عبد القادر موحد
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 08:28
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لا تبدأ مشكلة قراءة التاريخ الطائفي في الإسلام من نقص الوقائع، بل من الطريقة التي تقرأ بها هذه الوقائع. فكثير من المقاربات تميل إلى رد الظواهر المعقدة إلى سبب واحد مكتف بذاته؛ فتتأرجح بين قراءة ترى في نشوء المذاهب والفرق امتدادا للصراع السياسي على السلطة، وأخرى تعتبرها نتاجا عقديا صرفا منفصلا عن شروط التاريخ وتحولات المجتمع. وعند هذا الاختزال يفقد التحليل توازنه وقدرته على الإمساك بالطبيعة المركبة للظاهرة، وعلى بناء تصور معرفي يفسر تداخل الدين بالسلطة، والعقيدة بالذاكرة، والتاريخ بالهوية.
في هذا السياق تكشف التجربة الإسلامية عن علاقة أكثر تركيبا بين الديني والسياسي؛ علاقة لم تقم على انفصال تام، ولا على تبعية أحدهما للآخر، بل على تداخل وتأثير متبادل تشكل داخل حركة التاريخ نفسها.
وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: أيهما يسبق الآخر، الدين أم السياسة؟ بل يصبح: كيف يتداخلان داخل التاريخ؟
تزداد صعوبة هذا السؤال حين ننتبه إلى أن الفصل الحاد بين الديني والسياسي فصل حديث لا يمكن إسقاطه بسهولة على مجتمعات ما قبل الحداثة. حيث أن السلطة لم تفهم بوصفها شأنا إداريا محضا، بل كانت متصلة بتصورات أوسع عن الشرعية، والعدل، والطاعة، ومعنى الجماعة.
وفي عالم تشكلت فيه أدوات التحليل تحت تأثير المناهج الحديثة، انحاز كثير من الباحثين إلى تقديم العامل السياسي بوصفه المدخل الأكثر واقعية لفهم الانقسام المذهبي. فقد أسهمت المقاربات المادية والاجتماعية في ترسيخ النظر إلى الدين بوصفه انعكاسا للبنى الاقتصادية والسياسية، وإلى العقائد بوصفها أدوات رمزية تستعمل لتبرير السلطة أو مقاومة الهيمنة. كما غذى هذا الميل رد فعل نقدي تجاه تاريخ طويل من توظيف المقدس في تثبيت الحكم، ومنح العنف والاستبداد غطاء دينيا.
لا شك أن هذه القراءة تكشف جانبا مهما من علاقة السلطة بالمقدس، ومن قدرة السياسة على إعادة توجيه الخطاب الديني. غير أن مشكلتها تبدأ حين تتحول من أداة تحليل إلى تفسير شامل.
فالمذاهب لا تتحول إلى هويات راسخة لأن السلطة فرضتها فقط، بل لأن الجماعات وجدت فيها تفسيرا للعالم، ومعنى للعدالة، وصيغة لفهم الذات والتاريخ.
على الضفة المقابلة، تقع بعض القراءات التراثية في اختزال معاكس حين تتعامل مع الخلافات العقدية وكأنها نشأت داخل فضاء لاهوتي معزول عن الدولة والمجتمع والتحولات التاريخية. وبهذا تتحول الأفكار إلى كيانات مجردة تتحرك خارج شروط الواقع، رغم أن الأسئلة الكلامية والفقهية نفسها كانت تتشكل داخل سياقات سياسية واجتماعية محددة.
لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة تتجاوز الفصل الحاد بين الديني والسياسي، وتنظر إلى العلاقة بينهما باعتبارها علاقة تفاعل وتأثير متبادل. فالسلطة تسهم أحيانا في ترسيخ بعض التأويلات ومنحها حضورا مؤسسيا، بينما تمنح العقيدة السياسة لغة الشرعية، وحدود الطاعة، وصورة الجماعة العادلة. لكن العلاقة لا تسير دائما من السياسة إلى الدين؛ فقد يبدأ المسار من التأويل الديني نفسه، حين ينتج فهما مختلفا لمعنى الشرعية والعدالة والجماعة، ثم يتحول هذا الفهم إلى حدود رمزية للانتماء، قبل أن يغدو موقفا سياسيا أو صراعا اجتماعيا متجددا.
