدهم تارة يقولون شبه زيد بالأسد ولذلك أسند إليه فعل الزئير، فلم يعد زيد إنسانا خالصا وإنما أصبح من جنس الأسود أو حقيقة ثالثة بين الإنسان والأسد أو إنسانا في صورة أسد، أما الاسم "زيد" فهو باق على دلالته على الزئير المعروف، فيبقون بذلك الزئير "الأوائل" على معناه، ويغيرون معنى زيد "الثواني" كي يتفق مع الزئير في الدلالة على حقيقة واحدة تقبل الاستمرار والتماسك ضمن الكلمتين معا؟ وألا تجدهم تارة أخرى يقولون شبه كلام زيد بالزئير فزيد باق على إنسانيته لا تحوير ولا تغيير فيها ولكن كلامه هو الذي تغير وصار في صورة الزئير أو صار وقعه في النفس كوقع الزئير، فيبقون بذلك زيد "الثواني" على معناه ويغيرون معنى الزئير "الأوائل" كي يتفق مع زيد في الدلالة على حقيقة واحدة تقبل الاستمرار والتماسك ضمن الكلمتين معا؟ ألا يدل ذلك وبوضوح على أن الأوائل وإن كانت تلعب الدور الأكبر في تحديد طبيعة الجملة والشروط التي ستقام ضمنها ومن خلالها، إلا أنها لا تستقل بذلك التحديد استقلالا كاملا؟ وأنه كما تلعب الأوائل دورا في تشكيل معنى الثواني بما يتفق مع مقتضيات هذه الأوائل تلعب الثواني أيضا دورا في إعادة تشكيل معنى الأوائل بما يتفق مع مقتضيات هذه الثواني وبما يضمن استمرار وتماسك الحقيقة التي يعبر عنها النص ضمن الأوائل والثواني معا؟ وإذا تقرر لك ذلك أيها القارئ علمت أن التفسير حركة ذات اتجاهين فهي تارة تعدل الثواني بما يتفق مع الأوائل وتارة ترتد على الأوائل فتعدلها بما يتفق مع الثواني، سواء أكانت هذه الأوائل واقعة مع الثواني ضمن النص، أم هذه كانت الأوائل هي تصوراتك السابقة على النص أو التي تطورت بالتفاعل مع أوائل والتي تفسر النص ضمنها ومن خلالها.

التفسير بين التوقع وتصديق التوقع

وعندما تتلقى العبارة "شربت الماء" فأنت تتوقع من خلال خبرتك بفعل "الشرب" أن يكون المفعول به مما يشرب، فإن صح توقعك كما في هذه العبارة استقامت الجملة في وعيك لأنها تؤكد خبرة حاصلة فيه بالفعل وتتسق معها، ولكن ماذا عندما يقال لك "شربت الكتاب"؟ تمثل هذه الجملة إن أُخِذَت على ظاهرها كسرا للمتوقع في فعل الشرب والكتاب معا ولذلك تجد نفسك مضطرا إلى تأويل مدلول "الكتاب" بما يُشرَب أو تأويل فعل الشرب نفسه بمعنى يصلح للاتصال بحقيقة الكتاب وتسلطه عليها، فتؤوله بمعان من مثل الاستيعاب أو الفهم أو التمكن...، وسواء أولت معنى الكتاب بما يصلح للشرب أو أولت معنى الشرب بما يصلح للاتصال بالكتاب والتسلط عليه، فإنك في كل حال تنتهي إلى حقيقة واحدة صالحة للاستمرار والتماسك ضمن الكلمتين معا (الشرب - الكتاب)، وبذلك يصدق توقعك وتستقيم الجملة في وعيك ولكن بعد أن مارست جهدا في التأويل وإعادة الفهم، ولكن ماذا لو تمسكت كل كلمة في وعيك بمعناها الحرفي الظاهر؟ فليس المراد من الشرب إلا فعل الشرب المعروف والذي نمارسه كل يوم، وليس المراد من الكتاب إلا الكتاب المعروف الذي نقرؤه ثم نعيده إلى المكتبة؟ ستنهار الجملة في وعيك ولن تجد فيها حقيقة واحدة صالحة للاستمرار والتماسك ضمن الكلمتين، بل تجد نفسك في مواجهة حقائق مختلفة لا تستقر ولا تنصهر معا ضمن حقيقة واحدة؛ وما ينطبق على اتصال الثواني بالأوائل في الجملة الواحدة ينطبق على اتصال الكلام بالمشهد الذي أنتجه وأدى إليه، فعندما تتلقى العبارة "ضرب خالد إسماعيل" في واقع فج يكثر فيه التنمر والعنف الجسدي تتوقع في كلمة "ضرب" أن تدل على الضرب الحقيقي المرادف للعنف البدني، وعندما تتلقى ذات العبارة في واقع اقتصادي تغلب عليه المنافسة التجارية تتوقع في كلمة "ضرب" أن تدل على التفوق الاقتصادي أو إخراج الخصم من السوق، وعندما تتلقى ذات العبارة في واقع سياسي تغلب عليه الصراعات السياسية تتوقع في كلمة "ضرب" أن تدل على التفوق السياسي أو إخراج الخصم من المنافسة أو الاستحواذ على قدر أكبر من السلطات، وهكذا تتوقع في كل جملة أن تدل على معنى من جنس المشهد الذي أنتجها وأدى إليه، وذلك من خلال خبرتك بكلية هذا المشهد؛ أما إن جاء الكلام مناقضا لتوقعاتك التي توقعتها من خلال خبرتك بالمقدمات التي أنتجته وأدت إليه سيخرج المشهد إلى حالة من التنافر والاستقطاب، وقد تصاب بإحباط كالإحباط الذي أصيب به المعتصم جراء تهنئة إبراهيم بن إسحاق الموصلي له على قصره الجديد، أو كالإحباط الذي أصيب به بعض البرامكة بعد أن استفرغوا جهدهم في بناء دارهم الجديدة فافتتح أبو نواس قصيدة في مدحهم وتهنئتهم بقوله [30]:

