أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد القادر موحد - سوريا في اللحظة التأسيسية: بين الفراغ السياسي وإمكان البناء الديمقراطي














المزيد.....

سوريا في اللحظة التأسيسية: بين الفراغ السياسي وإمكان البناء الديمقراطي


عبد القادر موحد

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 15:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تعيش سوريا اليوم واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث؛ لحظة لا يمكن فهمها بوصفها مجرد انتقال سياسي من نظام استبدادي إلى سلطة جديدة، بل باعتبارها مفترق طرق حقيقي بين احتمالين متناقضين: إما إعادة إنتاج المأساة بأشكال مختلفة، أو الشروع في تأسيس مشروع وطني ديمقراطي يعيد بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة.
فالواقع السوري الراهن لا يعكس انتصارا ديمقراطيا متراكما بقدر ما يكشف عن فراغ سياسي نشأ مع انهيار النظام القديم، دون أن تتمكن القوى الديمقراطية حتى الآن من ملئه بصورة منظمة وفاعلة. وقد أفسح هذا الفراغ المجال أمام سلطة انتقالية تستند إلى شرعية الأمر الواقع أكثر مما تستند إلى عقد سياسي جامع أو تفويض شعبي واسع. وهي شرعية تقوم، إلى حد كبير، على نتائج اللحظة السابقة ونشوة الانتصار، أكثر مما تقوم على تصور واضح للمستقبل أو مشروع وطني متكامل، الأمر الذي يجعل تماسك هذه السلطة واستمراريتها موضع اختبار دائم.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى بناء تحالف ديمقراطي واسع قادر على تحويل التعدد داخل الطيف الديمقراطي السوري من مصدر انقسام إلى عنصر قوة وتجدد. فتنوع الرؤى والمقاربات ليس مشكلة بحد ذاته، بل يمكن أن يشكل رافعة سياسية حقيقية إذا جرى تنظيمه ضمن إطار وطني مشترك ، يقوم على الحد الأدنى من التوافق والالتزام الجماعي تجاه مشروع وطني جامع ، يسعى لتحويل الخبرات الإدارية والمجتمعية المحلية المتراكمة إلى رصيد وطني عام.
أما في غياب مثل هذا الإطار، فإن الاختلافات مرشحة للتحول إلى صراعات داخلية تستنزف القوى الديمقراطية وتفقدها صدقيتها، بما يفتح المجال مجددا أمام مشاريع سلطوية جديدة قد تعيد إنتاج الاستبداد تحت شعارات الاستقرار أو الواقعية السياسية.
من هنا، فإن الدعوة إلى تحالف ديمقراطي جامع ليست ترفا فكريا أو طموحا نخبويا، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة وخطورة الانهيار القائم. وتحقيق ذلك يتطلب خطابا سياسيا جديدا يقوم على التواضع، والمراجعة النقدية، والاعتراف بالأخطاء، والتخلي عن ثقافة التخوين والاحتكار الأخلاقي التي ساهمت طويلا في إنهاك المجال السياسي السوري.
ورغم وجود نوايا صادقة لدى العديد من القوى الديمقراطية، واستعداد متزايد لإجراء مراجعات حقيقية، فإن ضعف البنية التنظيمية وغياب الأدوات العملية ما يزالان يحدان من قدرتها على التأثير الفعلي. مما يهدد -حال استمر التشتت- بملء الفراغ عبر قوى قد لا تعبر عن تطلعات السوريين ولا عن طموحهم في بناء دولة عادلة وحرة.
إن ما يحتاجه السوريون اليوم ليس برنامجا جديدا للصراع على السلطة، بل مشروع نجاة وطنية يستند إلى وعي عميق بطبيعة اللحظة التاريخية وتعقيدات المرحلة. مشروع يعيد تعريف الدولة بوصفها إطارا لخدمة الإنسان وحماية كرامته وحريته، لا ككيان متعالٍ يحتكر القوة ويخضع المجتمع لإرادته.
كما يتطلب هذا المشروع مقاربة عقلانية للواقع السوري، تتجاوز الخطابات الانفعالية والمقاربات الإقصائية، وتعترف بالمسؤولية المشتركة والمتعددة الأطراف عمّا آلت إليه البلاد، بما يفتح الباب أمام المصارحة بدلا من الإنكار، وأمام الاعتراف بالتعدد بوصفه مصدر غنى وشرطا للاستقرار، لا تهديدا وجوديا ينبغي التخلص منه.
وفي السياق ذاته، تبدو الحاجة ملحة لإعادة صياغة العلاقة بين الدين والمجال العام بصورة ناضجة ومتوازنة؛ صياغة تحافظ على الدور الأخلاقي والروحي للدين داخل المجتمع، دون تحويله إلى أداة للهيمنة السياسية أو الإقصاء الاجتماعي.
إن أي مشروع وطني قابل للحياة اليوم لا يمكن أن يقوم على الأوهام الأيديولوجية أو الشعارات المجردة، بل على العقل باعتباره أداة للفهم، والضمير باعتباره أساسا للمسؤولية، والإنسان باعتباره الغاية النهائية للعمل السياسي.
تعيش سوريا اليوم حالة انهيار شامل يطال بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ غير أن هذا التفكك، على قسوته، قد يفتح فرصة تاريخية نادرة لإعادة صياغة معنى وحدة البلاد. فرصة للانتقال من وحدة مفروضة بالقوة والإكراه إلى شراكة حرة تقوم على الإرادة المتبادلة والاعتراف المتساوي بين جميع المكونات.
إن بناء هذه الوحدة لا يتحقق عبر الشعارات أو الصيغ الشكلية، وإنما من خلال عقد وطني جديد يعيد تعريف الانتماء على أساس المواطنة والكرامة والمساواة، ويؤسس لشراكة فعلية بين مختلف القوى والمناطق والمكونات السورية.
ومن هنا، تبرز أهمية عقد مؤتمر وطني شامل لا يقوم على الإقصاء، بل يضم مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين وممثلي المناطق والمكونات، بما في ذلك القوى المسيطرة على الأرض، باعتبارها جزءًا من واقع لا يمكن تجاوزه أو تجاهله بالقفز فوقه.
فالخطر اليوم لا يكمن فقط في الانقسام، بل في الوهم القائل بإمكانية فرض الاستقرار في غياب عقد اجتماعي جديد يعيد للإنسان السوري مكانته بوصفه شريكًا في صناعة المستقبل، لا مجرد موضوع للحكم والسيطرة.
إن اللحظة السورية الراهنة لا تحتمل مزيدا من التردد أو الانتظار. والمسؤولية التاريخية تفرض على القوى الديمقراطية أن تتقدم برؤية وطنية جامعة تتجاوز منطق التنافس على السلطة، وأن تفرض نفسها شريكًا أساسيًا في صياغة مستقبل البلاد وإعادة بناء العلاقة المقطوعة بين الدولة والمجتمع.
فالقضية اليوم لم تعد تتعلق بمن يحكم، بل بكيفية بناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وتؤسس لعيش مشترك قائم على الكرامة والعدالة والتعدد، وتمنح الأجيال القادمة أفقًا أكثر أمنًا وإنصافًا.
إما أن تنجح القوى الديمقراطية في لعب هذا الدور بروح من المسؤولية والتوافق، وإما أن يُعاد تشكيل مستقبل السوريين بعيدًا عنهم، لتعود المأساة ذاتها في صورة أكثر هدوءا… وأكثر قسوة.



