أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل عوض حسن - لماذا يَتعَذَّرُ التغييرُ في السُّودان ؟!















المزيد.....

لماذا يَتعَذَّرُ التغييرُ في السُّودان ؟!


فيصل عوض حسن

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 02:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تَحَدَّثْتُ في مقالتي السَّابقة عن الغيابِ المُدهشِ للنُّخَبِ السُّودانِيَّةِ المتعلِّمةِ عمَّا يجري في البلاد. نُخَبٌ تُراقِبُ انهيار السُّودان من عَلٍ، وتكتفي بتفسيرِ الأزماتِ وتحليلِ الكوارث، بينما الوطنُ يتفكَّك قطعةً قطعة: جُغرافيا تتمزَّق، اقتصادٌ يترنَّح، مُجتمعٌ يتداعى، ودولةٌ تتآكلُ من الدَّاخل. ودَعَوتُ تلك النُخَب إلى تسخيرِ علومهم وخبراتهم وتشكيل مجموعات عملٍ مُتخصِّصةٍ تُعدُّ استراتِيجيَّة (رؤيةٌ عِلميَّةٌ وعَمَليَّة) شاملة، وكخارطةِ طريقٍ لإدارة ونهضة الدولة بكل أقاليمها وقطاعاتها (بلا استثناء).
ردودُ الفعلِ التي تلقَّيْتُها كانت لافتة، فقد انهالت الاتصالات والرسائل من الأصدقاء والقُرَّاء، وغالبيَّتهم أتفقوا على أنَّ الوقتُ (غير مُناسب) للحديثِ عن أي استراتيجيات/خطط، وأنَّ الأولويَّة المُطلقة الآن هي اقتلاعُ المُتأسلمين وحُلفاؤُهم البُرهان/حِمِيْدْتي، وقحت بمُسمَّياتها المُتكاثرة وما يُسمَّى بالحركات المسلَّحة. وأنا أتَّفقُ معهم بأنَّ السُّودان لن ينهض ما لم نقتلع (جذور) جميع الذين (ضَلًّلوا) العِباد وخَرَّبوا ودَمَّروا البلاد، لكنَّ اقتلاع هذه المنظومة لن يحدث بالصُرَاخِ والارتجال، وإنَّما بالتخطيط والتنظيم، وهذا ما نفتقده نحن السُّودانِيُّون منذ عقود! فغياب التخطيط والتنظيم هو العِلَّةُ الكُبرى التي أفْسَدَت كُلَّ مُحاولات التغيير في السُّودان، منذ ما يُسمَّى بالاستقلال وحتَّى اليوم.
لقد أخفقنا في إحداثِ تغييرٍ حقيقيٍ رغم كل الانتفاضات المُتتالية والتضحيات الكبيرة، لأنَّنا نثورُ بلا خطة، وننتفضُ بلا تنظيم، ونترك مصير حراكنا للصُدفة والانتهازيين..! والثوراتُ الثلاث التي تتناولها أدبيات تاريخنا الحديث لم تُفْضِ إلى التغيير الذي تصنعه الثورات الحقيقيَّة. فأكتوبر 1964 لم تَكُنْ ثورة مُكتملة، بل موجة احتجاجات انتهت بـ(تَنحِّي) الجنرال عَبُّود. وما أعقبها لم يَكُنْ مشروعاً لبناءِ الدولة، بل ساحةُ صراعٍ بين القوى السياسِيَّة التي انشغلت بتَقاسُمِ النُفُوذِ والمصالح، وأخفقت في إنجازِ دستور دائم للبلاد، ومُعالجة أزمات السُّودان البنيويَّة، من قضيَّة الجنوب إلى التنمية المُتوازنة، وفتحت الباب على مصراعيه لانقلابٍ عسكريٍ جديد..! وأبريلُ 1985، كانت (انقلاباً) أكثر منها ثورة شعبيَّة. انقلابٌ قاده سوار الذهب بوعيٍ وتخطيطٍ مُسْبَق، مَهَّدَ به الطريق لجماعته الإسْلَامَوِيَّة التي استغلَّت فشل القوى الحاكمة آنذاك وصراعاتها العبثيَّة المُتواصلة، فسَطى المُتأسلمون على السُلطة في يونيو 1989 وما يزالون فوق صدورنا حتَّى الآن، عبر أذنابهم البرهان/حِمِيْدْتي وحُلفائهم في قحت والحركات المُسلَّحة..!
أمَّا حراك ديسمبر 2018، فقد كان لحظةً نادرةً في تاريخِ السُّودان. كان غضباً شعبياً حقيقياً، خَرَجَ من الأقاليم قبل العاصمة، وقاده النَّاسُ بأنفسهم دون وصايةٍ من الكيانات الانتهازِيَّة، التي كان قادتها يُروِّجون لمُهَادَنةِ المُتأسلمين وتزيين إجرامهم. فتجاوزهم الشعب وصَنَعَ ذلك الحراك القوي، وخلال أيامٍ قليلةٍ فقط انتشرت الاحتجاجات في عشراتِ المُدُن، من عَطْبَرَة إلى الدمازين، ومن بورتسودان إلى الأُبَيِّضْ، ومن القَضَارِف إلى دُنْقُلا. كان السُّودانُ على حافَّة ثورة حقيقيَّة، وبدأ النظامُ يتَرَنَّح وكاد يسقط، ولكن تمَّ (اختطافُ) الحراك بنحوٍ مُتعَمَّد وخبيث لا يقبل (الصُدَف)..! فقد ظهر ما يُسمَّى تَجَمُّع المهنيين فجأة، وفَرَضَ نفسه قائداً للحراك دون أن يمتلك مُقوِّمات القيادة الاستراتيجيَّة/المُؤسَّسيَّة (التخطيط + التنظيم)، ثُمَّ قام بتشكيل قوى الحريَّة والتغيير المعروفة باسم قحت (دون تفويضٍ شعبي) من نفس الكيانات السياسِيَّة التي تجاوزها الشارع أصلاً، ومنذ تلك اللحظة بدأ الانحدار..!
