أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسان أيو - الشرخ المجتمعي في سوريا: خطاب الكراهية، الحرب الإعلامية، وإشكاليات العيش المشترك














المزيد.....

الشرخ المجتمعي في سوريا: خطاب الكراهية، الحرب الإعلامية، وإشكاليات العيش المشترك


حسان أيو

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 20:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لشرخ المجتمعي في سوريا: خطاب الكراهية، الحرب الإعلامية، وإشكاليات العيش المشترك
لا تُنتج الحروب، وفقًا للتجارب المقارنة في المجتمعات الخارجة من النزاعات، مكاسب مستدامة، كما أن السِّلم، في حال غياب المعالجة البنيوية لآثار الصراع، يبقى حالة هشّة وقابلة للانتكاس. وفي السياق السوري، لا يقتصر التحدي على وقف العنف المسلح، بل يتمحور أساسًا حول معالجة الشرخ المجتمعي العميق الذي خلّفته سنوات النزاع، وما ارتبط به من تآكل في منظومة العيش المشترك وقبول الآخر.
لقد أسهم الصراع السوري في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على أسس استقطابية، غذّتها خطابات الهوية، وترافقت مع تصاعدٍ ممنهج لثقافة خطاب الكراهية بوصفها أداة تعبئة وتحريض. ولم يكن هذا الخطاب نتاجًا عفويًا، بل جرى توظيفه سياسيًا وإعلاميًا، بما حوّل الاختلافات القومية والدينية والعرقية من سمات طبيعية للتعدد الاجتماعي إلى أدوات للتجييش، ووسائل لإضفاء الشرعية على الإقصاء والعنف.
وفي هذا الإطار، لعب الإعلام — بمختلف أنواعه التقليدية والرقمية — دورًا محوريًا في تصعيد خطاب الكراهية وتعميق الانقسام المجتمعي. فقد تحوّل المشهد الإعلامي، في كثير من مراحله، إلى ساحة حرب إعلامية موازية للصراع العسكري، حيث استُخدمت المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي في إنتاج سرديات إقصائية، وتكريس صور نمطية، وتضخيم خطاب "نحن" في مواجهة "الآخر".
وقد أسهمت هذه الحرب الإعلامية في تطبيع التحريض والتجييش، عبر التكرار، والانتقائية في عرض الوقائع، وتوظيف اللغة الانفعالية، ما أدى إلى تحويل الكراهية من خطاب هامشي إلى ممارسة شبه يومية في المجال العام. كما ساهم غياب المعايير المهنية، وضعف المساءلة الإعلامية، في تعزيز قابلية المجتمع للتأثر بالدعاية والتحريض، وإعادة إنتاج الانقسام على مستوى الوعي الجمعي.
إن انتشار خطاب الكراهية وثقافته، مدعومًا بالحرب الإعلامية، أفضى إلى تآكل الثقة الاجتماعية، وإضعاف الروابط بين مكونات المجتمع، كما رسّخ منطق الاستقطاب الحاد، وهو ما يُعدّ من أبرز العوائق أمام إعادة بناء السلم الأهلي. ومع تحوّل الإعلام من وسيط لنقل المعلومات إلى فاعل مباشر في الصراع، باتت معالجة الخطاب الإعلامي جزءًا لا يتجزأ من أي مقاربة جادة لبناء السلام.
وعليه، لا يمكن مقاربة العيش السلمي في مرحلة ما بعد الصراع بمعزل عن تفكيك البُنى الثقافية والإعلامية التي أسهمت في إنتاج الكراهية. فإسكات السلاح، على أهميته، لا يفضي إلى سلام مستدام ما لم يُرفق بسياسات تهدف إلى ضبط المجال الإعلامي، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض، وتعزيز إعلام مهني مسؤول يقوم على التعددية واحترام الاختلاف.
كما يتطلب رأب الشرخ المجتمعي الاعتراف المتبادل بالمعاناة، واعتماد آليات عدالة انتقالية تسعى إلى الإنصاف لا الانتقام، وتُعيد بناء ذاكرة وطنية جامعة لا تُستَخدم كأداة تعبئة جديدة. ويوازي ذلك ضرورة بناء خطاب وطني جامع، قادر على مواجهة ثقافة الكراهية بخطاب بديل يرتكز إلى المواطنة المتساوية، والمسؤولية المشتركة، وقبول الآخر.
ولا يعني قبول الآخر إلغاء الخصوصيات الهوياتية، بل يفترض إطارًا مدنيًا جامعًا ينظّم التعدد ضمن عقد اجتماعي جديد، ويحدّ من قابلية المجتمع للاستقطاب، ويمنع إعادة توظيف الاختلافات في عمليات التحريض والتجييش الإعلامي والسياسي.
إن الخوف من استمرار الشرخ المجتمعي في سوريا يُعدّ تعبيرًا مشروعًا عن عمق الأزمة، غير أن التعامل معه بوصفه قدرًا محتومًا من شأنه إعادة إنتاج بيئة الكراهية والعنف. وعليه، فإن تجاوز هذا الواقع يتطلب إرادة سياسية ومجتمعية مشتركة، وسياسات عامة تتعامل مع الإعلام وخطاب الكراهية بوصفهما قضايا بنيوية تؤثر مباشرة في فرص السلم والاستقرار.
خلاصة القول، إن تحقيق سلام مستدام في سوريا لا يمكن اختزاله في غياب العنف المسلح، بل يرتبط بمدى القدرة على تفكيك ثقافة التحريض والتجييش، وضبط الحرب الإعلامية، ومعالجة خطاب الكراهية، وإعادة تأسيس العيش المشترك على أسس العدالة والمساواة وقبول الآخر. فبدون ذلك، يبقى السِّلم هشًّا، ويظل الشرخ المجتمعي قابلًا لإعادة التفعيل عند كل أزمة.