أربـع الـبـلى إن الـخـشوع لباد ∴ عليـك وإنـي لـم أهـنـك ودادي

وختمها بقوله:

سـلام على الدنيا إذا ما فقــدتـم ∴ بني برمك من رائحين وغادي

وذلك أن المتلقي ينصهر في كلية المشهد ويمتلئ بأوائله ومن ثم يتوقع فيما يبنى عليها من كلام أن يكون اطرادا وامتدادا طبيعيا للأوائل التي أنتجته وأدت إليه، فلا يفيق من انسجامه في كلية المشهد إلا على صوت الشاعر الذي كسر كل توقعات المتلقي وأحبط آماله.

الخاتمة: السياق والفرد

قد تسأل نفسك أيها القارئ ما دام السياق يقوم بكل هذه الأدوار جميعا، فما هو دور الفرد سواء أكان هذا الفرد أديبا أم كان متكلما عاديا؟ وما دامت مضامين السياق الانفعالية واللغوية والثقافية وغيرها من المضامين المعرفية هي التي أنطقت لسان جنوب بما نطق به فما فضل جنوب؟ ألم يكن من الممكن أن نضع إنسانا آخر موضع جنوب فينطق بما نطقت به؟ اعلم أيها القارئ أن المضامين التي تنصهر في لحظة معرفية ووجدانية ما وتتطور لتنتج النص ليست شيئا مستقلا ينبثق فجأة في حيز الوجود ومن ثم قد تعرض لأي إنسان وكل إنسان، وإنما هي مضامين متجذرة ومتطورة في صميم تجربة كل إنسان على حدة في الوجود والاطلاع، وهي تجربة لا تقبل النسخ أو التكرار، ومن ثم لا وجود لهذا الإنسان الذي يمكن وضعه في ذات موضع جنوب بكل ما تفرد به من خصائص وإمكانيات معرفية ولغوية، ثم اعلم أيها القارئ أن دور الإنسان الفرد في سياقه يشبه دور الكلمة، فالسياق يصنع حقلا دلاليا تتحدد حدوده بالطبائع والشروط التي يقتضيها السياق في الكلمة المنتظرة إلا أن هذا الحقل لا يشمل مدلولا واحدا بل يتسع لكل المدلولات التي تصدق فيها هذه الطبائع والشروط ومن ثم لا بد من الكلمة المفردة لتعيين مدلول بعينه، فبتلك الكلمة تتحول الدلالة بالقوة إلى الدلالة بالفعل، وبتلك الكلمة تصعد حقيقة واحدة على السطح وتسقط بقية الاحتمالات، ولولا تلك الكلمة لما تمت الدلالة أبدا ولظل المدلول مثار التكهن والتخمين بل وإساءة التفسير، كذلك الفرد إزاء كل سياق أيها القارئ نصيا كان أم غير نصي، فالسياق يصنع حقلا من الاحتمالات تتحدد حدوده بالطبائع والشروط التي يقتضيها السياق في الاستجابة المنتظرة إلا أن هذا السياق لا يشمل استجابة واحدة بل يشمل كل الاستجابات التي تصدق فيها هذه الطبائع والشروط، وكما أن اختيار الكلمة بدل الكلمة في الموضع الذي حدد حدوده السياق لا يؤدي ذات معنى الكلمة المستبعدة وإن أدى معنى يتسق مع مطالب السياق، كذلك وضع الفرد بدل الفرد في الموضع الذي حدد حدوده السياق لا ينتج نفس الاستجابة وإن أنتج استجابة تتفق مع مقتضيات السياق، وكما أن الدلالة لا تتحول من قوة دلالة إلى فعل دلالة مهما اقتضاها أو رجحها السياق حتى تكون الكلمة، كذلك الفعل لا يتحول إلى ممارسة فعلية في الواقع حتى يكون الفرد الذي يحقق متطلبات السياق، ثم اعلم أن الفرد يعيد إنتاج السياقات كما تنتجه السياقات.