من الأزمة السياسية إلى الذاكرة المؤسسة
بدأت الأزمة الإسلامية الكبرى بعد مقتل عثمان بن عفان بوصفها أزمة مركبة تتعلق بالشرعية والعدالة ووحدة الجماعة. غير أن اختزال تلك اللحظة في مجرد صراع على السلطة يفقدها أبعادها الفكرية والأخلاقية، كما أن تصويرها بوصفها خلافا دينيا خالصا يعزلها عن شروط القوة والسياسة. فالمسألة الأعمق لم تكن فقط: من يحكم؟ بل: كيف تصان الشرعية في لحظة اضطراب؟ وكيف يقام العدل حين تكون الجماعة نفسها مهددة بالانقسام؟
من هنا لا يمكن فهم الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان بوصفه تنازعا سياسيا محضا، ولا بوصفه اختلافا فقهيا مجردا. فقد ارتبط موقف علي بتقدير يرى أن استعادة وحدة الجماعة وانتظام السلطة شرط ضروري لإقامة العدل وتنفيذ القصاص؛ إذ لا يمكن للعدالة أن تتحقق خارج نظام قادر على ضبط الفتنة ومنع توسعها. في المقابل، استند موقف معاوية إلى مركزية القصاص لعثمان بوصفه واجبا لا يجوز تأجيله، لكنه تحول، في الوقت نفسه، إلى مدخل لمساءلة شرعية السلطة الجديدة وإعادة ترتيب الولاء السياسي حول مطلب الثأر والإنصاف.
هنا يظهر التداخل العميق بين الديني والسياسي. فالمطالبة بالقصاص لم تكن مجرد أداة سياسية بلا مضمون أخلاقي، لكنها لم تبق أيضا مسألة أخلاقية مجردة خارج صراع الشرعية. وكذلك كان حفظ وحدة الجماعة موقفا سياسيا، لكنه استند إلى تصور ديني وفقهي للمصلحة ودرء الفتنة. ومن ثم، لم يكن الخلاف بين الطرفين صراعا بين الدين والسياسة، بل بين تأويلين مختلفين للواجب في لحظة تاريخية مضطربة: تأويل يجعل انتظام الجماعة شرطا لإقامة العدل، وتأويل يجعل إنفاذ العدالة شرط لاكتمال الشرعية.
ومن هذه اللحظة بدأ الحدث التاريخي يتحول تدريجيا إلى ذاكرة مؤسسة. فمع تكرار إعادة تفسير هذه الأحداث داخل الجماعات، تحولت الوقائع السياسية إلى سرديات تؤسس للهوية والانتماء. فالحدث التاريخي، حين يستقر في الذاكرة الجمعية، لا يبقى واقعة عابرة، بل يصبح معيارا لفهم الحق والباطل، وصيغة لتحديد الولاء والبراءة. ومن هنا لا تعود الطائفة مجرد مذهب أو رأي ديني، بل تصبح ذاكرة منظمة وطريقة مخصوصة في ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين النص والتاريخ، وبين الجماعة والعالم.
التأويل الديني بين الجدل الداخلي والتشكل الحضاري
لا يقتصر تداخل العقيدة بالتاريخ على لحظة الفتنة الأولى أو على تشكل الذاكرة الطائفية، بل يظهر أيضا في الجدل الكلامي الذي عرفه الفكر الإسلامي لاحقا. فالخلاف بين المعتزلة والأشاعرة، مثلا، لا يمكن اختزاله في كونه انعكاسا مباشرا لصراع سياسي، لأنه دار حول أسئلة فكرية حقيقية تتعلق بطبيعة الصفات الإلهية، وحدود العقل، والحرية الإنسانية، والعلاقة بين القدرة الإلهية والمسؤولية الأخلاقية.
