أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم ابراهيم - «نايم المدلول»... مرثية الرفض وبكائية الحزن العراقي














المزيد.....

«نايم المدلول»... مرثية الرفض وبكائية الحزن العراقي


عبدالكريم ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 18:54
المحور: الادب والفن
    


لا يمكن قراءة تاريخ الأغنية العراقية بمعزل عن التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلاد، إذ لم تكن الأغنية في كثير من محطاتها مجرد وسيلة للتسلية أو الترفيه، بل تحولت إلى وثيقة وجدانية سجلت آلام الإنسان العراقي، وعبرت عن هواجسه الجمعية في أزمنة القلق والحروب. ومن هنا اكتسبت الأغنية العراقية خصوصيتها بوصفها خطابًا ثقافيًا وجماليًا استطاع أن يستوعب المأساة، ويحولها إلى نص فني يختزن الذاكرة ويقاوم النسيان.
وفي ظل الأنظمة التي ضيقت مساحة التعبير، غدا الرمز أحد أهم الوسائل الفنية التي لجأ إليها الشعراء والملحنون والمطربون. فقد أتاح لهم قول ما تعجز اللغة المباشرة عن التصريح به، ومكنهم من تجاوز رقابة السلطة دون التخلي عن رسالتهم الإنسانية. وهكذا أصبح النص الغنائي يحمل معنيين متوازيين: معنى ظاهرًا يتلقاه الجميع، وآخر مضمرًا يدركه من عاش التجربة وعرف سياقاتها.
وتأتي أغنية «نايم المدلول»، التي أداها المطرب حسين البصري، بوصفها واحدة من أبرز النماذج التي تجاوزت حدود الغناء العاطفي لتغدو مرثية للوطن والإنسان. فهي لا ترثي فردًا بعينه، وإنما ترثي جيلاً كاملًا وجد نفسه أسير حرب طويلة استنزفت الأرواح والأحلام، وحولت الحياة اليومية إلى سلسلة متواصلة من الفقد والانتظار.
لقد شكلت ثمانينيات القرن الماضي مرحلة فارقة في الذاكرة العراقية، حيث أصبحت مشاهد النعوش، ولافتات النعي، ودموع الأمهات جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. ولم يعد الموت حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى مشهد مألوف يتكرر حتى فقد الناس قدرتهم على الدهشة. وفي خضم هذا الواقع المأساوي، ولدت أغنيات حملت وجع المجتمع، وكان من بينها «نايم المدلول» التي استطاعت أن تختزل إحساس العراقيين بالفقد والخوف والخذلان.
إن القيمة الفنية للأغنية لا تكمن في كلماتها أو لحنها أو أداء حسين البصري فحسب، بل في قدرتها على بناء خطاب رمزي كثيف، يجعل من الحزن لغة احتجاج صامت، ومن البكاء فعل مقاومة في زمن كانت فيه الكلمة المباشرة محفوفة بالمخاطر. ولهذا لم يكن المتلقي يستمع إليها بوصفها أغنية عاطفية، بل بوصفها مرآة لواقعه، ونافذة يطل منها على مشاعره المكبوتة، التي لم يكن يستطيع الإفصاح عنها علنًا.
لقد نجحت الأغنية في تحويل التجربة الفردية إلى تجربة جمعية؛ فالمدلول النائم لم يعد شخصًا محددًا، وإنما أصبح رمزًا لجيل كامل أرهقته الحروب، وأثقلته الخسارات، ووجد نفسه يودع أبناءه الواحد تلو الآخر. وهنا تتجلى براعة الرمز الفني، إذ تتجاوز الدلالة حدود النص لتلامس الوجدان الجمعي، فتغدو الأغنية مرثية لكل بيت عراقي عرف الفقد، ولكل أم انتظرت ابنًا لم يعد.
وإذا كانت الحروب تصنعها إرادات السياسة، فإن الشعوب هي التي تتحمل نتائجها. لذلك تحولت الأغنية العراقية إلى مساحة ثقافية، وإلى أرشيف حي لذاكرة الألم، لا يكتفي بتوثيق المأساة، بل يمنح الضحايا صوتًا يبقى حاضرًا في الوجدان. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى «نايم المدلول» بوصفها نصًا ثقافيًا بقدر ما هي عمل غنائي، لأنها نجحت في التعبير عن مأساة الإنسان العراقي بلغة موحية بعيدة عن الشعارات والمباشرة.
إن الأغنية العراقية، بما تحمله من شجن عميق وثراء تعبيري، تمثل أحد أهم تجليات الهوية الثقافية في العراق. فهي ليست احتفاءً بالحزن لذاته، وإنما تعبير عن قدرة الإنسان العراقي على تحويل الألم إلى إبداع، والفقد إلى ذاكرة، والدموع إلى فن خالد. ولهذا بقيت هذه الأغنيات حاضرة في الوجدان الشعبي، لأنها لم تكن ابنة لحظة عابرة، بل ابنة تجربة إنسانية عميقة ما زالت أصداؤها تتردد في الذاكرة العراقية حتى اليوم.



