فياض اوسو
الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 18:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أعادت التصريحات المتداولة للرئيس الأمريكي Donald Trump بشأن السلاح المقدم للكورد فتح نقاش قديم ومتجدد حول طبيعة العلاقة بين الشعب الكوردي والولايات المتحدة الأمريكية. فكلما دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع، عادت إلى الواجهة الأسئلة ذاتها: هل تشكل المصالح الأمريكية ضمانة حقيقية للكورد؟ وهل يمكن بناء استراتيجية قومية طويلة الأمد على رهانات مرتبطة بسياسات واشنطن المتغيرة؟ أم أن التاريخ يقدم إجابة مختلفة عنوانها الأبرز: المصالح أولاً، والحلفاء ثانياً؟
في خضم التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتداول كثيرون تصريحات ترامب المتعلقة بالكورد والسلاح الذي قدمته الولايات المتحدة لهم. لكن قراءة هذه التصريحات تستوجب التمييز بين الواقع الكوردي المركب وبين الصورة المبسطة التي كثيراً ما تقدمها بعض الخطابات السياسية الأمريكية.
فالكورد ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا يمثلهم حزب واحد أو مشروع واحد أو رؤية موحدة. إنهم شعب يتوزع على عدة دول، وتعمل ضمن مجتمعاته قوى وأحزاب وتيارات مختلفة، لكل منها أولوياتها واستراتيجياتها وظروفها الخاصة. لذلك فإن الحديث عن "الكورد" بوصفهم طرفاً سياسياً واحداً يتلقى أوامر أو يتبنى موقفاً موحداً من الصراعات الإقليمية يعكس فهماً قاصراً لتعقيدات القضية الكوردية.
وإذا كان ترامب يقصد بالسلاح المقدم للكورد في سوريا، فإن الحقيقة السياسية والعسكرية المعروفة هي أن ذلك الدعم جاء أساساً في إطار الحرب الدولية ضد تنظيم داعش الإرهابي، وليس ضمن مشروع لإشراك الكورد في مواجهة عسكرية ضد إيران أو غيرها. لقد قاتل آلاف المقاتلين والمقاتلات الكورد ضمن التحالف الدولي ضد الإرهاب، وقدموا تضحيات هائلة ساهمت بشكل مباشر في هزيمة أخطر تنظيم إرهابي عرفته المنطقة خلال العقود الأخيرة.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا التحالف نفسه أعاد إلى الأذهان واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي السياسي الكوردي: قضية الخذلان.
فالتاريخ الحديث للعلاقة بين الولايات المتحدة والكورد ليس تاريخ شراكة متكافئة بقدر ما هو تاريخ تقاطعات مؤقتة للمصالح. ففي سبعينيات القرن الماضي، وجد الكورد أنفسهم أمام تحول دراماتيكي بعد اتفاق الجزائر عام 1975، حين توقف الدعم الأمريكي والإقليمي للحركة الكوردية في العراق بصورة مفاجئة. وبعد سنوات طويلة تكررت المشاهد بأشكال مختلفة، وإن اختلفت الظروف والسياقات.
وفي سوريا، خاض الكورد الحرب ضد داعش باعتبارها معركة دفاع عن الوجود وعن الإنسانية في مواجهة الإرهاب. إلا أن الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة لم تتحول إلى ضمانات سياسية أو أمنية طويلة الأمد. ففي عام 2018 سقطت منطقة عفرين إثر العملية العسكرية التركية، ثم تبعتها منطقتا تل أبيض ورأس العين عام 2019، بينما انسحبت القوات الأمريكية من بعض المناطق الحساسة دون أن تتمكن من توفير حماية فعالة للسكان المدنيين أو منع التغيرات الديموغرافية والانتهاكات التي وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية.
كما تعرضت مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا خلال السنوات اللاحقة لسلسلة من الهجمات الجوية التي استهدفت بنى تحتية مدنية وخدمية، في وقت اكتفت فيه واشنطن في معظم الأحيان بمواقف دبلوماسية محدودة التأثير. بالنسبة للكثير من الكورد، شكل ذلك دليلاً إضافياً على أن التحالفات الدولية لا تتحول بالضرورة إلى التزامات أخلاقية عندما تتعارض مع حسابات المصالح الكبرى.
ولم تكن تجربة إقليم كوردستان العراق عام 2017 بعيدة عن هذا السياق. فقد اعتبر كثير من الكورد أن موقف الولايات المتحدة من استفتاء تقرير المصير جاء مخيباً للآمال، بعدما فضلت واشنطن الحفاظ على توازناتها الإقليمية وعلاقاتها مع بغداد والدول المجاورة على دعم طموح سياسي اعتبره قطاع واسع من الكورد تعبيراً سلمياً وديمقراطياً عن حقهم في تقرير مصيرهم.
