أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسان أيو - حين يتحايل الحلم














المزيد.....

حين يتحايل الحلم


حسان أيو

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 13:31
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الحلم دائمًا ذلك العالم الرحب الذي نهرب إليه من قسوة الواقع، ولا هو التعويض البسيط عن رغبات لم تتحقق. أحيانًا يكون أكثر قسوة من الواقع نفسه، لأنه يجرّدنا من قدرتنا على التظاهر، ويضعنا في مواجهة مع حقيقتنا. ولعل أكثر ما يخيف الإنسان ليس أن يرى العالم كما هو، بل أن يرى نفسه كما هي.
كنا نظن أن الأحلام مساحة نصنع فيها ما عجزنا عن صناعته في اليقظة، لكننا اكتشفنا أن الحلم لا يحقق الرغبات بقدر ما يكشفها. إنه يتحايل علينا؛ يمنحنا وهم الاقتراب مما نريد، بينما يفضح ما نحاول إخفاءه. فالأحلام ليست مخزنًا للخيال فحسب، بل مرآة لما تراكم في أعماق النفس من رغبات مؤجلة، ومخاوف قديمة، وأسئلة لم نجد لها جوابًا.
يقول الفيلسوف إن الإنسان لا يولد صفحة بيضاء، بل يدخل العالم محاطًا بإرث طويل من الأفكار والعادات والرموز. ولذلك لا تبدأ معركتنا مع العالم، بل مع أنفسنا؛ أو بالأحرى مع تلك الذات التي ورثناها عن أسلافنا. إنها ذات لا تسكن الماضي وحده، بل تستمر في العيش داخل وعينا، وفي لغتنا، وفي أحكامنا، وحتى في أحلامنا. إنها تخبرنا كيف ينبغي أن نعيش، وما الذي يجب أن نخاف منه، وما الذي يجوز أن نحلم به.
وهنا يبدأ الصراع الحقيقي. ليس بين الخير والشر، ولا بين النجاح والفشل، بل بين ذات تحاول أن تولد، وذات أخرى تخشى موت الماضي. الأولى تريد أن ترى العالم بعينيها، والثانية تصر على أن تراه بعيون من سبقها. الأولى تبحث عن الحرية، والثانية تبحث عن الأمان، ولو كان ثمنه التخلي عن الذات.
وربما لهذا قال الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور إن أعظم أشكال اليأس هو أن يعيش الإنسان بعيدًا عن ذاته الحقيقية. فالإنسان قد ينجح في إرضاء الجميع، لكنه يفشل في أن يكون نفسه. وقد يحقق ما ينتظره الآخرون منه، بينما يخسر ما كان يريده لنفسه.
أما فريدريك نيتشه فكان يرى أن الإنسان لا يكتمل إلا إذا امتلك شجاعة تجاوز ما ورثه، لا بإنكار الماضي، بل بعدم السماح له بأن يكون سيد المستقبل. فالتراث يمنحنا الجذور، لكنه لا ينبغي أن يحدد إلى أي اتجاه تمتد أغصاننا.
ومن زاوية أخرى، يرى كارل يونغ أن الأحلام ليست عبثًا، بل لغة عميقة يتحدث بها اللاوعي. إنها لا تخبرنا بما نريد سماعه، بل بما نحتاج إلى سماعه. لذلك كثيرًا ما نستيقظ من حلم لا لأننا رأينا شيئًا غريبًا، بل لأننا رأينا أنفسنا من دون الأقنعة التي نرتديها في اليقظة.
وربما لهذا السبب يتحايل الحلم علينا. فهو يمنحنا ما نطلب، ثم يكشف لنا أننا لم نكن نبحث عن الشيء نفسه. نظن أننا نحلم بالمكان، فإذا بنا نحلم بالأمان. ونظن أننا نحلم بالشخص، فإذا بنا نحلم بالقبول. ونظن أننا نحلم بالنجاح، فإذا بنا نحلم بأن نعترف لأنفسنا بقيمتنا.
نريد كثيرًا، حتى تختلط الرغبات بالحاجات، والطموحات بالمخاوف، والحرية بالأوهام. وفي النهاية نختزل كل ذلك في حلم، نعلم في أعماقنا أنه قد لا يتحقق. ومع ذلك لا نتخلى عنه، لأن الإنسان لا يعيش بالواقع وحده، بل يعيش أيضًا بما يمنحه المعنى.
ربما ليست قيمة الحلم في أن يتحقق، بل في أنه يكشف لنا من نكون. فالإنسان لا يُعرَّف بما يملك، ولا بما ينجز، بل بما لا يزال يحلم به رغم كل ما عرفه من خيبات. وحين نفقد القدرة على الحلم، لا نخسر أمنية فحسب، بل نخسر جزءًا من إنسانيتنا.
لذلك، فإن السؤال ليس: لماذا لا تتحقق أحلامنا؟ بل: أيُّ ذاتٍ هي التي تحلم؟ أهي ذواتنا التي نحاول أن نبنيها، أم ذات أسلافنا التي لا تزال تحلم من خلالنا؟



#حسان_أيو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجن الجهل المقدس
- سجناء الماضي
- الشرخ المجتمعي في سوريا: خطاب الكراهية، الحرب الإعلامية، وإش ...
- تعال يا موت
- الهاتف
- البطالة في وسط الشباب - الحلقة الثانية
- البطالة في وسط الشباب السوري
- التمويل وأبعاده
- شرق أوسطي جديد
- حقوق الإنسان في الفكر العربي
- أزمة العلمانية في الفكر العربي
- التربية على حقوق الإنسان
- يموتون بعدها يكرمون إلى محمد ماغوط وعبدا لسلام العجيلي
- كيف تمنح المواطنة
- أسس المواطنة
- الأكراد ملح آذار
- إلغاء جميع أشكال التميز ضد المرأة
- قامشلو تحتضن لوحات الفنان لقمان أحمد
- مفهوم المواطنة
- رائحة جميلة لوطناً غائب


المزيد.....




- هل دفع -مخطط اغتيال ترامب- واشنطن إلى قصف إيران؟ شاهد ما كشف ...
- مصدران لـCNN: أمريكا لا تريد أن تنخرط إسرائيل في الضربات على ...
- -رويترز-: مفاوضون قطريون في طهران لتهدئة التوتر ومناقشة تنفي ...
- قوة الاستقرار الدولية في غزة تتعثر قبل انطلاقها.. من خطة بـ2 ...
- بعد أيام من المراسم الرسمية.. إيران تواري جثمان علي خامنئي ا ...
- الأبيّض تتعافى جزئيا من أزمة الخدمات
- المذيعة الأمريكية آنا كاسباريان ترتكب خطأ فادحا خلال بث مباش ...
- فنزويلا.. ارتفاع عدد ضحايا الزلزال إلى 3889 قتيلا
- الولايات المتحدة.. دب يتجول داخل مركز تجاري في قاعدة عسكرية ...
- -سبيس إكس- تحقق رقما قياسيا جديدا بصاروخ -فالكون 9-


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسان أيو - حين يتحايل الحلم