فعقب تشكيل قحت، بدأت الصراعات والمُساوَمات، والتفاوُض (المُنفرد) مع المجلس العسكري، والسفر السري إلى الخارج، بينما كانت الثورة الحقيقيَّة تَتَبَخَّر شيئاً فشيئاً..! حيث تَرَاجَعَ الحراكُ الشعبي الواسع الذي شمل أكثر من مدينة خلال 13 يومٍ فقط، لينحصر في بضعة أحياءٍ بالخرطوم، وتَقَزَّمَ سَقْفُ المَطَالِبِ من الإسقاطِ الكاملِ للنظام إلى التفاوُضِ وقبولِ الفتات..! رغم أنَّ التَفاوُض لم يَكُن مَطْلَب الشعب، وإنَّما كان خِيار الانتهازيين الذين تَسَلَّقوا على أكتافِ الثورة، ثم فرضوا هذا الخِيار على الحراك الشعبي بالتلاعُبِ والخِداعِ الإعلامي.
أمَّا الاعتصامُ الذي يتباهى به القحتيُّون ورَهْطِهِم، فقد كان فخاً مُحكماً لـ(اصطيادِ) الثُوَّار الحقيقيين، كما تُرِكَ الاعتصامُ بلا رُؤية ولا استراتيجيَّة تحميه، ورُفِضَت جميع المُقترحات التي قُدِّمَت لتعزيزه، بسبب انشغال قادة قحت بخلافاتهم وأطماعهم الشخصيَّة. وفي تلك الأثناء هرب قادة النظام إلى الخارج، وضاعت فُرَص استرداد الأموال المنهوبة، وتَزَايَدَ التَدَخُّل الخارجي في مصير البلاد..! واختُتِمَ الاعتصامُ بـ(المجزرةُ) التي استهدفت خيرة شباب السُّودان، واعتقدنا أنَّ القحتيين سيُوقفون التفاوُض فور وقوع تلك الجريمة، خاصَّة مع الوقاحة الاستثنائِيَّة للبرهان/حِمِيْدْتي ورُفقائهما، لكن ما حدث كان العكس تماماً. استمرَّ التفاوُض في الخفاء، وكأنَّ دماء السودانيين لا تعني شيئاً. ثُمَّ جاءت مليونِيَّة 30 يونيو 2019، التي أعادت الجماهير إلى الشوارع بقُوة، وظَنَّ الكثيرون أنَّ هذه اللحظة ستُعيد الثورة إلى مسارها الصحيح، ولكنَّ القحتيّين واصلوا غدرهم بالشعب، وفاجأونا بخيانةٍ جديدة أطلقوا عليها اسم (اتفاق)، مَنحوا من خلاله الشرعِيَّة للعسكر، وحصَّنوهم من المُساءَلَة، وتجاهلوا جميع القضايا الجوهرِيَّة بما في ذلك مُستقبل الدولة السُّودانِيَّة نفسها، حتَّى بلغنا القاع الذي نحياه اليوم!
خُلاصةُ القولِ، أنَّ جميع مُحاولات التغيير في السُّودان أُجْهِضَت لأنَّنا لم نمتلك خِطَّة واضحة ولا تنظيماً صارماً، وفي غياب هذين العُنْصُرَيْنِ كانت وما تزال جميع حِراكاتنا/احتجاجاتنا (فريسةً) سهلةً للانتهازيين والمُتسَلِّقين..! ولقد أثبتت التجربة أنَّ جميع خصوم السُّودان، وعلى رأسهم المُتأسلمين وحُلفائهم ومن سبقهم، يعملون وفق استراتيجياتٍ مدروسة، ويتحرَّكون بمرونةٍ وفق المُتغيرات، بينما نُواجههم نحن بالعاطفةِ والارتجالِ والصُراخ، لذلك أخفقنا في التغيير وسنفشل مُجدّداً ما لم نُؤمِن بأهمِّيَّة التخطيط والتنظيم ونعمل بموجبهما..!
إنَّ التخطيطَ الاستراتيجيّ، والعملَ المُؤسَّسي ليسا تَرَفاً فكرياً، وإنَّما مُتطلَّبات حتمِيَّة للبقاء والتَطوُّر، ولقد قام الشعب السُّوداني بواجباته في الاحتجاج والانتفاضِ أكثر من مرَّة، وقَدَّمَ تضحياتٍ كبيرة وما يزال، وجاء دور النُخَب المُتعلِّمة لتوظيف علومها وخبراتها والاضطلاع بمهامها (الأصلية)، ولو مَرَّة واحدة في التاريخ، ولتكن بدايتهم لتكفير أخطائهم وغفلاتهم المُتراكمة بإعداد استراتيجيَّة وطنِيَّة حقيقيَّة لإحداث التغيير، وأُخرى واضحة المعالم لإدارة الدولة بعده، وهذا ما يحتاجه السُّودان وأهله من تلك النُخَب، في ظل الظروف المُعقَّدة التي نحياها الآن..!
وبما أنَّ السُّودان لم يعد يحتمل جولة أخرى من الفشل، وتَبَدُّدِ الأرواح وتكرار الانتفاضات ثُمَّ (اختطافها)، فنحنُ السُّودانِيُّون بحاجةٍ لمعرفة كيف ومتى نحتشد ونتحرَّك بانتظامٍ وآمانٍ وفعالِيَّة، وبالقيادة والصيغة التي نختارها دون وصايةٍ (داخِلِيَّة/خارجِيَّة) لتحقيق التغيير المنشود. ونحتاجُ لمعرفة ماذا سنفعل بعدها ومتى وكيف والتكاليف والمُتطلَّبات المالِيَّة والبشريَّة والتقنيَّة اللازمة لذلك، والبدائل الاستراتِيجيَّة إذا حدث تَعثُّر أو مُسْتَجَد. وبالتوازي مع ذلك، نحنُ بحاجةٍ لتنظيمٍ/كيانٍ شعبيٍ مُحْكَمْ، بعيداً عن جميع كياناتنا الانتهازِيَّة الماثلة، عقب فشلها المُزْمِن في بلورة فلسفة واضحة للحفاظ على البلاد وتنميتها وتطويرها، وهذه جميعاً هي المهام (الأصيلة) لأي نُخبة مُتعلِّمة مُحترمة وأمينة، وليس وَصف/شرح (المعروف) والانشغال بالصراعات/الأطماع الشخصيَّة والجِهَوِيَّة الضيِّقة.