#عبد_القادر_موحد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد سقوط النظام: لسنا منتصرين بعد
- لاهوت التاريخ وسياسة العقيدة: قراءة مركبة للانقسام الطائفي ف ...


المزيد.....




- بين ترامب وبوتين.. من يحظى باستقبال أحر من شي جين بينغ؟
- تايلاند تقلّص مدة الإقامة بدون تأشيرة لأكثر من 90 دولة.. ما ...
- بوتين في الصين مجدداً، ما الذي يجمعه مع شي جين بينغ؟
- هكذا فشلت الحرب في تنصيب أحمدي نجاد قائداً لإيران - نيويورك ...
- بعد زيارة ترامب -محدودة النتائج-.. بوتين وشي يرسخان شراكتهما ...
- -تفوق العرق الأبيض ورموز نازية-.. ماذا كشفت الوثائق التي ترك ...
- الولايات المتحدة والصين تبحثان خفض الرسوم الجمركية المرتفعة ...
- دراسة: حماس توقعت حربًا إقليمية بعد 7 أكتوبر.. لكنها أخطأت ف ...
- غارات إسرائيلية تستهدف حي السراي الأثري في مدينة النبطية وبل ...
- شي لبوتين: استطعنا باستمرار تعميق ثقتنا السياسية المتبادلة و ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد القادر موحد - سوريا في اللحظة التأسيسية: بين الفراغ السياسي وإمكان البناء الديمقراطي