أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل عوض حسن - السُّودانُ وتحديات ما بعد الحرب ..!















المزيد.....

السُّودانُ وتحديات ما بعد الحرب ..!


فيصل عوض حسن

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 15:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في 10 يوليو 2026، نشرت وكالة رويترز تقريراً عن عودة بعض المواطنين السودانيين إلى مدينة الخُرْطُوم، بعد أن دفعتهم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 إلى النزوح داخل البلاد وخارجها. ووفقاً لإفادات العائدين، فإنَّ العودة لم تكن، عودة إلى حياةٍ طبيعيةٍ مستقرة، بل محاولة منهم للتمسك بما تبقى من الوطن بعد استنزافٍ طويل. فقد تحدثوا عن معاناتهم من انقطاع الكهرباء، وتضرر المباني والمنشآت، وتأثر مؤسسات التعليم، وصعوبة استعادة مصادر الدخل أو صرف الأجور رغم ضعفها.
هذه الصورة، على قسوتها، لا تمثل سوى جانبٍ محدودٍ من الأزمات السودانية. فالمُشكلة لا تكمن فقط في آثار الحرب المباشرة، وإنما في الأسئلة العميقة التي سبقت الحرب وما تزال تنتظر الإجابة: كيف وصلت البلاد إلى هذه اللحظة؟ وهل يكفي توقف القتال لإعادة السودان إلى طريق الاستقرار؟
إن الخطر الأكبر هو الاعتقاد بأن انتهاء المعارك يعني انتهاء الأزمات، لأنَّها لا تنتهي بمُجرَّد عودة السكان إلى المُدُن، وإنما بمُواجهة الأسباب التي قادت إلى ذلك الانهيار، ثم العمل بجدية وتجرد لبناء مؤسسات قادرة على حماية المواطن والدولة معاً. هذا يدفعني للتذكير بأكبر أخطائنا المعاصرة، وهو اعتقادنا بأنَّ اختفاء البشير وأعوانه يعني (سقوط المُتأسلمين)، لأن اختفاؤهم كان وما يزال تكتيكياً، إذ ما تزال شبكاتهم ومصالحهم وهياكلهم التي تشكلت عبر سنوات طويلة قائمة، بل ازدادت قوة.
لقد شَكَّل الحِرَاك الشعبي في ديسمبر 2018 فرصةً تاريخيةً فريدة، لإحداث تغيير عميق يتجاوز تبديل الوجوه والأسماء، ليشمل بناء دولة جديدة تقوم على العدالة وسيادة القانون، وإصلاح المؤسسات، وإنهاء دورة الحكم الإسلاموي بأزماته المتراكمة. لكن قيادة المرحلة الانتقالية تركت الملفات الأساسية معلقة، ثم صَوَّروا لنا أن التفاوض والتسويات ضرورة فرضتها تعقيدات الواقع آنذاك، بينما الواقع أنها خَفَّضت سقف التغيير المطلوب، وسمحت بتقوية واستمرار عناصر الأزمات بدلاً من حسمها واقتلاعها.
لم تبدأ ثورة ديسمبر من الخرطوم وحدها، بل انطلقت من مُدُن ومناطق عديدة، قبل أن تمتد إلى العاصمة. وقد أثبت ذلك أن الأزمات السودانية لم تتعلق بفئة أو منطقة، وإنما بوطنٍ كامل. لكننا اصطدمنا بحقيقة ما يزال الكثيرون مِنَّا يُنكرونها رغم وضوحها، وتتمثل في افتقادنا لقيادات متجردة وقادرة على تَرْجَمَة طموحات الشارع إلى مشروع دولة. فمع انتقال مركز الثقل من الشارع إلى طاولات التفاوض، ظهرت فجوة بين سقف التطلُّعات الشعبية وبين طبيعة التسويات التي أُبرِمَت. حيث كان المواطن ينتظر تحولاً جذرياً في بنية الدولة، لكن القحتيين انشغلوا بإدارة توازنات مُعقدة وفقاً لمصالح أطرافها المختلفة. واندلاع الحرب في أبريل 2023 لا يُمكن قراءته باعتباره حدثاً منفصلاً عن المسار السابق، لأنَّ الحروب غالباً ما تكون نتيجة تراكمات طويلة من الخلافات والصراعات والملفات المؤجلة. ولهذا فإن معالجة آثار الحرب تحتاج إلى التفكير في إعادة بناء السودان بكامله، ومعالجة جذور أزماته بشجاعةٍ وشفافية بدءاً بطبيعة الدولة، وعلاقة المؤسسات بالقانون، ودور القوى السياسية، وانتهاءً بمستقبل الاقتصاد، وشكل العقد الاجتماعي بين السودانيين، وأي مشروع للسلام لا يضع هذه المحاور في مقدمة أولوياته سيكون معرضاً لإعادة إنتاج الأزمات نفسها بأشكالٍ جديدةٍ أكثر تعقيداً.
