أحمد الشيخ أحمد ربيعة
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 01:57
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
المداخلة القيت في أمسية صفحة بلا زحمة والتي كانت بعنوان ( حوارات حول 9 نيسان 2003) بتاريخ 5 ابريل 2026
تفتيت الهوية الوطنية إلى فقدان السيادة: هزائم متلاحقة. من المسؤول عنها؟
أولاً: نظام صدام وبعثه، هو المسؤول الأساسي عن الخراب الذي لحق بالعراق بسبب إرهابه ومغامراته الطائشة وأيديولوجيته وسياساته العدوانية داخلياً وخارجياً.
ثانياً: المشروع الأمريكي، والذي يمكن تشبيهه بالمثل العراقي (صار البيت للمطيرة وطارت بيه فد طيرة). انهيار نظام القطبين وصعود المحافظين الجدد وتحالفهم مع المسيحية الصهيونية ووهم الانتصار التاريخي للرأسمالية العالمية وسرمدية نظامها، وغيرها من العوامل، منها ما كشفته أحداث سبتمبر 2001 من هشاشة النظام القائم على القواعد، والذي لم تعد تلبي طموحات المجمع العسكري - الصناعي الأمريكي، إضافة للفوضى التي كانت تطحن روسيا بقيادة الليبراليين الجدد وعدم بروز الصين وقتها على الساحة الدولية. دفعت هذه الأسباب وغيرها باتجاه الهيمنة الأمريكية على العالم بأسرع ما يمكن، تحت عقيدة المحافظين الجدد، والتي تجسدت بمبادئهم التالية:
• الحرب الاستباقية (لأي خطر يلوح في الأفق).
• الأحادية.
• نشر الديمقراطية بالقوة (مشروع القرن العشرين).
العراق كان المختبر الجديد سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً لإعادة هندسة المنطقة بالكامل. هو المشروع الأكبر والمؤمل عليه، والذي كان من المفروض أن يمتد ليشمل المنطقة كل (رفضته السعودية ومصر). أطلق عليه مشروع الشرق الأوسط الجديد، وفيه تحقيق لاستراتيجية إسرائيل وأمنها.
من المتعارف عليه أن أمريكا لم تقم بإعادة بناء أو إعادة إعمار البلدان التي تدخلت فيها أو احتلتها، ما عدا مشروع مارشال في ألمانيا وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ولهذا الأمر كانت له أسبابه وظروفه الخاصة. كما أن التحليل الماركسي لطبيعة الرأسمالية والإمبريالية ما زال سليماً في جوهره..
ثالثاً: المشروع الإيراني: العلاقة الإيرانية الأمريكية وحتى الإسرائيلية، ومنذ بزوغ الثورة الإيرانية، قائمة على البراغماتية، أي المصالح السياسية، ولم يكن فيها شيئاً عقائدياً (رغم التوترات بين الحين والآخر بين الطرفين، كالحرب الأخيرة بين الطرفين). هذا لا يعني عدم وجود تيار قوي داخل منظومة الحكم يتبنى موقفاً عقائدياً اتجاه الولايات المتحدة..
في 2003، لم يختلف الأمر كثيراً، وخاصة أن إيران تملك أوراقاً ذهبية كثيرة في هذه اللعبة. كانت أغلب القوى التي يستند المشروع الأمريكي إليها هي صنيعة أو تحت تأثير إيران ومرتبطة بها ولها قوة مسلحة. كلا الطرفين رعى وقاد الفوضى في العراق بطريقته الخاصة لتحقيق مصالحه، ولكن الواقع أوضح أن لإيران كانت استراتيجية أكثر وضوحاً وذات نمط أو نسق متناسق لحد كبير، بحيث لم يتحول العراق إلى مركز للعدوان عليها ودفعت الأمريكيين إلى زوايا ضيقة، بل على العكس من ذلك، حول العراق إلى الدرع الأول للدفاع عن الجمهورية الإسلامية في إيران، لاحقاً، جرى الاعتراف بتعاونهم لاحتلال العراق وأفغانستان. المفارقة في الأمر أن إيران تعاونت مع الأمريكيين في هذا الأمر، ولاحقاً دعمت المقاومة المسلحة للوجود الأمريكي في كلا البلدين.
