أحمد الشيخ أحمد ربيعة
الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 02:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نفس الكذبة... لكن بوجه جديد
أطلّ علينا السيد رئيس الوزراء بـ"صولة الفجر" في إطار إعلانه محاربة الفساد. يحظى توجه الزيدي باستجابة واسعة من الشارع العراقي، وقد يحظى بدعم أكبر إذا تعمق هذا النهج وتحول إلى سياسة ثابتة لمحاربة الفساد وبناء الدولة الحديثة. غير أن العراقيين، الذين أنهكتهم تجارب السياسيين الفاشلين، اعتادوا أن يروا مثل هذه الشعارات تتحول سريعًا إلى مجرد استعراض إعلامي، قبل أن يجري التخلي عنها والانغماس مجددًا في منظومة الفساد، ولكن ببطاقة جديدة.
لقد أطلق المالكي، في بداية صعوده إلى السلطة، حملته الشهيرة "صولة الفرسان"، التي استهدفت آنذاك مظاهر الفوضى المسلحة والسلوكيات التي كانت تهدد ما تبقى من الحياة المدنية، بعدما أحكمت الجماعات الإسلامية المتشددة الخناق على حياة المواطنين، وفرضت رؤيتها الدينية بصورة فجة، فوجدت تلك الحملة صدىً لدى المواطنين، ولا سيما أبناء البصرة الباحثين عن الأمن والاستقرار. لكن المالكي ظهر لاحقًا بوجه آخر، باعتباره أحد أبرز رعاة الفساد، وإعادة تأهيل عناصر النظام السابق، وانتهاج سياسات بعيدة عن المصالح الوطنية. لقد كشفت السنوات اللاحقة حقاً الوجه الحقيقي لحكم المالكي وتحكمه اللاحق بكل منظومة المحاصصة، بما حمله من فساد وطائفية وارتهان. ولو عدنا قليلًا إلى الوراء، لوجدنا أن القادمين الجدد تعلموا الكثير من أساليب الدعاية السياسية التي مهدت في مراحل سابقة لصعود الأنظمة الاستبدادية ( مصارعات عدنان القيسي، ابوطبر وارهابه، ندوات رفع الإنتاجية ودور صدام فيها والهالة التي احيطت بها سياساً واعلامياً وغيرها ) ، حيث جرى تسويق الشعارات الكبرى لتعبيد الطريق أمام منظومة حكم لم تنتج سوى الاستبداد والفساد المزمن على مختلف الأصعدة.
يدرك العراقيون أن الثقافة السياسية السائدة داخل الطبقة الحاكمة تقوم على الفساد، وهي ثقافة امتدت تدريجيًا إلى قطاعات واسعة من المجتمع المنهك، الذي تعرضت قيمه ومعاييره لعمليات تجريف مستمرة. وقد نجح القادمون الجدد، مستفيدين من الخطاب الديني والطائفي، في تحويل هذا السلوك إلى ممارسة اعتيادية. كما أن الاندفاع غير المدروس نحو الليبرالية الجديدة، من دون رؤية اقتصادية واضحة أو دراسات متخصصة أو سياسة وطنية واقعية، زاد من تعقيد المشهد.
إن العراق بحاجة إلى مشروع وطني يقوم على تبادل المصالح والمنفعة المشتركة مع شركائه الاقليمين او العابرة للقارات، ويكفيه ما عانه سياسات قادته من كارثة إلى كارثة اخرى، مستغلة تطلع العراقيين المشروع للتخلص من الفساد الذي لم يشهد العراق مثيلًا له في تاريخه الحديث
ولا تختلف هذه السياسات، في جوهرها، عن سياسات الإطار التنسيقي وقواه الأساسية، التي ملأت الساحة السياسية، منذ أيام المعارضة، بالحديث عن "الاقتصاد الإسلامي" ونظرياته، لكنها عندما وصلت إلى السلطة لم تقدم سوى سياسات رأسمالية وتوجهات ليبرالية، وهو ما تشترك فيه مجمل قوى نظام المحاصصة التي تتحكم بمفاصل الدولة.
أما ما يثار في وسائل الإعلام بشأن دفء الاستقبال الأمريكي أو تصريحات الرئيس الأمريكي، فلا يعدو كونه نوعًا من المبالغة الإعلامية التي تخاطب المزاج السياسي السائد، ولا سيما لدى النخب التي صعدت سريعًا إلى مواقع السلطة من دون رصيد حقيقي من الإنجاز أو الإنتاج. ولم يعد سرًا أن السياسة الأمريكية كثيرًا ما تصنع شخصيات سياسية وفقًا لمصالحها، وحين ينتهي دورها تصبح كسابقاتها بلا قيمة سياسية تُذكر ولن يكون ثمنها أغلى ممن سبقوها. .
إن سياسات الزيدي تنطوي على مخاطر جدية، لأنها قد تقيد العراق بقيود طويلة الأمد، وترهن حاضره ومستقبله بسياسات تعزز تبعيته الاقتصادية، وتفتح الباب أمام استنزاف ثرواته، ليصبح سوقًا مفتوحًا للشركات العابرة للقارات.
ويمكن الإشارة إلى ابرز ثلاثة مخاطر رئيسية:
أولًا: إعادة هيكلة قوى الفساد وإضفاء الشرعية القانونية عليها.
تُظهر تجارب عديدة، مثل روسيا وبعض دول المنظومة الاشتراكية السابقة، وكذلك تجارب المافيات، أن شبكات الفساد، بعد سنوات من النشاط غير الرسمي وبمعدل 20 سنة ، تسعى إلى الحصول على غطاء قانوني يوفر لها الحماية من خلال مؤسسات الدولة. وعندها يجري تصفية او تُستبدل الوجوه القديمة بأخرى جديدة أكثر براغماتية، مع استمرار السياسات ذاتها.
