أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسان أيو - سجن الجهل المقدس














المزيد.....

سجن الجهل المقدس


حسان أيو

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 18:10
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ أن عرف الإنسان نفسه، وهو يعيش بين التعاون والصراع. تتغير الوجوه، وتتبدل الرايات، وتتعاقب الإمبراطوريات والدول، لكن الانقسامات لا تغادر المشهد. وكأن البشرية، كلما ظنت أنها تجاوزت خلافًا، صنعت خلافًا جديدًا بأدوات أكثر تطورًا.
قد يعتقد البعض أن الثورة العلمية والتكنولوجية كانت كفيلة بتقليص مساحة الجهل والتعصب، لكن الواقع يروي قصة مختلفة. لقد تطورت وسائل الاتصال، لا ثقافة التواصل. تضاعفت مصادر المعرفة، لكن ذلك لم يضمن ازدياد الحكمة. بل إن التكنولوجيا، في كثير من الأحيان، منحت التعصب سرعة انتشار لم يعرفها التاريخ من قبل، وأصبح الإنسان قادرًا على أن يحاصر نفسه داخل دائرة من الأفكار التي تشبهه، فلا يسمع إلا صدى صوته، ولا يرى إلا ما يؤكد قناعاته.
المشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف هو الشرط الأول لولادة الأفكار، وهو ما يدفع الحضارات إلى التقدم. إنما تبدأ الأزمة عندما يتحول الاختلاف إلى هوية مغلقة، والرأي إلى يقين لا يقبل المراجعة، والانتماء إلى مقياس للحقيقة. عندها لا يعود الإنسان يبحث عن المعرفة، بل يبحث عما يطمئن قناعاته ويمنحه شعورًا بالتفوق على الآخرين.
وأخطر ما يواجه أي مجتمع ليس الجهل وحده، بل ما يمكن تسميته بـ"الجهل المقدس". إنه الجهل الذي يرتدي ثوب اليقين، ويمنح نفسه حصانة ضد النقد. لا يسمح بالسؤال، لأن السؤال يُعد تهديدًا. ولا يرحب بالمراجعة، لأنها تُفهم على أنها ضعف. وهكذا تتحول الأفكار البشرية إلى مقدسات، ويصبح الاختلاف معها خروجًا عن الجماعة، لا مجرد اختلاف في الرأي.
وليس المقصود بالقداسة هنا الدين أو الإيمان، فالإيمان الصادق لا يخشى العقل ولا يهرب من السؤال. المقصود هو تقديس التفسيرات البشرية، والأيديولوجيات، والهويات، والزعامات، حتى تصبح فوق النقد. وعندما تُرفع الأفكار إلى هذه المنزلة، يتوقف العقل عن أداء وظيفته، ويبدأ الإنسان بالدفاع عن معتقداته أكثر مما يبحث عن حقيقتها.
إن المأساة ليست أن نختلف، بل أن نفقد القدرة على الإصغاء. وليست في أن نتمسك بمبادئنا، بل في أن نعتقد أننا نمتلك الحقيقة كاملة. فالحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد أو جماعة أو أمة، والتاريخ مليء بأفكار كانت تبدو يقينًا مطلقًا، ثم أثبت الزمن أنها كانت مجرد أوهام.
ربما لن تختفي الصراعات من حياة البشر، لأنها جزء من طبيعة الإنسان وتعقيد المجتمعات. لكن يمكن أن تتغير طريقة إدارتها. فالحضارة لا تُقاس بما نملكه من تقنيات، بل بقدرتنا على تحويل الاختلاف من سبب للعداء إلى فرصة للفهم، ومن وقود للصراع إلى مصدر للإبداع.
إن الإنسان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشاشات بقدر حاجته إلى مزيد من الوعي، ولا إلى معلومات أكثر بقدر حاجته إلى شجاعة الاعتراف بأن الحقيقة لا تُولد من الصراخ، بل من الحوار. فربما يكون أعظم إنجاز يمكن أن نحققه في هذا العصر، ليس اختراع آلة جديدة، بل تحرير عقولنا من السجن الذي صنعناه بأيدينا... سجن الجهل المقدس.



#حسان_أيو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجناء الماضي
- الشرخ المجتمعي في سوريا: خطاب الكراهية، الحرب الإعلامية، وإش ...
- تعال يا موت
- الهاتف
- البطالة في وسط الشباب - الحلقة الثانية
- البطالة في وسط الشباب السوري
- التمويل وأبعاده
- شرق أوسطي جديد
- حقوق الإنسان في الفكر العربي
- أزمة العلمانية في الفكر العربي
- التربية على حقوق الإنسان
- يموتون بعدها يكرمون إلى محمد ماغوط وعبدا لسلام العجيلي
- كيف تمنح المواطنة
- أسس المواطنة
- الأكراد ملح آذار
- إلغاء جميع أشكال التميز ضد المرأة
- قامشلو تحتضن لوحات الفنان لقمان أحمد
- مفهوم المواطنة
- رائحة جميلة لوطناً غائب
- هل سيتكرر سيناريو العراق في سوريا


المزيد.....




- مستشار ومساعد قائد الثورة الإسلامية محمد مخبر: الترتيبات و ...
- جلال زاده: الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأصدقاؤها يعملون ع ...
- الدحيح.. حضور الإسلام في أمريكا أقدم وأعمق مما نظن
- شهيدان في قصف مركبة في محيط مبنى الجامعة الإسلامية غرب مدينة ...
- -يا رب ابنِ لنا دارا في الجنة-.. دعاء طفلة من الخليل هدم الا ...
- مستشار قائد الثورة الإسلامية علي أكبر ولايتي: الاعتراف اللفظ ...
- زلة لسان جديدة لترامب: -جمهورية اليابان الإسلامية- أطلقت 111 ...
- اليهودية دين العبرانيين وملة موسى عليه السلام
- تقرير حقوقي يوثق تصاعد اعتداءات المتطرفين اليهود على المسيحي ...
- بحرية حرس الثورة الإسلامية: استشهاد أحد منتسبينا صباح اليوم ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسان أيو - سجن الجهل المقدس