أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد القادر موحد - المازوخية الهوياتية: حين يتحول نقد الذات إلى عداء دائم للهوية















المزيد.....

المازوخية الهوياتية: حين يتحول نقد الذات إلى عداء دائم للهوية


عبد القادر موحد

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 21:32
المحور: قضايا ثقافية
    


ينبثق مفهوم المازوخية الهوياتية بوصفه محاولةً لمقاربة ظاهرة تستعصي على الاحتواء داخل المفاهيم المتداولة، إذ تفلت منها كلما سعينا إلى اختزالها في أطرها التفسيرية المألوفة. فهو يشير إلى بنية وجدانية–معرفية تجعل من إدانة الذات موقفا وجوديا دائما، لا مجرد محطة عابرة في مسار النقد والمراجعة.
لا خلاف في أن النقد الذاتي، بما هو مساءلة للتاريخ والمؤسسات والخطابات، يمثل شرطا لا غنى عنه لأي مشروع نهوض حضاري. غير أن ثمة نمطا آخر من الخطاب لا يتخذ من مساءلة الذات سبيلا إلى تحريرها، بل يحول الإدانة إلى غاية في ذاتها، ويعيد إنتاجها بوصفها فعلا تطهيريا لا ينتهي.
ومن هنا أقترح مفهوم المازوخية الهوياتية بوصفه أداة تحليلية تصف تلك اللذة الخفية الكامنة في التكرار المستمر للاعتراف بالذنب نفسه؛ حيث يجد الوعي في إدانته المتواصلة لهويته نوعا من الطمأنينة الأنطولوجية، وكأن الإدانة الذاتية تغدو بديلا عن مواجهة الشروط التاريخية والسياسية والمعرفية التي أفضت إلى الفوات الحضاري، أو عن السعي إلى تجاوزها بالفعل.
في التمييز بين المفهوم والتشخيص
يجدر التنبيه إلى أن "المازوخية" هنا استعارة تحليلية لا تشخيص إكلينيكي، تماما كما استعملت مفاهيم مثل "النرجسية الجماعية" أو "الوعي الشقي" عند هيغل كأدوات لفهم بنية العلاقة بالذات، لا أحكاما على أصحابها. والوعي الشقي، عند هيغل، هو ذلك الوعي المنقسم على نفسه، الذي يجد جوهره خارج ذاته، في كيان متعالٍ يقيسه بمعاييره ويحتقر نفسه أمامه دون أن يبلغ التصالح معه. أليس هذا بالضبط ما يحدث حين تضع الذات الحضارية معاييرها في الغرب، فتصير محكومة ببنية انقسامية لا تنتهي: أنا هنا، لكن جوهري هناك؟
وهنا تتحول الهوية من أفق تاريخي متعدد الإمكانات إلى جوهر ثابت محكوم عليه سلفا بالتخلف، وبالتالي نجد أنفسنا أمام انزلاق مفهومي خطير: من النقد التاريخي إلى الحكم الأنطولوجي، من "لماذا تعثرنا؟" إلى "نحن التعثر ذاته".
تولد الفجوة بين العالم العربي الإسلامي والحداثة الغربية قلقا وجوديا مشروعا، لكن هذا القلق يتفرع أمامه أفقان متمايزان جوهريا.
أفق أول يحيل القلق إلى سؤال تاريخي-إصلاحي: ما الشروط السياسية والمعرفية والمؤسسية التي أنتجت هذا التعثر؟ وأفق ثانٍ يحيله إلى حكم جوهراني معادٍ للذات: نحن متخلفون لأننا نحن. الفارق بين الأفقين ليس فارقًا في الحدة، بل في البنية المعرفية ذاتها: الأول يفكر في الشروط، والثاني يحاكم الماهية.
العنف الرمزي وتشرّب معايير الغالب
يقدم مفهوم "العنف الرمزي" عند بيير بورديو مفتاحا لفهم كيف تتحول المقارنة الحضارية إلى احتقار للذات. فالهيمنة، عند بورديو، لا تختزل في القوة المباشرة، بل تنجح حين تقنع المهيمَن عليه بأن معايير المهيمِن هي المعيار الطبيعي والوحيد للعقل والذوق والتقدم؛ عندها يستدخل المقهور نظرة قاهره إلى ذاته، فيرى نقصه لا بعينيه، بل بعيني من انتصر عليه. هذا الاستدخال هو جوهر العنف الرمزي: أن تعاد إنتاج الهيمنة لا بالقمع، بل بالإقناع الهادئ بأن هذا هو الطبيعي.
من هذا الاستدخال تتوالد ازدواجية وجودية عند النخبوي القَلِق: رغبة في الانتماء إلى النموذج الغالب، ورغبة موازية في البرهنة على القطيعة مع الجماعة الأصلية التي بات يراها عبئا وجوديا عليه. وهكذا يتحول الهجوم على الهوية إلى استراتيجية التبرؤ من الجماعة لنيل القبول في جنة الغالب.
التكرار القهري: من فرويد إلى بنية الخطاب
في ما وراء مبدأ اللذة، يربط فرويد "اجبار التكرار" بميل الذات إلى إعادة تمثيل الخبرة المؤلمة بدل تجاوزها أو استيعابها رمزيا، حتى حين يبدو هذا التكرار عقيما أو مؤلما في ذاته. فكأن الوعي، حين يعجز عن هضم الصدمة، يؤْثر أن يعيد إنتاجها على أن يواجه غموضها.