بالمناسبة، فإن النظام في العراق وتشكيل الحكومات اللاحقة كان نتيجة لتوازنات وتفاهمات أمريكية إيرانية. ويمكن ملاحظة أمر في هذا الصدد، من أن السرديات الإسرائيلية للصراع في المنطقة متشابهة لحد غير قليل مع السرديات الإيرانية (المنتظر أو المخلص، سواء المسيح أو المهدي، الانتظار، المظلومية، أحقية الأراضي بدافع ديني، الحدود الحقيقية والحدود المفترضة، وغير ذلك). أدى سقوط نظام صدام إلى فتح الطريق أمام إيران باتجاه مشروعها الإقليمي والسعي للتحول إلى قوة إقليمية (مشروع الهلال الشيعي، التحالفات الجديدة مع صعود روسيا والصين، وغيرها من العوامل)، وقاد هذا الأمر، كما أعتقد، إلى صراع الإمبراطوريات في المنطقة بالذات (إيران، إسرائيل) وبعض بلدان الخليج.
رابعاً: المعارضة العراقية (مؤتمر لندن). تبنت هذه المعارضة في مؤتمراتها، وبالذات مؤتمر لندن، والتي كانت برعاية أمريكية، شعار (عراق ديمقراطي فدرالي موحد)، لكنها في الواقع خانت هذا الشعار المعلن، وهذا ما أثبته الكثير من المؤشرات، منها مثلاً الإيديولوجية والسياسية لأكبر قوى منها، وهو الإسلام السياسي الشيعي، وكذلك القوى القومية الكردية، والسنة (إسلاميون أو عشائر)، أن لها أجندة أقرب إلى التقسيم وفرض نظام طائفي ومحاصصة ودولة هامشية وتبعية لمراكز القوى. تحول نشاطها السياسي من عملية إدارة المصالح وتمثيلها إلى عملية إدارة الكراهية وتفتيت الهوية الوطنية وخلق نخب سياسية فاسدة لا وطنية، وإغراق البلد في أزمات متلاحقة، والسعي لتمزيق الدولة. بقيت هذه القوى، رغم التغير، قوى ثابتة في تركيبها وطريقة تفكيرها ومجمل حياتها، ولم تشهد حراكاً أو تطوراً وانتقالات تذكر، وحافظت على بنيتها التقليدية، بل بالعكس، تمترست في الفساد وأبدعت في إعادة إنتاجه. .
في 2003، لعب كتابان دوراً في تأجيج الشحن الطائفي، وبالذات من قبل قوى الإسلام السياسي الشيعي وشعار المظلومية. الأول هو كتاب "الشيعة والدولة القومية" لحسن العلوي، صدر 1989. تحول هذا الكتاب إلى إنجيل هذه القوى لحشد أوسع جمهور اكتوى بنار النظام الساقط. والكتاب الثاني كان "أوكار الهزيمة" لهاني الفكيكي. الاثنان كانا من قدامى البعث ومن قيادته العليا، وانشقا لاحقاً عن النظام. الكتاب الأول يستند إلى فكرة أساسية أن الدولة العراقية منذ تأسيسها مارست التمييز ضد الشيعة لأسباب طائفية، وأبرز ما استند إليه الكتاب، وما يردد لحد يومنا هذا، أن تركيبة القيادات العليا للجيش العراقي في زمن حكم صدام لم يكن بينها من الشيعة. الثاني كانت من أبرز أثاره هو عندما أطلق عبدالسلام عارف والذي شغل وقتها منصب رئيس الجمهورية بفضل البعث 1963، وهو المعروف بطائفيته، أطلق على الفكيكي ورفيقه كلمة "الروافض" عند حضورهم أحد الاجتماعات الرسمية.
لم يكن كتاب العلوي، والذي كما ذكرت تحول إلى إنجيل القوى الطائفية، سوى استرضاء لهوى المعارضة الإسلامية الشيعية العراقية وغيرها، والتخلص من التاريخ المخزي للبعث العراقي. هي طروحات سياسية وإعلامية هشة، ولم تستند هذه الطروحات إلى بحث أكاديمي يستند إلى إحصائيات ووقائع. ظهرت لاحقاً وقائع أخرى تدحض طروحات العلوي، توكد أن نسبة غير قليلة من قيادات الجيش العراقي من الشيعة، وبالذات في زمن الحرب مع إيران. بل المفارقة أن بطل القادسية وأكثر من حصل على أوسمة صدام كان شيعياً. هذا لا يلغي سلوكيات النظام المناطقية والطائفية (هناك يوتيوب للدكتور عقيل عباس تناول كتاب العلوي).
