عبد القادر موحد
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 06:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
1- سقوط النظام لا يعني انتصار الثورة
بالنسبة لنا، نحن أبناء هذه الثورة، كان سقوط نظام الأسد أشبه بانفتاح قبر على حياة جديدة ،فرح غامر يشوبه قلق،أمل معجون بالحسرة ، ارتقاء وغضب ، كل المشاعر التي عانينها على مدار عقود تنفست ودمشق تنفست، السجون والمخيمات تنفست وشهداء الكيماوي تنفسوا .
في تلك اللحظة، لم نبك فرحا فقط. بكينا لأن الذاكرة كلها انفجرت دفعة واحدة.
عادت وجوه الذين غابوا ولم يعودوا. عادت أسماء الأصدقاء الذين خرجوا ذات يوم ولم يصلوا إلى بيوتهم. عادت المدن التي احترقت وهي تصرخ. عادت الأمهات اللواتي علّقن أعمارهن على باب سجن، أو على خبر، أو على معجزة صغيرة تؤجل الانهيار.
شعرنا أن الذين ماتوا تعذيبا أو قصفا أو قهرا وكمدا كلهم يصرخون فينا الآن ، وأن الذين ابتلعهم البحر أو المنفى أو المقابر الجماعية، يمدون عيونهم .بترقب وتحذير
حين سقط النظام، ظن كثير منا أن الثورة انتصرت .ولنا العذر كله في هذا الظن.
فمن عاش سنوات طويلة في وطن يذبح ، لا يستطيع أن يكون محايدا ولا يستطيع أن يتعامل مع سقوط جلاده ببرودة المؤرخين.
لم نكن نراقب المشهد من الخارج، كنا جزءا من حريقه. لم تكن الثورة بالنسبة لنا نظرية سياسية، بل تجربة وجودية كاملة؛ تجربة أعادت تعريف الإنسان السوري لنفسه، ولخوفه، ولعلاقته بالكرامة والمعنى والوطن.
اليوم وبعد أكثر من أمل وأقل من يأس . لسنا واثقين أن الثورة انتصرت بمقدار ثقتنا بزوال الأسد
سقط الطغيان، نعم. وانكسر جدار هائل من الخوف، نعم. لكن الثورة لم تكن يوما مجرد معركة لإسقاط رجل أو استبدال سلطة بأخرى
الثورة، في جوهرها العميق، كانت محاولة لاستعادة الإنسان السوري من العدم. لاضفاء معنى وهدف على الوجود ، كانت ثورة على اللزوجة والعتمة ، على الانكفاء والتردد ، على استلاب الانسان .
كانت صرخة شعب أرادوه رقما رقما في سجلات الأجهزة، مادة خاما للخوف،
وكائنا لا معنى له بذاته، كانت محاولة لاستعادة المعنى نفسه.
نحن لم نثر فقط ضد سلطة.
ثرنا ضد الإهانة حين تتحول إلى نظام حكم.
2- الدولة وسيلة لا معبد: الثورة كضمير للمرحلة الجديدة
الدولة، مهما عظمت شعاراتها، ومهما اشتدت حاجتنا إليها بعد الخراب، لا يجوز أن تتحول إلى غاية نهائية تُبتلع في سبيلها كرامة الناس وحقوقهم وآلامهم. الدولة وسيلة، لا معبد. وقيمتها لا تقاس بقدرتها على فرض النظام فقط، بل بقدرتها على صيانة الإنسان الذي قامت الثورة من أجله: الإنسان الخائف، والمقهور، والمغيب، والمهجر، والفقير، والمكسور، الانسان الحالم وحقه أن يحلم.
عندما تصبح الدولة أهم من الإنسان، نخسر المعنى من حيث نظن أننا نبنيه.
الإحباط ليس خيانة للثورة، بل هو الشكل الأكثر صدقا للوفاء لها.
الذي يحزن اليوم لم يندم على الثورة، بل اعتنقها أكثر حد الثمالة ، والذي يغضب لا يريد خراب البلاد، بل يخاف أن تضيع التضحيات في دهاليز السياسة، وأن يتحول الدم العظيم الذي سفك إلى ذكرى تستدعى في المناسبات.
والذين يسألون اليوم: أين العدالة؟ أين حقوق الناس؟ أين وعود الكرامة؟ ليسوا أعداء المرحلة، بل أبناءها الحقيقيون. لأن من دفع عمره ثمنا للحرية لا يستطيع أن يتعامل مع الحرية بوصفها شعارا سياسيا أو خطابا احتفاليا.
ومن هنا تبدأ المسؤولية الكبرى للسلطة الجديدة.