يبدو أن الخطاب النخبوي العربي القلق لا يتجاوز صدمة التفوق الغربي، بل يعيد تمثيلها في كل أزمة: المشكلة فينا، في أصلنا، في لغتنا، في ديننا. الحكم لا يتغير رغم تبدل الوقائع، فالخطاب لا يبحث عن تفسير، بل عن استعادة الإهانة الأولى عبر تكرار يكرس السلوك المازوخي: إدانة الذات لا تحل الأزمة، لكنها تمنح صاحبها وهما مؤقتا بالسيطرة على ما يعجز عن ضبطه.
الهروب من الحرية والخضوع للسلطة المتعالية
يهرب الإنسان من عبء القلق والعجز إلى الخضوع لسلطة أكبر تمنحه شعورا بالأمان الوجودي، عبر آليات كالتماهي بالسلطة والنزوع المازوخي في العلاقة مع القوة القاهرة كما يرى أريك فروم.
وضمن هذا الإطار، لا يبقى الغرب عند بعض النخب تجربةً حضاريةً قابلةً للنقد والتعلّم، بل يتحول إلى سلطة رمزية متعالية، بل يتحول إلى سلطة رمزية متعالية، لا يتحقق الانتماء اليها إلا بالانفصال العدواني عن الجماعة الأصلية: أنا لست منهم، إذن أنا أقرب إلى النموذج الغالب.
استبطان الاستعمار وعقدة النقص
هنا تلتقي المازوخية الهوياتية مع تحليلات فرانز فانون لتسرب الهيمنة الاستعمارية إلى بنية وعي المستعمَر، إذ تتكون داخله علاقة مضطربة بذاته تحت ضغط النظرة الاستعمارية المستمرة. فعقدة النقص، عند فانون، ليست سمة طبيعية في الجماعات المستعمَرة، بل نتاج استبطان تاريخي لخطاب استعماري ينظر إليها من فوق. وبهذا المعنى، لا تولد المازوخية الهوياتية من فراغ، بل هي ابنة تاريخ طويل من الهزيمة والتبعية واختلال موازين القوة. غير أنها لا تظل مجرد أثر سلبي لهذا التاريخ، بل تتحول عند بعض النخب إلى خطاب فاعل يعيد إنتاج الدونية بدل تفكيكها.
براءة الفرد عبر إدانة الجماعة: بنية التموضع الأخلاقي
يكمن جوهر هذه البنية في أن صاحبها يحصل على براءته الشخصية عبر إدانة جماعته. فهو لا يبقى فردا من جماعة مأزومة، بل يتحول إلى شاهد عليها وقاضٍ فوقها؛ من موضوع للهزيمة إلى شاهد عليها، ومن منتمٍ إليها إلى حاكمٍ عليها. الهجوم على الهوية هنا ليس رأيا فكريا محضا، بل استراتيجية تموضع رمزي: أنا متقدم لأني أدينهم، وأنا حديث لأني أتبرأ منهم.
الفارق الجوهري: النقد الإصلاحي في مقابل الإدانة العصابية
يكمن الفرق الحاسم بين النقد الإصلاحي والمازوخية الهوياتية في الغاية والبنية معًا. النقد الإصلاحي يواجه الذات ليحررها من أوهامها؛ يميز بين الدين وتوظيفه السياسي، بين التراث وقراءاته المغلقة، بين العروبة كفضاء ثقافي والقومية كأيديولوجيا، بين المجتمع وأنظمة القهر التي حكمته.
أما المازوخية الهوياتية فتصهر كل هذه الفوارق في كتلة واحدة، ثم تصدر عليها حكما كليا وحاسما: هذه الهوية لا تنتج إلا التخلف.
ولذلك، فخطورة هذا النمط لا تكمن في قسوته فحسب، بل في كسله التحليلي العميق. فالقول بأن العرب متخلفون لأنهم عرب أسهل بكثير من تفكيك علاقة الاستبداد بالمعرفة، والاقتصاد بالسياسة، والفقه بالمؤسسة. المازوخية الهوياتية تبدو نقدًا حادا، لكنها في جوهرها اختصار متوتر يتهرب من تعقيد العالم بدل أن يواجهه.
نحو معايير تمييزية
يمكن تحديد خمس علامات تقارب بها الظاهرة: اختزال أسباب التخلف كلها في الهوية دون الشروط التاريخية؛ غياب أي تحليل جاد للبنى السياسية والمؤسسية؛ اعتبار نجاح الآخر دليلًا مباشرًا على فساد الذات لا على اختلاف الشروط التاريخية؛ تكرار الإدانة بوصفها غاية لا مقدمة للإصلاح؛ وأخيرًا تحول النقد إلى موقع أخلاقي يمنح صاحبه شعورًا بالبراءة من جماعته.
خاتمة: بين الوعي التاريخي والقلق المتكرر
ليست المشكلة في أن ينتقد العربي أو المسلم تاريخه ومؤسساته وسلطته الدينية والسياسية؛ المشكلة تبدأ حين يتحول النقد إلى طقس إذلال رمزي، وحين تصبح الهوية متهما أبديا محروما من حق الدفاع عن تعقيده التاريخي. عندها لا نكون أمام نقد إصلاحي ولا أمام وعيٍ تاريخي بل أمام آلية دفاع نفسي؛ وانسلاخ وجودي؛ وقلق حضاري يعيد إنتاج نفسه بصورة عداء دائم للذات.
نحن نحتاج إلى مفهوم " المازوخية الهوياتية " لأنه يسمي منطقة رمادية تفلت من المفاهيم الأخرى: منطقة يتحول فيها القلق الوجودي أمام الآخر إلى جلد للذات، ويتحول جلد الذات إلى تعويض رمزي، وتتحول الهوية إلى علة أبدية للتخلف. إنها أعمق من الاستلاب، وأعمق من جلد الذات العابر: إدانة متكررة للهوية، وطلب للبراءة عبر إيذاء الذات الحضارية ذاتها.