المصادر والمراجع:

[1] مذهب المعتزلة من الكلام إلى الفلسفة، رشيد الخيون، دار مدارك للنشر - دبي، الطبعة الثالثة - 2015م، ص142 - 153.
[2] أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام الأنصاري، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ج1، دار الفكر - بيروت، ص17.
[3] كتاب سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، تحقيق: عبد السلام هارون، ج1، مكتبة الخانجي - القاهرة، الطبعة الثالثة - 1988م، ص257.
[4] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، ج2، دار الجيل - بيروت، الطبعة الخامسة - 1981م، ص32.
[5] انظر لسان العرب، جمال الدين بن منظور، ج39، دار المعارف - القاهرة، ص3481.
[6] أسرار البلاغة، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة، الطبعة الثالثة - 1992م، ص6.
[7] نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس، ج6، دار صادر - بيروت، 1968م، ص472.
[8] انظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام الأنصاري، تحقيق: محمد محي الدين بعد الحميد، ج4، دار الفكر - بيروت، ص8 - 9.
[9] انظر: علل النحو، أبو الحسن محمد بن عبد الله الوراق، تحقيق: محمود جاسم محمد الدرويش، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة الأولى - 1999م، ص336 - 337، وانظر أيضا: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام الأنصاري، تحقيق: محمد محي الدين بعد الحميد، ج4، دار الفكر - بيروت، ص17 - 18.
[10] أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، ص6.
[11] انظر لسان العرب، جمال الدين بن منظور، ج39، ص 4582 - 4583.
[12] علم البديع: دراسة تاريخية وفنية لأصول البلاغة مسائل البديع، بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة المختار - القاهرة، الطبعة الرابعة - 2015م، ص252.
[13] علم البديع، بسيوني عبد الفتاح فيود، ص252.
[14] علم البديع، بسيوني عبد الفتاح فيود، ص253.
[15] خزانة الأدب وغاية الأرب، تقي الدين أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي، عصام شعيتو، ج1، دار الهلال - بيروت، دار البحار- بيروت، الطبعة الأخيرة ٢٠٠٤م، ص139 - 140.
[16] دلائل الإعجاز، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: أبو فهر محمود محمد شاكر، ص316.
[17] دلائل الإعجاز، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي، تعليق: أبو فهر محمود محمد شاكر، ص412 - 415.
[18] الدر الفريد وبيت القصيد، محمد بن أيدمر المستعصمي، تحقيق: كامل سلمان الجبوري، المجلد 5، دار الكتب العلمية - بيروت، ص180.
[19] جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، أحمد الهاشمي، دار الفكر - بيروت، الطبعة 30، ص 624.
[20] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج2، ص74.
[21] علم المعاني في البلاغة العربية، عبد العزيز عتيق، دار النهضة العربية - بيروت، الطبعة الأولى - 2009، ص124.
[22] علم المعاني: دراسة بلاغية ونقدية لعلم المعاني، بسيوني عبد الفتاح فيود، مؤسسة المختار - القاهرة، الطبعة الرابعة - 2015م، ص 137.
[23] تفسير الكتاب أو مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، تحقيق: سيد عمران، المجلد 14، دار الحديث - القاهرة، 2014م، ص68 - 69.
[24] تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، ج24، الدار التونسية للنشر - تونس، 1984، ص145 - 146.
[25] كتاب الملل والنحل، للإمام الشهرستاني، تخريج: محمد بن فتح الله بدران، القسم الثاني، مكتبة الأنجلو المصرية - القاهرة، الطبعة الثانية، ص244 - 245.
[26] تفسير التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، ج20، ص121 - 122.
[27] تفسير التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، ج20، ص122 - 123.
[28] تفسير التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، ج20، ص124.
[29] تفسير التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، ج20، ص124.
[30] العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني، ج1، ص224.



#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)       Jousseph_Thouth#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تطور المعرفة من الحدس إلى النص
- ستة متجولين في روما نسخة معدلة
- البلاغة القديمة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
- البلاغة الجديدة والمعرفة بالله
- قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
- البلاغة الجديدة
- ستة متجولين في روما


المزيد.....




- -دخان كثيف يغطي السماء-.. حرائق الغابات تواصل اشتعالها في فر ...
- مقتل وإصابة عدة أشخاص في حادثة إطلاق نار بمهرجان للطعام في س ...
- تحليل: لماذا يجد ترامب نفسه أمام خيارات أسوأ مع كل منعطف في ...
- السعودية.. الأمن العام يعلن القبض على مقيم يمني ويكشف ما فعل ...
- احتفال ديني في المكسيك يتحول إلى كارثة (فيديو+صورة)
- الضربات المصرية التي فتتت نفوذ إمبراطورية
- استطلاع أمريكي: هل واجهت إدارة ترامب صعوبات أكثر من المتوقع ...
- التلفزيون الإيراني: تعرض سفينة لحادث وإعادة 5 سفن حاولت المر ...
- صفارات الإنذار تدوي في 8 مقاطعات أوكرانية
- مباشر: ترامب يعلّق ضربات إيران مؤقتا وطهران تشكك في نوايا وا ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جوزيف تحوت - السياق والكلمة