#حسان_أيو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعال يا موت
- الهاتف
- البطالة في وسط الشباب - الحلقة الثانية
- البطالة في وسط الشباب السوري
- التمويل وأبعاده
- شرق أوسطي جديد
- حقوق الإنسان في الفكر العربي
- أزمة العلمانية في الفكر العربي
- التربية على حقوق الإنسان
- يموتون بعدها يكرمون إلى محمد ماغوط وعبدا لسلام العجيلي
- كيف تمنح المواطنة
- أسس المواطنة
- الأكراد ملح آذار
- إلغاء جميع أشكال التميز ضد المرأة
- قامشلو تحتضن لوحات الفنان لقمان أحمد
- مفهوم المواطنة
- رائحة جميلة لوطناً غائب
- هل سيتكرر سيناريو العراق في سوريا
- أعلان دمشق ......وماذا بعد
- إمراءة هربت بينما أصعد الرماد


المزيد.....




- شاهد غارات روسية عنيفة على مدن أوكرانية رئيسية.. ما الهدف ور ...
- حياة الفهد تعود للكويت.. رحلتها العلاجية -لم يُكتب لها النجا ...
- مباحثات بين ولي العهد السعودي والرئيس التركي وسط مراسم استقب ...
- إعدامات ونهب وتدمير مبانٍ.. رئيس وزراء إثيوبيا يتهم إريتريا ...
- انتهاء صلاحية اتفاق الحدّ من النووي بين أمريكا وروسيا.. هل ي ...
- -لكل شيء وقته-.. أمين عام حزب الله: نحن في مرحلة الدفاع عن أ ...
- هل أصبح مستقبل كريستيانو رونالدو في السعودية على المحك؟
- الأمن العام السوري يدخل القامشلي ... نهاية -حلم روجآفا-؟
- فيضانات المغرب تستنفر السلطات وتثير حملة تضامن على المنصات
- أيام قبل انتهاء -نيو ستارت-.. روسيا تحذر من انفلات أكبر ترسا ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسان أيو - الشرخ المجتمعي في سوريا: خطاب الكراهية، الحرب الإعلامية، وإشكاليات العيش المشترك