#عبد_القادر_موحد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الثورة إلى الدولة: المثقف السوري في زمن التحوّل
- من المنفى إلى السلطة: هل للمثقف مكان في السياسة؟
- نحن بخير
- بين الأسطورة والحقيقة الوطنية: مأزق الهوية في سوريا
- حين رأيت الله طفلا
- ثالثةً من الرماد
- سوريا في اللحظة التأسيسية: بين الفراغ السياسي وإمكان البناء ...
- بعد سقوط النظام: لسنا منتصرين بعد
- لاهوت التاريخ وسياسة العقيدة: قراءة مركبة للانقسام الطائفي ف ...


المزيد.....




- روسيا تشن هجوما صاروخيا باليستيا على كييف عشية قمة الناتو
- إعلام أوكراني: دوي انفجارات قوية تهز كييف
- كاتب إسرائيلي: المؤشرات الآتية من تركيا لا تبشر بالخير بالنس ...
- الخارجية الروسية: لن يكون هناك حوار مع أوروبا ما لم تأخذ مصا ...
- -ذا سبيكتيتور-: حظر RT في بريطانيا شعور بعدم الأمان وحظر -ما ...
- أزمة -سلطة البث- ليست -سوى البداية-.. معركة دستورية مقبلة في ...
- الدفاع الجوي الروسي يسقط 7 مسيرات كانت متجهة إلى موسكو
- هل اقترب -الزلزال الكبير-؟ دراسة تدق ناقوس الخطر في ولاية كا ...
- مندوب روسيا: لا توجد آلية لاستبعاد روسيا من منظمة الأمن والت ...
- الناتو في عهد ترمب.. من تحالف دفاعي إلى -صفقة تجارية-


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد القادر موحد - المازوخية الهوياتية: حين يتحول نقد الذات إلى عداء دائم للهوية