#فيصل_عوض_حسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى تنهض النُخَب السُّودانِيَّة لإنقاذِ السُّودان؟
- بُؤسُ أنور قرقاش في تجميلِ قُبْح الإمارات..!
- العقوبات ضد السُّودان: فَخٌ مُتجدِّد وابتزازٌ مُتواصل!
- أمَا آنَ للسُّودانيين إيقاف نهب وتقسيم البلد؟!
- هل يتَّعظ السُّودانيُّون ويُنقذون ما تَبَقَّى من البلد؟!
- أزمةُ السُّودانِ وآفاق الحلول ..!
- هل سنَتَّعِظ ونلحق السُّودان قبل فوات الأوان ؟!
- هَلْ سيُدرِك السُّودانِيُّون حقيقة ومآلات الاشتباكاتُ الماثل ...
- السُّودانيون وتجزئة القضايا المصيرية ..!
- السودان ومُهدِّداتُ الشرق ..!
- السودان والاستقلال المفقود ..!
- حتميَّة إفشال مُثلَّث حمدي لاستدامة السُّودان ..!
- السُّودان والجحيمُ القادمُ من الشرق ..!
- عودة لأكذوبة البني عامر ..!
- تعقيباً على المُزَوِّرين المُتدثِّرين بمُسمَّى البني عامر .. ...
- الإريتريُّون وأكذوبة البني عامر والقبائل الحُدُودِيَّة والمُ ...
- السُّودان والتهديداتُ الوُجُوديَّةُ للمُجَنَّسين الإريتريّين ...
- السُّودانِيُّون والتفريطُ في حسم المُتأسلمين ..!
- السُّودان والاستقلالُ المفقود ..!
- انقلاباتُ السُّودان ..!


المزيد.....




- فيديو يُظهر تصاعد الدخان من محيط السفارة الأمريكية في بغداد ...
- الهجمات الإيرانية على دول الخليج صباح السبت
- ماذا نعرف عن القادة الإيرانيين العشرة الذين تلاحقهم أمريكا؟ ...
- هجوم يستهدف السفارة الأمريكية في بغداد والدخان يتصاعد من داخ ...
- ترمب يربط انتهاء الحرب على إيران بـ-شعور في أعماقه-
- ترامب: إيران تريد إبرام اتفاق لكنني لن أوافق عليه
- ارتفاع عدد قتلى الجنود الأميركيين إلى 13
- كوريا الشمالية تطلق -مقذوفا غير محدد-
- الجيش الإسرائيلي يأمر سكان أحياء في تبريز بإخلاء منازلهم
- الجيش الأمريكي يرد على الحرس الثوري وادعاء تعطيل حاملة طائرا ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فيصل عوض حسن - لماذا يَتعَذَّرُ التغييرُ في السُّودان ؟!