فالدولة لا تبنى عبر القطيعة مع الثورة، ولا عبر التصرف وكأن الثورة كانت مجرد وسيلة مؤقتة للوصول إلى الحكم ثم يجب وضعها جانبا. الدولة العادلة لا تولد من نسيان الوجع، بل من الاعتراف به، ومن تحويله إلى قانون، ومؤسسات، وعدالة، وحقوق مصونة لا يستطيع أحد أن يسحقها مرة أخرى.
الحديث عن الانتقال من (منطق الثورة) إلى (منطق الدولة) قد يكون صحيحا وضروريا إذا فهم في سياقه العميق. نعم، لا يمكن لوطن أنهكته الحرب أن يبقى إلى الأبد أسير التعبئة والانفعال والصدام المفتوح. الدولة تحتاج إلى مؤسسات، وإدارة، وقانون، واستقرار، وعقل بارد قادر على البناء لا الهدم.
لكن الخطر يبدأ عندما يتحول (منطق الدولة ) إلى ذريعة باردة لتأجيل العدالة.
عندما يطلب من الضحية أن تصبر أكثر.
ومن أمّ المفقود أن تنتظر أكثر.
ومن المهجر أن يؤجل حلم العودة أكثر.
ومن جمهور الثورة أن يصمت أكثر، لأن (الوقت غير مناسب).
هنا يبدأ المعنى بالتآكل.
لأن التحول المطلوب يجب أن يكون في الأدوات، لا في المبادئ.
في الوسائل، لا في الغايات.
في شكل العمل، لا في روح القضية نفسها.
نحن لا نريد أن تبقى البلاد معلقة إلى الأبد في لغة الميادين، لكننا نرفض أن تتحول الدولة إلى مقبرة باردة للثورة. لا نريد للفوضى أن تبتلع الوطن من جديد، لكننا لا نقبل أن يصبح الخوف من الفوضى مبررا لدفن العدالة حيّة.
إن الفرق هائل بين أن تغادر الثورة أدواتها القديمة، وبين أن تغادر روحها.
أن تتحول الثورة إلى دولة لا يعني أن تنسى دماءها، بل أن تمنح تلك الدماء معنى أخلاقيا ومؤسسيا يحمي الأجيال القادمة من تكرار المأساة. لا يعني أن تتوقف عن السؤال، بل أن تجعل السؤال حقا مقدسا لا جريمة. لا يعني أن تطفئ غضبها الأخلاقي، بل أن تحوله إلى قضاء عادل، ورقابة، ومحاسبة، وعدالة انتقالية، وعقد وطني جديد لا يشعر فيه السوري أنه غريب في وطنه.
الدولة التي تنسى لماذا قامت الثورة أصلا، وتتعامل مع مطالب الناس بوصفها عبئا على الاستقرار، لا تبني استقرارا حقيقيا. إنها تبني صمتا يسبق الانهيار.
فالاستقرار الذي يقوم فوق ذاكرة مكسورة، وضحايا غير منصفين، وحقوق مؤجلة، ليس سلاما؛ بل هدنة مؤقتة مع الألم.
ونحن أبناء الثورة، لا نريد خراب الدولة. لقد رأينا الخراب أكثر مما يحتمل البشر. رأيناه في البيوت التي صارت ركاما، وفي المدن التي تحولت إلى خرائط من الغياب والوحشة، في أطفال لا يعرفون من الوطن إلا الخيمة أو المنفى أو صورة أب المعلقة على الجدار.
نحن أكثر الناس خوفا من الفوضى، لأن الفوضى مرت فوق أجسادنا ومزقت أرواحنا.
تمسكنا بأهداف الثورة ليس دعوة إلى الهدم، بل محاولة لحماية البلاد من أن تعود إلى الدائرة نفسها التي خرج السوريون لكسرها ذات يوم.
نحن نريد دولة، نعم.
لكننا لا نريد أي دولة.
نريد دولة لا تخاف من ذاكرة الناس.
دولة لا تعتبر العدالة تهديدا للاستقرار.
دولة لا تطلب من الضحية تابيد وصفها كضحية .
دولة تفهم أن الشرعية لا تصنع من سقوط النظام ، بل من بناء ثقة جديدة مع الناس؛ ثقة قائمة على الحقوق لا على الخوف، وعلى المواطنة لا على الولاء، وعلى الكرامة لا على الصمت.
نريد دولة تعرف أنها وجدت من أجل الإنسان، لا أن الإنسان وجد من أجلها.
في المقابل، على الثورة نفسها أن تنضج دون أن تشيخ.
فليس كل غضب حكمة، وليس كل رفض مشروعا، وليس كل من يصرخ باسم الثورة يحمل بالضرورة مستقبلا أفضل. الثورة مطالبة اليوم بأن تنتقل من رد الفعل إلى الرؤية، ومن العفوية إلى التنظيم، ومن الاحتجاج وحده إلى القدرة على حماية الدولة من الانهيار، وحماية الثورة نفسها من التحول إلى مجرد ذاكرة مجروحة.