غير ذلك، فإن أئمة الشيعة هم الذين كانوا الداعين لملك عربي هاشمي عند تأسيس الدولة العراقية. كان الملك فيصل الأول صاحب مشروع جاد وصادق لبناء الأمة العراقية، وهناك الكثير من الواقع مما يدلل على ذلك. كان يعتقد أنه متشيع سراً، وفي الواقع هو في الأصل شيعي زيدي وتسنن العائلة باتجاه الشافعية قبل عقود من دخولها العراق. لم يكن السنة وعلى راسهم نقيب الاشراف ( عبدالرحمن النقيب) في بغداد واول رئيس وزراء متحمس لفصيل وكانوا يطمحون لقيادة امير تركي لقيادة العراق ويتخوف من فصيل واحتمال تعاطفه مع الشيعة. سنة الجنوب كانوا لهم طموحات أخرى ويقوم الدكتور مؤيد الونداوي بترجمة العدد من الوثائق من الأرشيف البريطاني الهامة في هذا الصدد، يمكن الرجوع اليها، غير ذلك فان الدولة ذات الملامح العلمانية فتحت الدراسة والتعليم لاحقا امام كل أبناء الشعب العراقي. من المعروف ان من يقود الدولة ومؤسساتها هم المدراء العامون وماهو في مستواهم. هم أصحاب الخبرة في ادرة الدولة. لو أجرينا إحصائية في فترة زمن البعث وصدام المعروف بإرهابه واجرامه، فان النسبة هي في صالح الشيعة. هذا لا يعني انه لم يكن هناك سلوكيات وممارسات تميزية وعنصرية ذات طابع مذهبي او قومي او طائفي وغيرها واذا كان الامر كذلك فلم يعاد الان استنساخ هذا السلوك مجددا بعيداً عن المواطنة والسعي لتطيف الدولة العراقية.
خامسا: القوى العلمانية والديمقراطية:
كان حيزها ضيق ومشاريعها السياسية متعارضة. فالجلبي الذي سعى ان يكون ملك العراق غير المتوج والذي يعتبر نفسه عراب المعارضة، وجود نفسه خارج اطار النفوذ الذي كان يأمل فيه، وتذبذب بين المشروع الأمريكي والإيراني وقداته خطاه ما بين العلمانية والطائفية الى مواقف متباينة. علاوي تحول الى اسفنجة للامتصاص البعث ومخلفاته. مثلاً وهذا ما ذكرته سابقا، عُين بهاء شبيب في منصب سفير العراق في سويسرا وكان من حصة اياد علاوي والوفاق وشغل كذلك ممثل العراق في اللجنة الدائمة لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة (هذا الموقع كان يشغله سابقاً برزان التكريتي) وبهاء شبيب هو احد جلادي قصر النهاية في 1963 ويتهم بهوايته بقطع الأصابع للمعتقلين الشيوعيين والوطنيين. هذا الامر يشكل فضيحة سياسية واخلاقية لعلاوي وحلفائه وهناك امثلة أخرى. الشيوعيون الذين كانوا اقرب الحلفاء لعلاوي سكتوا عن الامر وما أثار شكوك حول صلابته موقفهم واستقلالية قرارهم. كلا الطرفين سواء الوفاق الوطني او المؤتمر الوطني بقيت هياكل شكلية لتجميع عناصر هشة ولم تتحول الى مؤسسات حزبية او مدنية حقيقة وارتبط وجودها وفعاليتها الحقيقة بوجود وفعالية مؤسسيها.
الشيوعيون والذين مثلوا القوى الديمقراطية خلال فترة المعارضة، تبنوا في البداية موقف سليم ومقبول وهو معارضة الحرب والديكتاتورية. بعد 2003 شاركوا في نظام حكم غريب غير قابل للتطوير ولم يعملوا على تطوير سياستيهم السابقة. وإذا كانت المشاركة تعبيراً عن برغماتية معينة حلموا فيها ووثقوا بالنظام الجديد وإمكانية تغير ميزان القوى الا ان الأيام اظهرت هشاشة هذا القراءة، وجبروت المحاصصة والطائفية والفساد. لم يكن هناك إدراك ووعي لمعنى الليبرالية الجديدة ولم تدرس ما أدت اليه تجربتها في روسيا واوربا الشرقية بعد سقوط أنظمتها السابقة. كان من الممكن اصلاح ما افسده مشاركتهم في مجلس الحكم وتماهيهم مع المنظومة الجديدة فيما لو كان هناك عمليات إعادة التقييم ومتابعة طبيعة التطورات اللاحقة التي جرت على منظومة الحكم ومن يقف ورائها وغير ذلك، لكن يبدو انهم افتقدوا الى الإرادة السياسية في هذا الجانب وبقيت مجمل تقييماتهم في موصلة نفس النهج وتبرره وكانه خيار أوحد. الى جانب ذلك لعبت ضعف الكفاءة في إدارة عملية كهذه وشيء من انحطاط القيم السياسية وحتى الأخلاقية، بحيث افسدت اية محاولة لنقد جاد ورصين مما وضع العديد من علامات الاستفهام حول استقلالية قرارتهم ومواقفهم.
