أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد العزاوي - من وعظ السلاطين إلى الوعظ التكنولوجي














المزيد.....

من وعظ السلاطين إلى الوعظ التكنولوجي


محمد العزاوي
اكاديمي وباحث في مجالات ادارة الاعمال والشؤون الجامعية

(Mohammed Alazzawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 15:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


رحلتي مع العالم الدكتور علي الوردي بين ثانوية الأعظمية والثورة الصناعية الخامسعبد الوهاب
ا د محمد عبد الوهاب العزاوي
سنحت لي الفرصة لاعادة قراءة كتاب الدكتور علي الوردي وعاظ السلاطين بعد اكثر من ستة عقود من القراءة الاولى وبنظرة مختلفة عن قرائته بعمر الشباب اذ لم تكن مجرد قراءة عابرة، بل كانت مواجهة فكرية حقيقية وتجربة تشكل وعي جيل بأكمله.
في منتصف الستينيات وبعد عشر سنوات من صدور كتاب وعاظ السلاطين ، كانت بغداد تعيش فورة ثقافية استثنائية. مقاهي شارع بغداد، ومكتبات المتنبي، وأروقة ثانوية الاعظمية وكليات جامعة بغداد العريقة، كانت تضج بالحوارات الفكرية. في هذا المناخ قرأت كتاب وعاظ السلاطين ، الوعاظ الذين ركزوا على الوعظ الأخلاقي المجرد (مثل الزهد والصبر وتحمل الظلم) عوضًا عن تحقيق العدالة الاجتماعية، مما ساهم في تدجين الشعوب وإقناعها بالاستسلام للواقع المرير باعتباره قضاءً وقدرًا. كان الوردي أستاذاً جامعياً ملء السمع والبصر ويشغل الناس بأطروحاته. وكان استعارة كتاب له وقراءته في سن السادسة عشرة يمثل جواز مرور إلى عالم الكبار والنخبة المثقفة. لم يكن العقل قد تبرمج بعد على قوالب جاهزة، فجاءت أفكار الوردي لتزرع بذور الشك المنهجي والتفكير النقدي قبل أن تتشكل التوجهات الأكاديمية اللاحقة.
وبالرغم من أن كتاب الوردي صدر في منتصف القرن الماضي (1954) لمعالجة أزمة الفكر التقليدي والركود الاجتماعي، وربما كانت القراءة مدفوعة بشغف الشباب وجاذبية الأسلوب الساخر والجرأة الفكرية للوردي. ولكن مع عقود من التخصص في علوم الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، يتضح أن ما قدمه الوردي لم يكن مجرد نقد اجتماعي، بل كان دعوة مبكرة لواقعية التخطيط وفهم بيئة النظام وسلوك الأفراد قبل صياغة القوانين أو وضع الاستراتيجيات.
وبعد عقود من التمرس في العمل الاكاديمي والبحث العلمي ، يتبين ضرورة اجراء مقاربة مع رؤية الوردي في معالجة الأحداث التاريخية، وهي اختلافات تنطلق من أرضية احترامه وتثمين ريادته. وتتلخص في المحاور المنهجية التالية:
1. اثبت التاريخ والممارسات الإدارية الحديثة أن الإرادة الواعية والتخطيط الاستراتيجي المستقبلي يمكنهما من إعادة صياغة البيئة وتوجيه حركة المجتمع. فالشعوب والدول ليست ضحية حتمية لظروفها الماضية أو الجغرافية، بل إن القيادة والرؤية المؤسسية وبناء الأنظمة الصارمة قادرة على كسر حتمية البيئة وصناعة مسارات تاريخية جديدة لم يتوقعها علم الاجتماع التقليدي.
2. لقد اكتشفت ان حصر التحليل في البداوة والحضارة قد لايعطي للباحث رؤية عن تطور مؤسسات الدولة ككيان مستقل له قوانينه الخاصة البعيدة عن النمط البدوي. فضلا عن اهمية تطور الفكر الإداري والمؤسسي، والعلاقات الدولية، وتطور الأنظمة القانونية.
3. لقد انتقد الدكتور الوردي وعاظ السلاطين لأنهم يسخرون المفاهيم لتبرير الأمر الواقع وتخدير العقول بدلاً من تحفيزها على النقد والتغيير. وفي عصرنا الراهن لم يعد الوعظ مقتصرا على المنابر التقليدية، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي. حيث يظهر اليوم نمط جديد من الوعظ التكنولوجي أو السفسطة الرقمية، حيث تُستخدم الخوارزميات وصنّاع المحتوى لتوجيه الرأي العام، التي تعزل الإنسان داخل إطار فكري محدد، تمامًا كالإطار الفكري الذي انتقد الوردي رضوخ الإنسان له.
4. صار من معالم الثورة الصناعية الخامسة التي نعيشها ضرورة التعاون بين الإنسان والآلة وإعادة إنسننة التكنولوجيا. وتحول الخبراء التقنيين إلى وعاظ جدد يطالبون المجتمعات بالاستسلام للتحولات الرقمية دون دراسة آثارها الاجتماعية والأخلاقية.
5. ناقش عالمنا الوردي مأزق ازدواجية الشخصية الناتجة عن التصادم بين قيم البداوة وقيم الحضارة الحديثة. ويتجلى هذا الصراع في ظل الثورة الخامسة ومجتمع المعرفة في العقلية المؤسسية والاجتماعية التي تتبنى أدوات الثورة الصناعية الخامسة (مثل الحوسبة السحابية، وتحليلات البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي)، لكنها تُدار بـعقلية تقليدية تعتمد على البيروقراطية، والمركزية الشديدة، ومقاومة التغيير.
إن الوعظ التكنولوجي الذي نشهده اليوم عبر الشعارات البراقة (مثل التحول الرقمي الشامل، والذكاء الاصطناعي ، وجامعات الجيل الخامس) دون تغيير في البنية الذهنية، هو الامتداد المعاصر لوعظ السلاطين، حيث تستخدم التكنولوجيا كقشرة حديثة لتبرير وتغطية تخلف البنى الجامعية والتعليمية. وذلك يتطلب ما يلي:
1. تبني ثقافة المساءلة القائمة على البيانات الضخمة والتحليلات المتقدمة بدلا من التقارير الإنشائية.
2. بناء القدرات و تدريب المختصين على ،الشك المنهجي الرقمي، وهي القدرة على اختبار الفرضيات، ورفض الحلول الجاهزة، والتعامل مع المعرفة ككيان مرن يتطور باستمرار.
3. إدراك أن التكنولوجيا ليست مجرد أجهزة وبرمجيات بل هي فلسفة عمل جديدة، تعيد صياغة العلاقات، وتختصر الوقت، وتلغي التدرج الهرمي التقليدي.
4. تحويل قاعات الدراسة إلى مختبرات قيادة يمارس الطلبة فيها أدوار المدراء ومجالس الإدارة، ويتم تقييمهم ليس على حفظ النصوص، بل على قدرة التكيف مع المتغيرات المفاجئة، والتحليل النقدي للمشكلات، والابتكار .
5. خلق بيئة آمنة نفسياً ومعرفياً داخل مؤسسات العمل تشجع على التفكير خارج الصندوق، وتعتبر الفشل في التجربة خطوة نحو التعلم وليس خطأً يستوجب العقاب والتبرير، مما يفتح الباب لتطوير مستمر للخطط والاستراتيجيات بناءً على التغذية الراجعة.