صحيح أن السلطة تدخلت أحيانا في هذا المجال، كما حدث في محنة خلق القرآن، غير أن تدخلها لا يعني أنها خلقت الخلاف .
وهذا يؤكد أن العقيدة ليست دائما غطاء لاحقا للصراع السياسي، بل قد تكون منتجة لتصورات مختلفة عن الإنسان والعدل والسلطة والمعرفة؛ وهي تصورات يمكن، حين تستقر داخل جماعات ومؤسسات وتقاليد تعليمية، أن تتحول إلى حدود رمزية وانقسامات اجتماعية وسياسية.
ومن ناحية أخرى، فإن هذه البنية الفكرية لم تتشكل في عزلة حضارية مغلقة. فمع اتساع العالم الإسلامي، دخل المسلمون في تفاعل واسع مع الفلسفة اليونانية، واللاهوت المسيحي، وبعض التراثات الفارسية والغنوصية. وقد ساهم هذا التفاعل في تشكيل اللغة التي صيغت بها بعض الأسئلة الدينية، مثل مفاهيم الجوهر والعرض والسببية والعقل والصفات. والمقصود هنا ليس رد الخلافات الإسلامية إلى مؤثرات خارجية، بل بيان أن اللغة الدينية نفسها تشكلت داخل فضاء حضاري واسع، وأن التأويل العقدي لم يكن نتاج السياسة وحدها، بل ثمرة تفاعل بين النص، والعقل، والذاكرة، والتراثات الفكرية المحيطة.
بهذا المعنى فان السياسة لم تكن العامل الوحيد في إنتاج الانقسام، كما أن العقيدة لم تتشكل في فراغ خالص. لقد نشأت كثير من التصورات المذهبية والكلامية من تداخل معقد بين أسئلة دينية داخلية، وصراعات اجتماعية، وتفاعلات حضارية، وحاجات جماعية إلى بناء المعنى والتميز والشرعية.
العقيدة ومحركات السلوك الطائفي المعاصر
ولا تقتصر أهمية هذا التحليل على فهم نشأة الفرق والمذاهب في الماضي، بل تمتد أيضا إلى تفسير جانب من السلوك الطائفي في الحاضر. فكثير من القراءات المعاصرة تميل إلى تفسير السلوك الطائفي الراهن من خلال العوامل الاقتصادية والسياسية وحدها: الصراع على الدولة، توزيع الموارد، الخوف من التهميش، الذاكرة الأمنية، أو التنافس على النفوذ. ولا شك أن هذه العوامل حاضرة بقوة، بل لا يمكن فهم الطائفية المعاصرة دونها. غير أن الاقتصار عليها وحدها يظل قاصرا؛ لأنه يتجاهل أن الإنسان لا يتحرك فقط بدافع المصلحة، بل يتحرك أيضا بدافع المعنى الذي يمنح تلك المصلحة شكلا أخلاقيا ورمزيا.
فالعقيدة، حين تتحول إلى هوية جماعية، لا تبقى تصورا نظريا عن الله والعالم، بل تصبح إطارا يحدد كيف ترى الجماعة نفسها، وكيف تفهم الآخر، وكيف تفسر الخطر والظلم والنجاة والعدالة. ولهذا قد يصبح السلوك الطائفي مدفوعا لا بالمصلحة السياسية المباشرة وحدها، بل أيضا بصورة دينية متوارثة عن الحق والباطل، وعن الجماعة الناجية، وعن الخيانة والولاء، وعن الماضي الذي لم ينتهِ بعد. هنا لا تكون العقيدة مجرد قناع خارجي للصراع، بل جزءا من البنية الداخلية التي تجعل الصراع مفهوما ومشروعا في وعي أصحابه.