السودان بعد الحرب أمامه تحديات ضخمة تتجاوز إعادة بناء المدن، أو افتتاح مطعم أو صالة لهو وغيره، وأول هذه التحديات هو الاقتصاد. حيث عَمَّقت الحرب أزمة كانت موجودة أصلاً، وأدت لتراجع الإنتاج، وتضرر البنية التحتية، وفقدان ملايين المواطنين لمصادر دخلهم، مما يعني حاجتنا الماسَّة لرؤية اقتصادية وطنية علمية تعتمد على الإنتاج واستثمار الموارد، لا على التسول وانتظار الهِبَات الخارجية غير المضمونة.
يُعتبر (المُجنَّسون) من المخاطر المُرعبة التي تُهدِّد وجودنا بالكامل، خاصَّةً في الشرق والغرب، حيث جَلَبَ المُتأسلمون مجموعاتٍ أجنبيَّةٍ عديدة، ومنحوهم الجِنسيَّات ومَلَّكُوهُم الأراضي، وألحقوهم بمليشياتهم المُختلفة، وبعضهم اسْتَوْزَر وتَقَلَّد مناصب حَسَّاسة بالدولة، وارتكب أبشع الجرائم ضد السُّودانيين وما يزالون. ثُمَّ جاء انتهازيُّوا قحت وما يُسمَّى حركات مُسلَّحة، وانشغلوا بمطامعهم المالِيَّة والسُلطَوِيَّة، وتَجاهلوا تغيير التركيبة السُكَّانِيَّة، وعزَّزوا سُطوة المُجَنَّسين وتَغَلغُلَهم في الدولة أكثر، مُتجاهلين ولائهم المُطلق لبلدانهم الأصيلة، وأحقادهم وجرائمهم البشعة ضد أهل البلد، ومن ضمنها الحرب الماثلة، وفقاً لإقراراتهم المُوثَّقة صوت وصورة. ويسعى البرهان حالياً لتعزيز سيطرة المُجنَّسين الإريتريين عقب تدريبهم وتسليحهم في إريتريا، ثم إدخالهم للبلاد ومنحهم المقار بحجة مساندة الجيش في قتال الجنجويد، رغم إساءاتهم وتهديداتهم المُتكررة لكل ما هو سوداني بما في ذلك الجيش والبرهان نفسه. والواقع أنَّه (أي البرهان) يُنفِّذ توجيهات المُتأسلمين وسادتهم بالخارج، بإشعال الشرق وفقاً لمخطط نهب/تفكيك السودان (مثلث حمدي)، بما يُحتِّم اتِّحاد أهل البلد (الأصيلين) والتعامل بجدِيَّةٍ وحسم مع هذا التهديد، بعيداً عن العواطف والتسويف!
هناك أيضاً خطر الاحتلال، بِغَلَبَةِ السِّلاحِ أو المال، حيث تحتل مصر حلايب وغالِبيَّة الأراضي النُّوبِيَّة وبعض شمال دارفور، وتملك مليون فَدَّان بالشِمالِيَّة (مشروع الكنانة)، وتعبث بمياهنا الإقليميَّة بالبحر الأحمر. في ما شَيَّدَ الإثيوبيُّون قُرىً كاملةً بـ(مَحْمِيَّة الدِنْدِرْ)، عقب احتلالهم للفشقة، بجانب تهديدات سد النَّهضة المُقام على أرضٍ سُّودانِيَّةٍ بالأساس (بني شنقول)، والمساحات التي بَاعَها المُتأسلمون للصين وروسيا والسعوديَّة، وموانئ بورتسودان وسَوَاكِن، والتي تجعلنا نقول بالمُحصِّلة، أنَّ غالِبيَّة أراضينا مُحتلَّة أو مُبَاعَة، واستردادها يحتاج لـ(صدقٍ) وتعامل جاد وصارم، مع الدول المُحتلَّة وليس قَبُول (وَساطاتها) وتوجيهاتها. آخذين في اعتبارنا أنَّ الدول التي تمر بمراحل ضعف تصبح أكثر عُرضةً للتدخُّلات الخارجية والطموحات المرتبطة بالموارد والموقع الجُغرافي.
إنَّ التحدي الحقيقي أمام السودانيين ليس فقط إيقاف الحرب، بل منع عودة الظروف التي أنتجتها. فالسودان يحتاج إلى مراجعة تاريخية شجاعة، تتجاوز الأشخاص والحسابات الضيقة، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. يحتاج إلى مشروعٍ وطني يشارك فيه أصحاب الكفاءة والخبرة، ويعيد بناء المؤسسات، ويحمي الموارد، ويضع خطة واضحة لمرحلة ما بعد الحرب. ولنعلم بأنَّ المجتمع الدولي قد يقدم دعماً أو يمارس ضغوطاً، لكن مستقبل الدول تصنعه إرادة شعوبها وقدرتها على بناء مؤسساتها.
إنَّ انتهاء الحرب بداية مهمة، لكنَّ الأهمَّ هو تحديد: ما هو السودان الذي نريد بناؤه بعد توقفها؟ فإما أن تكون هذه المِحنة بداية لتأسيس دولة جديدة تقوم على العدالة والسيادة والمؤسسات، أو تكون مجرد فصل آخر في سلسلة أزمات لن تجد طريقها إلى الحل، والخيار، في النهاية، مسؤوليتنا نحن السودانيين جميعاً.