#محمد_العزاوي (هاشتاغ)       Mohammed_Alazzawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصحوة الاستراتيجية والتحول من تبني منهج الرقابة إلى تقنيات ...
- المجتمعات العربية ومعركة الوعي والإرادة لإرساء هويتها في الف ...
- بناء الهيمنة الافتراضية في التجارة الالكترونية
- قتال الفكر لمواجهة الشيخوخة المعرفية
- اليابان رحلة عبر الزمن والمقارنة الحضارية
- الانتقال من عصر المعلومات الى عصر الرقمنة الادراكية
- تخصص تحليل بيانات الاعمال وصناعة قادة المستقبل الرقمي
- استحداث تخصص تحليلات الأعمال الرقمية في كليات الادارة والاقت ...
- بناء السيطرة (الهيمنة) الافتراضية في قطاع التجارة الإلكتروني ...
- المهارات الناعمة (Soft Skills)
- تدقيق نظام الجودة ...... وفق المواصفة العالمية الآيزو 9001(I ...
- تحسين أداء وتشريعات الجهات الحكومية بإستخدام تحليل الأثر الت ...
- الدروس والعبر بعد أكبر إفلاس مصرفي في التاريخ الأميركي
- حقائق الثورة الصناعية الرابعة
- مستقبل التعليم التقني العربي... رؤية إستراتيجية
- زراعة وترسيخ جذور الجودة وأسسها لدى الموارد البشرية
- المتسوق (التسويق) السري Mystery Shopper (الزبون الخفي)
- هموم جامعية.......اختيار التخصص الجامعي
- الاعتماد الدولي لتطوير كليات إدارة الأعمال وفق معايير الجمعي ...
- ثمانون عاماً من إبداعات الفكر الإستراتيجي الاداري للقادة في ...


المزيد.....




- حصد ملايين المشاهدات.. -جيموثي- الراكون الغامض يشعل تفاعلًا ...
- مصر.. -صائد الأفاعي- يعود إلى الواجهة بعد ظهوره في الفيوم
- مقتل جندي أمريكي في شمال العراق مع استمرار الحرب مع إيران
- رئيس مولدوفا السابق يرفض الوحدة مع رومانيا
- إصابة 9 أشخاص في إطلاق نار في ولاية أريزونا
- حين أصبح الرقم أقوى حجة وبرهانا من الكلمة الجزء 2 من الحوار ...
- صحيفة ألمانية: فون دير لاين تجاهلت الجدل بشأن إقالة وزير الد ...
- روبيو يبحث مع الرئيس اللبناني تنفيذ الاتفاق الثلاثي
- روايتان وسجال متجدد.. جدل جديد حول مصير أموال المواطنين في ع ...
- السلطات الإيرانية تحذر المواطنين من نشر محتوى يضر بالأمن الق ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد العزاوي - من وعظ السلاطين إلى الوعظ التكنولوجي