#عبدالكريم_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صدر حديثا
- الشعر العربي: أداة تاريخية ووسيلة إعلامية
- استنساخ الفشل وأثره على فعالية الخطط التنموية: قراءة نقدية ف ...
- حكاية عراقية من ألف ليلة وليلة
- صناعة الجمال والسينما العربية ... محاولة للبحث عن المثالية
- وسائل الاتصالات الحديثة تلغي ساعي البريد وتبقي على معتمد الد ...
- الدراسات العليا في العراق غاية مادية ووجاهة اجتماعية
- ذكريات (قوري الجاي ) على (صوبة علاء الدين ) و(منقلة الفحم)
- الدراسات العليا وحقيبة جبوري الدبلوماسية
- الأجهزة الحديثة تنافس المسبحة في وظيفتها
- التلفزيون يفقد بعض بريقه ... بعدما كان أنيس الاسرة
- الاكلات العراقية... البيتزا وكنتاكي تنافس الباجة والطابگ
- كراج النهضة و ضحكات هند رستم وبياض بانو الكان
- مقمص صالح المطهرجي كاتم صوت الأولاد الأشقياء
- ساحة الفتيان وطوبة الكريكر والاحذية البلاستكية
- كيف تفّوق (خصّاف العبد) على إسماعيل ياسين؟
- ناصر ومسلسل عائلة برادلي
- جسومة أم السمچ نصف القمر الثانية لبريجيت باردو
- ترويض الفكرة على صهوة الابداع
- كيف ابكى سلمان المنكوب كوبنهاكن على سمفونية (امرن بالمنازل)؟


المزيد.....




- 5 أفلام كردية تسعى للعالمية بمهرجان في إسبانيا
- اتحاد الأدباء يستضيف مفكرين من تونس لمناقشة موضوع المواطنة و ...
- الفنان علي هاتف.. من حروف بابل الأثريةإلى صياغة اللون المعاص ...
- المخرج مراد مصطفى: -عائشة لا تستطيع الطيران- تتويج لثلاثية ع ...
- خرمشهر.. كيف تستخدم الموسيقى كسلاح في وقت الحرب؟
- رحيل الفنان صالح الفرزيط.. صوت الأغنية الشعبية التونسية يغيب ...
- بدائل السكر تحت المجهر.. دراسة تربطها باضطرابات التمثيل الغذ ...
- -مسألة وقت-.. آخر رسائل الفنان أحمد جلال عبد القوي قبل وفاته ...
- كريستوفر نولان مخرج فيلم -الأوديسة- يتحدث لـCNN عن تأثير الم ...
- الأردن ينفي الرواية الأمريكية ويؤكد استمرار العمل بمطار ومين ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم ابراهيم - «نايم المدلول»... مرثية الرفض وبكائية الحزن العراقي