وهذا لا يعني أن العقيدة تنتج السلوك الطائفي بصورة آلية أو حتمية، ولا أن النصوص الدينية تقود بالضرورة إلى الانقسام والعنف. فالعقيدة لا تتحرك وحدها خارج التاريخ، بل تتشكل داخل مؤسسات وخطابات ومناهج تعليمية وذاكرات جماعية وتجارب خوف أو اضطهاد أو امتياز. لكنها، مع ذلك، ليست عنصرا ثانويا يمكن تجاهله. فقد تتحول بعض التصورات العقدية، حين تقرأ داخل سياقات الصراع، إلى طاقة تعبئة قوية، لأنها تمنح الجماعة شعورا بأنها لا تدافع فقط عن مصلحة سياسية، بل عن حقيقة، وعن تاريخ، وعن معنى وجودها نفسه.
ومن هنا يمكن فهم جانب من صلابة السلوك الطائفي المعاصر فهو لا يستمر فقط لأن هناك قوى سياسية تستثمره، بل لأنه يجد في الوعي الجماعي قابلية رمزية للتجدد تغذي استمراريته.
فالخطاب السياسي يستطيع أن يوقظ الذاكرة، لكنه لا يخلقها من العدم؛ ويستطيع أن يوظف العقيدة، لكنه لا يمنحها القوة العاطفية إلا لأنها متجذرة مسبقا في سرديات الانتماء والخوف والنجاة.
بالتالي فان الاقتصاد والسياسة يحددان كثيرا من شروط الصراع، لكن العقيدة والذاكرة والهوية تحدد كيف يفهم هذا الصراع، وكيف يبرر، وكيف يتحول من تنافس على المصالح إلى معركة على المعنى والوجود. ولذلك فإن معالجة الطائفية لا يمكن أن تقتصر على إصلاح الاقتصاد أو تقاسم السلطة، رغم أهمية ذلك، بل تحتاج أيضا إلى تفكيك البنى الرمزية التي تجعل الآخر تهديدا وجوديا، وتجعل الاختلاف العقدي حدودا نهائية بين الجماعات.
أخيرا: حين يتحول الإيمان إلى تاريخ
إن التاريخ الديني ليس فضاء تتحرك فيه الأفكار بمعزل عن العالم، ولا ساحة تحكمها المصالح وحدها، بل مجال تتشابك فيه العقيدة مع التجربة الإنسانية حتى يصبح الفصل بينهما أمرا شديد الصعوبة. فالإنسان لا يعيش خارج المعنى، كما أنه لا يخوض صراعاته خارج التاريخ.
ومن هنا فإن فهم الانقسامات الطائفية في الإسلام يقتضي تجاوز الثنائية التقليدية بين السياسي والعقدي، والنظر إليها بوصفها ظاهرة حضارية مركبة تشكلت من تفاعل الإيمان مع الذاكرة والسلطة والهوية. فالطوائف لم تكن مجرد نتائج لصراع سياسي، ولا مجرد امتدادات لخلافات لاهوتية خالصة، بل كانت تعبيرا عن الكيفية التي حاولت بها الجماعات الإسلامية فهم العدالة والشرعية والنجاة ومعنى الانتماء داخل التاريخ.
ولعل خطورة التاريخ الطائفي تكمن في أنه لا يترك الماضي في الماضي؛ فهو يحول الوقائع إلى ذاكرات، والذاكرات إلى هويات، والهويات إلى قوة قادرة على تشكيل المواقف والحدود والصراعات. ومن هنا، فإن فهم الانقسام الطائفي لا يعني تبريره، بل تفكيك الشروط التي جعلت الإيمان، حين دخل التاريخ، يتحول أحيانا إلى لغة للنجاة، وأحيانا إلى ذاكرة للجرح، وأحيانا إلى سلطة رمزية تعيد ترتيب العالم الاجتماعي والسياسي. فليس ما يؤمن به الإنسان منفصلا عما يعيشه، ولا ما يعيشه قادرا على الاستمرار في الوعي الجمعي ما لم يجد لغة تفسره، وسردية تحفظه، ومعنى يبرر بقاءه.
#عبد_القادر_موحد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