#فيصل_عوض_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يَتعَذَّرُ التغييرُ في السُّودان ؟!
- متى تنهض النُخَب السُّودانِيَّة لإنقاذِ السُّودان؟
- بُؤسُ أنور قرقاش في تجميلِ قُبْح الإمارات..!
- العقوبات ضد السُّودان: فَخٌ مُتجدِّد وابتزازٌ مُتواصل!
- أمَا آنَ للسُّودانيين إيقاف نهب وتقسيم البلد؟!
- هل يتَّعظ السُّودانيُّون ويُنقذون ما تَبَقَّى من البلد؟!
- أزمةُ السُّودانِ وآفاق الحلول ..!
- هل سنَتَّعِظ ونلحق السُّودان قبل فوات الأوان ؟!
- هَلْ سيُدرِك السُّودانِيُّون حقيقة ومآلات الاشتباكاتُ الماثل ...
- السُّودانيون وتجزئة القضايا المصيرية ..!
- السودان ومُهدِّداتُ الشرق ..!
- السودان والاستقلال المفقود ..!
- حتميَّة إفشال مُثلَّث حمدي لاستدامة السُّودان ..!
- السُّودان والجحيمُ القادمُ من الشرق ..!
- عودة لأكذوبة البني عامر ..!
- تعقيباً على المُزَوِّرين المُتدثِّرين بمُسمَّى البني عامر .. ...
- الإريتريُّون وأكذوبة البني عامر والقبائل الحُدُودِيَّة والمُ ...
- السُّودان والتهديداتُ الوُجُوديَّةُ للمُجَنَّسين الإريتريّين ...
- السُّودانِيُّون والتفريطُ في حسم المُتأسلمين ..!
- السُّودان والاستقلالُ المفقود ..!


المزيد.....




- أمريكا تعلن شن ضربات جديدة على إيران.. وتقارير عن انفجارات
- الحوثيون في اليمن يعلنون فرض -حصار بحري- على السعودية
- الولايات المتحدة تتهم كوبا باختراق مؤسساتها العليا عبر حملة ...
- -يرحل السياسيون ونبقى-.. القط -لاري- يرحّب برئيس الوزراء الب ...
- عون يبحث في واشنطن تحريك اتفاق الإطار
- بورنهام رئيسا للوزراء بعد طي صفحة ستارمر
- مساع للتهدئة بين واشنطن وطهران
- الجزائر وإسبانيا تبحثان ملفات مشتركة
- بدء المحاكمة.. أم متهمة بارتكاب جريمة تقشعر لها الأبدان بحق ...
- رسالة قوية من الأزهر بشأن الهجمات الإيرانية على الدول العربي ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل عوض حسن - السُّودانُ وتحديات ما بعد الحرب ..!