سادسأ: العراقيون.
واحدة من اصدق مقولات صدام وأكثرها بشاعة وهو إن من يريد ان يستلم العراق منا، يستلم ارض بدون شعب. وهذا ما كان. في لحظة غير منتظرة وجد العراقيون انفسهم وكان الأرض انطبقت على الأرض وسقط النظام الذي جرعهم الموت والخوف والاذلال قطرة فقطرة وعلى مدى عقود. شعب فقد توازنه وانساق لتخريب كل شيء منذ لحظة 9 نيسان، وانساق مع سرديات مستعبديه الجدد سواء من كان داخل الحكم او من كان معارض له.
هذه محاولة لاستعراض عام تلك الأجواء التي مازلت تلقي بأحمالها على العراق وشعبه وتجره من متاهة الى أخرى بحيث لا يبدو من ان هناك ضوء لهذا النفق المظلم بسب تماهه مع السياسات الطائفية والقومية والمناطقية والفساد والعشائرية وتشرذم الهوية الوطنية وانهيار منظومة القيم وغيرها من ادران النظام الساقط وما حمله له مستعبديه الجدد. أخيرا اصل الى استنتاجين.
الأول: منذ 2003 ونحن سائرون من جهنم الى جهنم أخرى. لا مستقبل لهذا البلد ولهذا الشعب الا بأسقاط هذا النظام والنخب التي تقف ورائه (في تعليق لاحق اضفت أن مسالة الحشد الشعبي او الحرس الثوري بتقديري تحولت الى جزء من النظرية السياسية للحكم عند الاسلام السياسي الشيعي الاثنى عشرية. هذه القضية خطرة وهي بحاجة الى دراسة اكثر ). توقعت في مقالة لي اعتقد نشرت في 2004 في طريق الشعب، انه سيكون لحركة السلام في العراق مستقبل كبير بسب معاناة شعبنا من الحروب ومأسيها لكن ظهر العكس حتى أن الكثير من النخب الثقافية متواطئة مع ما هو قائم. كل من يتوقع هناك إمكانية لتغير هذا النظام بالطرق المعتادة فهو يُسوق الوهم. نحن بحاجة الى قوى سياسية جديدة تستلهم الإرث الثوري للحركة الوطنية في أربعينيات القرن الماضي وتنشط بشكل غير علني وتبني شبكة علاقات وتنظيم ممكن ان يقود للتغير.
ثانياً: هذا الصدام الأمريكي الإيراني الحالي هو امتداد لما حصل في 2003 وسيودي الى كسر التوازن الموجود. هذا الامر يمكن ان يفتح المجال امام الأصولية الإسلامية أن تتصدر النضال الوطني والقومي في المنطقة وبالذات مع خيانة وتواطئ العديد من الانظمة العربية مع إسرائيل. لهذا الامر مخاطره والتي من الضروري ان لا يستهان بها. ان صعود ايران وصعود الإسلام السياسي الشيعي والاصولية الشيعية ومن الممكن ان تحاز لها مستقبلا بعض الاصوليات السنية. بتقديري سيقود هذا الامر الى استبعاد القوى الديمقراطية واليسارية والعلمانية ويفرغ النضال من محتواه الوطني والديمقراطي والاجتماعي.
اضفت لاحقاً في تعليق لي ان الحرب الحالية تسعى لدمج الديني بالقومي ( موقف إسرائيل هنا معروف) ولهذا الامر مخاطره ويمكن ان يجلب للعراق والمنطقة مخاطر عديدة وحتى غير محسوبة. فهل ستبقى الحرب في طابعها البراغماتي ام ستسعى إيران مثلا لتحويلها الى طابع ديني ووجودي.
#أحمد_الشيخ_أحمد_ربيعة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