وفي هذا السياق، فإن أي مشروع سياسي من هذا النوع يحتاج إلى ركيزتين أساسيتين: الأولى، قوة أمنية وعسكرية تضمن استمراره؛ والثانية، قاعدة سياسية منظمة، قد تكون حزبًا أو تحالفًا سياسيًا، تتبنى المشروع وتحمي مصالحه.
وقد كانت هذه المهمة مؤجلة منذ سنوات. وربما كان أحمد الجلبي مرشحًا للقيام بهذا الدور، إلا أن انحيازه للمشروع الطائفي، وعدم نجاحه في تحقيق توازن بين النفوذين الإيراني والأمريكي، فضلاً عن رحيله المبكر، حال دون ذلك. كما أن سياسات المالكي، القائمة على ترسيخ الانقسام الطائفي وإشاعة الفوضى والفساد وبناء قاعدة اجتماعية للنظام على أسس طائفية وذات تبعية خارجية، اعاقت بتقديري هذا المشروع. .
ويبدو أن هذه المهمة تكتسب اليوم أهمية أكبر في ظل التوجهات الاقتصادية الجديدة للزيدي ( لكن هل يمتلك الرؤية والكفاءة لإنجاز هذا الامر ؟) والمتغيرات التي فرضتها الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، مع احتمال ظهور تحالفات سياسية عابرة للطائفية، ولو على المستوى الشكلي، رغم ما يحيط بذلك من تعقيدات تتعلق بدور المليشيات والأحزاب النافذة.
ثانيًا: تقويض مشروع السيادة الوطنية.
ويتمثل ذلك في فقدان السيطرة على الموارد الوطنية، وربط الاقتصاد العراقي بصورة أكبر بمنظومة الاقتصاد العالمي بوصفه اقتصادًا تابعًا ومتخلفاً. ولم يعد خافيًا أن الصراع الدولي لم يعد يقتصر على الموارد الأولية، بل يمتد إلى السيطرة على طرق الإمداد والنقل. هذا الامر الذي يكتسب أهمية اكبر يوماً بعد أخر. خاصة بعد التطورات التي شهدتها سوريا، وتصاعد التوتر الأمريكي ـ الإيراني، برزت مجددًا مشاريع قديمة لربط المنطقة بموانئ البحر الأبيض المتوسط وأوروبا عبر تركيا، خاصة بعد الحرب الروسية ـ الأوكرانية. وفي ظل هذه التحولات، يزداد الاهتمام بالغاز بالدرجة والنفط وبوصفهما مواد خام. من دون وجود رؤية حقيقية لبناء صناعة وطنية قادرة على تعظيم القيمة المضافة لهذه الموارد من خلال تصنيعها والسعي لأنهاء دور الدولة في هذا المجال، رغم ان الدولة العراقية ذات خبرة كبيرة في هذا المجال وكانت لها مؤسساتها وشركاتها الرصينة في هذا الميدان وغيره.
ثالثًا: تعميق اختلال العدالة الاجتماعية.
إن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى اتساع الفجوة الطبقية إلى حدود غير مسبوقة، ويهيئ الأرضية لانفجارات اجتماعية وسياسية مستقبلية، خاصة في ظل نظام سياسي فاشل ومغلق العراقيين ويكتشف يومياً فساده وامراضه المزمنة. هذا النظام اُفرغ من محتواها وما كان يراد منه وتحول الى نظام لإعادة انتاج منظومة الفساد وتجديدها. وهو ابعد ما يكون عن مفهوم الدولة الحديثة وحقوق الانسان والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وغيرها من المثل الاخلاقية والإنسانية. هو نظام محكوم بجهله وتخلفه وفساده ونزعته الدموية مع الاخر المختلف.
ومن النتائج الأخرى أن الدور الذي كانت تؤديه المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب، في صناعة رجال الأعمال والشركات ضمن شبكة الفساد، قد تنتقل ممارسته مستقبلًا إلى الشركات العابرة للقارات ووكلائها المحليين، بما يعيد إنتاج المنظومة نفسها بأدوات مختلفة ويعيد انتاج او تأهيل قاعدته الاجتماعية.
إن تهميش دور الدولة في الاقتصاد، وتصويره على أنه مجرد "اقتصاد اشتراكي" بصورة تبسيطية، يعكس توجهًا واضحًا لإضعاف الدور الاقتصادي للدولة، لا لإصلاحه. إن توجهات الزيدي بحاجة إلى دراسة معمقة، وحوار وطني وأكاديمي يستند إلى المصالح الوطنية والمنفعة المتبادلة مع شركائه الاقليمين والعالمين. كما أن العراق بحاجة إلى معارضة تمتلك برنامجًا سياسيًا واضحًا لمواجهة هذه السياسية وتتجاوز الانشغال ببريق "صولة الفجر" وضجيجها الإعلامي، مع أهمية دعم أي خطوة حقيقية لمكافحة الفساد، إذا كانت تنطلق من مشروع وطني صادق، سواء ارتبطت بالزيدي أم بغيره.
وأخيرًا، فإن احتدام الصراع بين أطراف الفساد والمحاصصة في العراق لا يدور حول مصالحها الداخلية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى التنافس بين الرعاة الإقليميين والدوليين لهذه المشاريع، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة او الإيرانيين.
.
.
#أحمد_الشيخ_أحمد_ربيعة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