هذه الوقائع لا تعني بالضرورة وجود عداء أمريكي للكورد، لكنها تؤكد حقيقة ثابتة في العلاقات الدولية: الدول لا تبني سياساتها على العواطف أو الامتنان أو التضحيات السابقة، بل على المصالح المتغيرة. ولذلك فإن أي قراءة واقعية للمشهد يجب أن تنطلق من فهم أن الولايات المتحدة، مثل غيرها من القوى الكبرى، تتعامل مع ملفات المنطقة وفق أولوياتها الاستراتيجية، وليس وفق اعتبارات أخلاقية أو إنسانية مجردة.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة للفصل بين القضية الكوردية والمصالح الأمريكية. فالتقاطع بينهما في بعض المراحل لا يعني وحدة المصير أو التطابق في الأهداف. القضية الكوردية أقدم من السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، وأعمق من أي تحالف عسكري مؤقت. وهي قضية شعب يسعى إلى نيل حقوقه القومية والسياسية والثقافية ضمن رؤية تقوم على العدالة والمساواة والتعايش السلمي بين شعوب المنطقة.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن غالبية الكورد يتطلعون إلى شرق أوسط خالٍ من الاستبداد والحروب والطغيان، وأن سقوط الأنظمة القمعية وإحلال الديمقراطية والسلام يمثل مطلباً طبيعياً لكثير من القوى السياسية الكوردية. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة الانخراط في أي مشروع إقليمي أو دولي لا يضع الحقوق الكوردية ضمن إطار واضح ومحدد ومضمون.
لقد أثبت الكورد خلال العقود الماضية أنهم حلفاء موثوقون في مواجهة الإرهاب والتطرف، وقدموا عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى في معارك شكلت منعطفاً حاسماً في أمن المنطقة والعالم. لكن التجارب نفسها علمتهم أيضاً أن الرهان على القوى الدولية وحدها لا يكفي، وأن الضمانة الأكثر استدامة تكمن في بناء تفاهمات عادلة بين شعوب المنطقة نفسها.
فمستقبل الشرق الأوسط لا ينبغي أن يبنى على صفقات مؤقتة بين القوى الكبرى، بل على عقد سياسي جديد يعترف بحقوق جميع مكوناته القومية والدينية والثقافية. وعندما تصبح مصالح الشعوب هي الأولوية، لا مصالح القوى الخارجية العابرة، يمكن حينها الحديث عن سلام حقيقي ومستدام.
القضية الكوردية في جوهرها ليست مشروعاً ضد أحد، وليست أداة بيد أي قوة دولية، بل قضية شعب يسعى إلى نيل حقوقه المشروعة والعيش بحرية وكرامة وسلام إلى جانب جميع الشعوب الأخرى.
لذلك فإن المصلحة الكوردية الحقيقية تكمن في الحفاظ على استقلالية القرار السياسي، وعدم رهن المصير القومي بحسابات القوى الكبرى المتغيرة، والعمل بالتوازي على بناء جسور الثقة والتفاهم مع العرب والفرس والترك وسائر شعوب المنطقة على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والاعتراف بحقوق الجميع.
لقد دفع الشعب الكوردي ثمناً باهظاً خلال القرن الماضي نتيجة ترتيبات سياسية دولية أعقبت الحرب العالمية الأولى، والتي ارتبطت في الوعي الكوردي بمرحلة طويلة من التقسيم والحرمان وإنكار الحقوق. ومن المؤسف أن تتكرر الأخطاء ذاتها في مرحلة تاريخية جديدة تحت عناوين مختلفة. لذلك فإن التحدي الأكبر أمام الحركة السياسية الكوردية اليوم ليس فقط كيفية الاستفادة من التحولات الجارية، بل كيفية تجنب أن تتحول هذه التحولات إلى نسخة جديدة من خيبات الماضي.
فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تضع مستقبلها بالكامل في أيدي الآخرين، كما لا يكافئ القوى التي تفتقر إلى رؤية مستقلة لمصالحها الوطنية. وبين رهانات اللحظة ومصالح القوى الكبرى المتقلبة، يبقى الرهان الأكثر أمناً للكورد هو بناء مشروع سياسي واقعي ومتوازن، يحفظ حقوقهم القومية ويجنبهم في الوقت نفسه الوقوع مجدداً في دوامة الحرمان والتهميش التي عانوا منها على امتداد قرن كامل.
اخيرا وإن حصل وتلقى اي طرف كوردي سلاحا من الولايات المتحدة الامريكية افتراضا بهدف محاربة النظام الايراني فسوف يكون الطرف من الكورد الايرانيين ولا يوجد مايثت ذلك استنادا الى القاعدة القانونية "الاثبات على من ادعى"، كما انه يشير الى الموقف الذي يرى فيه السيد ترامب اذا اخفق في مواجهة ايران سيكون بسبب خذلان الكورد له وهذه تحسب عليه بدل ان تحسب له.
#فياض_اوسو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