أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فياض اوسو - القضية الكوردية وسوريا الجديدة... بين شرعية الدولة وحق الوجود















المزيد.....

القضية الكوردية وسوريا الجديدة... بين شرعية الدولة وحق الوجود


فياض اوسو

الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 12:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الدولة مجرد حدودٍ مرسومة على الخرائط، ولا مجرد سلطة تحتكر أدوات القوة، بل هي قبل كل شيء عقدٌ أخلاقي وسياسي يمنح جميع مواطنيها شعورًا متساويًا بالانتماء والأمان والكرامة. وحين تعجز الدولة عن تحقيق هذا العقد، أو تحوله إلى امتياز تمنحه لفئة وتحجبه عن أخرى، فإنها تفقد تدريجيًا شرعيتها المعنوية، حتى وإن احتفظت بمؤسساتها وأجهزتها. ومن هذه الزاوية، تبدو المأساة السورية أعمق من كونها حربًا أهلية أو صراعًا على السلطة؛ إنها أزمة في فلسفة الدولة نفسها.
لقد كشفت سنوات الصراع أن الوطنية السورية، كما صاغتها الأنظمة المتعاقبة، لم تستطع أن تتحول إلى هوية سياسية جامعة، لأنها بُنيت على مركزية قومية ضيقة أكثر مما بُنيت على مفهوم المواطنة. ولهذا لم يكن مستغربًا أن يقول كثير من السوريين إن الوطنية السورية قُتلت في الساحل، ودُفنت في السويداء، ثم مُثِّل بجثتها في الشمال الشرقي. فهذه ليست مجرد استعارة أدبية، بل توصيف لانهيار الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين مكونات المجتمع بعضها ببعض، حتى أصبح الانتماء الوطني نفسه موضع سؤال.
ومن بين أكثر القضايا التي تكشف هذا الخلل البنيوي تبرز القضية الكوردية، لأنها تمثل الامتحان الحقيقي لأي مشروع سياسي يدّعي بناء سوريا جديدة. فالكورد ليسوا جماعة وافدة، ولا قضية نشأت مع الحرب، بل هم شعب أصيل عاش على هذه الأرض قبل نشوء الدولة السورية الحديثة، وأسهم في تاريخها الاجتماعي والسياسي، ودفع أثمانًا باهظة دفاعًا عنها. ومع ذلك، تعرضوا طوال عقود لسياسات هدفت إلى إعادة تعريف وجودهم بوصفه مشكلة ينبغي احتواؤها، لا حقيقة ينبغي الاعتراف بها.
لقد حاولت السلطة، عبر الإحصاء الاستثنائي، ومشروع الحزام العربي، وسياسات التعريب، ومنع اللغة والثقافة، أن تجعل من الإنكار سياسة دولة. لكن التاريخ يعلمنا أن الدول تستطيع تأجيل الأسئلة، لا إلغاءها، وأن القوة قد تفرض الصمت، لكنها لا تصنع العدالة. فالهويات لا تُمحى بقرارات إدارية، كما أن الشعوب لا تتخلى عن ذاكرتها لأنها مُنعت من التعبير عنها.
ولهذا فإن القضية الكوردية ليست مطالبةً بامتيازات قومية، وإنما مطالبة بإعادة الاعتبار لمبدأ بسيط في القانون والفلسفة السياسية: أن حق الإنسان في هويته لا يقل قداسة عن حقه في الحياة. فاللغة والثقافة والانتماء ليست امتيازات تمنحها الدولة متى شاءت، وإنما حقوق طبيعية تسبق الدولة نفسها، والدستور الديمقراطي لا يخلقها، بل يعترف بها ويحميها.
ومع اندلاع الثورة السورية، دخلت هذه القضية مرحلة مختلفة. ففي الوقت الذي انهارت فيه مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، تحولت المناطق الكوردية إلى أحد أبرز ميادين مقاومة الإرهاب. وقدّم آلاف المقاتلين الكورد، إلى جانب شركائهم من العرب والسريان وسائر المكونات، تضحيات كبيرة دفاعًا عن مدنهم وعن سوريا والمنطقة. ولم يكن ذلك دفاعًا عن جغرافيا محلية فحسب، بل عن فكرة أن الإرهاب لا يهدد قومية بعينها، وإنما يهدد الإنسانية كلها.
ومن هنا، يصبح من الخطأ النظر إلى الأمن القومي الكوردي باعتباره نقيضًا للوطنية السورية. فالأمن القومي لأي شعب لا يعني السعي إلى تغيير الحدود، وإنما يعني حماية وجوده من التهديد، وصيانة لغته وثقافته، وضمان مشاركته الحرة في صناعة القرار. وعندما يشعر الكورد بأن الدولة تحمي حقوقهم بدل أن تنكرها، يصبح الدفاع عن وحدة سوريا واستقرارها جزءًا من الدفاع عن مستقبلهم هم أيضًا.
غير أن المعضلة السورية لا تكمن في غياب النصوص الدستورية وحدها، بل في استمرار العقل السياسي الذي يرى في الاعتراف بالتنوع خطرًا على وحدة الدولة. وهذه مفارقة تاريخية؛ إذ إن التجارب الحديثة تثبت أن الدول لا تنهار بسبب تنوعها، وإنما بسبب فشلها في إدارة ذلك التنوع بعدالة. فسويسرا وكندا وبلجيكا لم تصبح دولًا مستقرة لأنها ألغت اختلافاتها، بل لأنها حولتها إلى جزء من بنيتها الدستورية والسياسية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا الجديدة ليس استمرار الحرب فحسب، بل إعادة إنتاج سياسات المحق بصيغ مختلفة. فالمحق لا يعني الإبادة الجسدية وحدها، بل يشمل محو الذاكرة، وتجريم اللغة، وإنكار الهوية، وإقصاء الإنسان عن وطنه السياسي. ولذلك فإن حماية الكورد من تكرار هذه السياسات ليست قضية كوردية فقط، بل قضية أخلاقية تتعلق بمستقبل الدولة السورية نفسها. فالدولة التي تعجز عن حماية أضعف مكوناتها، لن تستطيع حماية وحدتها على المدى البعيد.
وفي المقابل، تقع على عاتق الحركة السياسية الكوردية مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية، تتمثل في تطوير خطابها وأدواتها بما يواكب التحولات الفكرية والسياسية في المجتمع الكوردي، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة التي باتت تنظر إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد باعتبارها الإطار الطبيعي لأي مشروع قومي. فالقضايا العادلة لا تنتصر بعدالة مطالبها فقط، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج خطاب سياسي حديث يتجاوز الانفعال إلى بناء الشراكات.
أما الحديث عن إعادة الإعمار والاستثمارات، فيبقى مجرد أمنيات ما لم يُسبق بإعادة إعمار الثقة بين السوريين. فالاقتصاد لا يزدهر في ظل غياب العدالة، ولا تستقر الأسواق في دولة يخشى جزء من مواطنيها على وجودهم وهويتهم. إن التنمية ليست مشروعًا هندسيًا، بل نتيجة مباشرة للاستقرار السياسي، والاستقرار لا يولد إلا من عقد اجتماعي يعترف بالجميع دون استثناء.
إن السؤال الذي يواجه سوريا اليوم ليس كيف تنهي الحرب فقط، بل كيف تمنع تكرار أسبابها. والإجابة تبدأ من الاعتراف بأن الدولة ليست ملكًا لقومية واحدة، ولا لرواية تاريخية واحدة، بل هي فضاء مشترك تتساوى فيه جميع الهويات أمام القانون.
إن الكورد، بعد أكثر من قرن من الإنكار، وعقود طويلة من النضال والتضحيات، لا يطالبون بأكثر مما تكفله مبادئ العدالة الحديثة: الاعتراف الدستوري بوجودهم، وضمان حقوقهم القومية والثقافية والسياسية، وحمايتهم من العودة إلى سياسات المحق والإقصاء التي أثبت التاريخ فشلها الأخلاقي والسياسي.
فإذا كانت سوريا تتطلع حقًا إلى ولادة جديدة، فإن الطريق إليها لا يمر عبر إعادة إنتاج الدولة القديمة بوجوه جديدة، بل عبر تأسيس دولة تعترف بأن التنوع ليس تهديدًا لوحدتها، بل مصدرًا لشرعيتها وقوتها. وعندها فقط، لن يكون انتصار الكورد انتصارًا لقضية قومية فحسب، بل انتصارًا لسوريا كلها، وللفكرة التي تجعل الوطن وطنًا لجميع أبنائه، لا وطنًا لبعضهم على حساب الآخرين.