لكن أن تنضج الثورة لا يعني أن تروّض.
وأن تدخل زمن الدولة لا يعني أن تدفن في أرشيف الاحتفالات الوطنية.
بل يعني أن تصبح ضمير الدولة الحي.
ذلك الصوت الذي يذكر أي سلطة، مهما كانت نواياها، بأن الناس لم يخرجوا كي ينتقلوا من خوف إلى خوف، ولا من طاعة إلى طاعة، بل خرجوا لأنهم أرادوا أن يكونوا مواطنين في وطن، لا ظلالا تعيش على هامشه.
إن أخطر وهم بعد سقوط النظام هو الاعتقاد أن الثورة انتصرت
فالثورات قد تهزم بعد انتصارها الأول، لا لأنها عجزت عن إسقاط الطغيان، بل لأنها عجزت عن منع عودته بوجه جديد، ولغة جديدة، وأدوات أكثر نعومة.
وقد يبدأ ذلك كله بصمت صغير.
بتأجيل صغير.
بتنازل يقدم مرة واحدة من أجل المرحلة
ثم تتحول المرحلة إلى عمر كامل من الانتظار.
ونحن في هذه البلاد تعبنا من الانتظار.
تعبنا من الأوطان المؤجلة.
ومن العدالة المؤجلة.
ومن الحياة المؤجلة.
لذلك لا بد أن نقولها بوضوح، لا بدافع اليأس، بل بدافع الحرص على ألا تضيع المعجزة التي صنعها السوريون بدمائهم:
لقد سقط النظام، نعم.
لكن الثورة لم تنتصر بعد.
فالانتصار الحقيقي ليس لحظة السقوط ، بل لحظة ارتقاء الانسان.
ليس لحظة رفع الصوت، بل لحظة سقوط الخوف.
ليس لحظة تبدل السلطة، بل لحظة تبدل الهوية.
ليس يوم يهرب الطاغية، بل يوم يعود السوري الى ذاته والى وطنه.
حتى ذلك اليوم، ستبقى الثورة مشروعا مفتوحا على الأمل والألم معا.
وستبقى وصية الذين رحلوا معلقة في أعناقنا:
ألا نسمح للدم العظيم أن يتحول إلى مجرد ذكرى،
ولا للحلم الكبير أن ينتهي عند أول باب فتح في جدار السجن.
لأن المعارك الكبرى لا تنتهي حين يسقط الجدار،
بل حين يبنى وطن لا يحتاج فيه الإنسان إلى ثورة جديدة كي يعامل كإنسان.
ضد الخوف حين يصبح أسلوب حياة.
ضد بلد الصمت من أجل النجاة.
ولهذا، فالثورة لا تنتصر يوم يسقط القصر، بل يوم تسقط الشروط التي جعلت القصر قادرا على ابتلاع البلد أصلا.
تنتصر الثورة عندما تتلقف أم بقايا من ذكرى ابنها
عندما يغفو الشهيد مطمئنا الى أولاده
عندما يعود المهجر إلى بيته لا إلى خيمة أقل بؤسا.
عندما تكون كرامة السوري جوهرا وليس منحة.
عندما يصبح القانون حماية وعقدا وليس سلاحا.
عندما لا يحتاج السوري إلى الخوف كي ينجو، ولا إلى النفاق كي يعيش، ولا إلى الصمت كي يحافظ على لقمة أولاده.
عندما تكون البلد لنا جميعا وأما تحضننا لا هوة تمتصنا
اليوم، وبعد أكثر من ستة عشر شهرا على سقوط النظام، غصة تخنق ، وجراح تنكأ فرحنا وتهز اليقين
المخيمات ما تزال قائمة، كأن الحرب نسيت أن تنتهي.
والمغيبون ما زالوا معلقين بين الحياة والموت، بين الذاكرة والنسيان.
العدالة وجبر الضرر معلقان على شماعة الواقعية والسياسة الدولية
والعفن المكبوت في زوايا القمع يتفجر
أحلام كبيرة تتآكل أمام بطء الواقع، وقسوة التفاصيل، واتساع المسافة بين اللغة الرسمية وحياة الناس الحقيقية.
نسمع حديثا كثيرا عن الدولة، لكن الناس ما تزال تسأل عن البيت، والخبز، والأمان، والعدالة، وعن حقها في أن تشعر أن هذا الوطن لها فعلا، لا مجرد مكان تدار فيه حياتها من فوق.
الهدف الأسمى للثورة لم يكن الدولة في ذاتها، بل الإنسان.
#عبد_القادر_موحد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