#فياض_اوسو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكورد وواشنطن بين تقاطع المصالح وذاكرة الخذلان
- موازين الحرب الايرانية ال ترامبية
- ذهنية تقزيم الكورد وتقبيحه لدى المثقف الشريك العربي
- مسار التهوية لمفاعل معتقداتنا
- استفتاء كوردستان - العراق ومبدأ حق تقرير المصير
- تغريدة الروح بين نهفات الواقع و لهفات المأمول
- تلعثم هيهات المأوى في زمن افتراس الرغبات
- ولادة كُردستان في دولتا انتشار «داعش»
- وخز الانتماءات بالقوت وناقوس التقسيمات
- تأطير الاذهان في مخالب المحاور
- اهتراء الشمولية بانتهاء المرحلة
- الوطن في مجسم تسكنه ألاعيب الاقليمية والطائفية
- كابوس يسقط الوطن
- التلاؤم مع شروط البيئة
- حيز التسيب الخلقي في السياسة


المزيد.....




- شاهد.. انفجار حاوية قمامة يطرح عامل نظافة أرضًا في لحظة مرعب ...
- تحليل.. كيف تهاوت 4 مزاعم لترامب بشأن الحرب مع إيران؟
- غواصون يعيدون ترميم نصب -المسيح في الأعماق- في إيطاليا
- تمثال هوت دوغ عملاق يعود إلى تايمز سكوير في نيويورك
- ضمن تحقيقات فساد واسعة.. العراق يلاحق شبكات الفساد ويستعيد أ ...
- الولايات المتحدة.. سحب دواء شائع إثر تلوث محتمل بعقار قد يهد ...
- روسيا.. وصول فرقاطة إندونيسية إلى ميناء مدينة فلاديفوستوك لل ...
- سلام: الجنوبيون ليسوا وحدهم والدولة تعود معهم وإليهم لإعادة ...
- رئيس الوزراء الهندي يتعهد بمعاقبة المسؤولين عن عمليات الغش ف ...
- روبيو: إيران تستجدي الاتفاق وستدفع ثمنا باهظا إذا لم تلتزم ب ...


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فياض اوسو - القضية الكوردية وسوريا الجديدة... بين شرعية الدولة وحق الوجود