عبد القادر موحد
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 07:43
المحور:
قضايا ثقافية
الهوية ليست مجرد تعريف اجتماعي، وليست بطاقة انتساب تعلق على هامش الإنسان؛ إنها الأرض الرمزية التي يقف عليها لينظر إلى نفسه وإلى العالم.
من خلالها يكتسب شعوره بالتجذر والامتداد، ويدرك تفرده، ويصون تقديره لذاته، ويجد معنى أوليا لوجوده، وجوابا عميقا عن السؤال الأكثر بداهة وتعقيدا في آن واحد: من أنا؟
فالإنسان لا يبدأ من فراغ، بل من ذاكرة، ولغة، ومكان، ووجدان، وحكايات أولى تمنحه صورته الأولى عن نفسه. غير أن هذه القوة العميقة للهوية هي ذاتها ما يجعلها قابلة للتحول إلى أسطورة، حين تنتقل من كونها أرضًا يقف عليها الإنسان، إلى جدار يحتمي خلفه ضد الآخرين.
لكن الهوية، بقدر ما تمنح الإنسان معنى، يمكن أن تتحول إلى عبء حين تنغلق على ذاتها. فهي تبدأ كحاجة إلى الاعتراف، ثم قد تتحول إلى رغبة في الامتياز. تبدأ كذاكرة، ثم قد تتحول إلى سجن. تبدأ كجسر بين الإنسان وجماعته، ثم قد تصير جدارا بينه وبين الآخرين.
هنا تحديدا تظهر الأسطرة: حين لا تعود الهوية تقول "نحن جماعة لها تاريخ وخصوصية وحقوق"، بل تبدأ بالقول"نحن الأصل، نحن الحقيقة، نحن الضحية المطلقة، نحن أصحاب الحق الحصري في تعريف الأرض والتاريخ والوطن".
فالأسطورة تمتلك فاعلية نفسية وسياسية كبيرة، خصوصا في أزمنة الخوف والانكسار والتهديد؛ إذ تمنح الجماعة شعورا بالقوة وقدرة على المقاومة، وتحول الألم إلى رواية، والرواية إلى حق، والحق إلى يقين. إنها تساعد الجماعة على النجاة من الضياع والصهر، لكنها قد تشوش رؤيتها للحقيقة، وتحول الآخر من جنة مارسيل الى جحيم سارتر.
وتكمن جاذبية الأسطورة، بهذا المعنى، في قدرتها الفائقة على تبسيط الواقع المعقد؛ فهي تمنح الجماعات خرائط جاهزة للأصل، والعدو، والمظلومية، والخلاص، وتقدّم مخرجا مريحا من إرباكات الواقع، وتداخل التاريخ، وتشابك الحقوق، وصراع الذاكرات. وبدلا من مواجهة هذا التعقيد، تصوغ الأسطورة رواية أحادية مطمئنة: نحن البداية، ونحن الضحية، ونحن من نملك الحقيقة المطلقة.
هذه البنية الحكائية البسيطة هي التي تمنح الخطاب الأسطوري طاقة هائلة على التعبئة والتحشيد، وتؤمن للجماعات حصانة نفسية ووجدانية في مواجهة محيط تشعر بأنه بارد أو معاد.
غير أن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الفاعلية من وسيلة دفاع رمزي إلى بنية إقصاء؛ فالجماعة التي تؤسطر ذاتها تبدأ من طلب الاعتراف، ثم تنزلق تدريجيا إلى إنكار الآخرين. وقد تبدأ بحماية ذاكرتها، ثم ترفع هذه الذاكرة إلى مقام المرجع الأعلى. وقد تنطلق من إعلان وجودها المشروع، ثم تنتهي إلى احتكار المعنى. عند هذه اللحظة تفقد الهوية بعدها الإنساني، وتتحول من طريق إلى فهم الذات إلى أداة لاحتكار الحقيقة وإقصاء الشركاء في الوجود والمعنى.
وفي سوريا، لم تكن الهويات القومية والدينية مجرد انتماءات اجتماعية هادئة، بل تحولت في مراحل كثيرة إلى سرديات كبرى تتنازع على روح البلاد. هناك من اختصر سوريا في قومية واحدة، ومن قرأها بوصفها امتدادا لجرح تاريخي، ومن رآها حمى دينيا أو طائفيا، ومن جعلها ساحة لخوفه القديم أو مظلوميته المتوارثة. وهكذا اصبحت سوريا، في المخيال الهوياتي المغلق موضوعا لتنافس الأساطير بدل أن تكون وطنا يحتضن الجميع.
تتحول القومية إلى أسطورة حين لا تكتفي بالدفاع عن اللغة والثقافة والحقوق، بل تجعل من ذاتها مركز التاريخ. وحين يصبح الانتماء القومي معيارا للشرعية الوطنية، تغدو الهويات الأخرى كأنها إضافات طارئة أو ضيوفا مؤقتين أو تهديدا لوحدة متخيلة. عندها تتحول القومية من قوة تحرر إلى قفص رمزي لا تطالب بالاعتراف بل تحتكر معنى الاعتراف ذاته.
والدين بدوره حين يغادر أفقه الأخلاقي والروحي، ويصبح هوية سياسية مغلقة يتحول إلى أسطورة. وبدلا من أن يكون نداء للرحمة والعدل وتهذيب السلطة وتكريم الإنسان يتحول إلى متراس وسلاح. يغدوعلامة تمييز بين من ينتمي ومن لا ينتمي، بين من يحق له أن يتكلم باسم الجماعة ومن يدفع إلى الهامش. وحين يمتزج الدين بالخوف الطائفي تعيش الجماعات في حصون نفسية، لا ترى في الآخر وجها إنسانيا، وانما احتمالا دائما للتهديد.
هنا تتبدى المعضلة السورية في أقسى صورها: ليست المشكلة في وجود العروبة أو الكردية أو السريانية أو الإسلام أو المسيحية أو أي انتماء آخر، بل في اللحظة التي تريد فيها كل هوية جزئية أن تفرض نفسها تفسيرا كليا لسوريا.
فتتحول الهويات الفرعية إلى ما يشبه متحفا للصدام المذعور. فالأكثرية الخائفة من تذويب صورتها أو تهميش امتدادها الثقافي والاجتماعي، قد تنزع إلى أسطرة حضورها، محولة هذا الامتداد الطبيعي إلى صك ملكية رمزية لمعنى الوطن. والأقليات الخائفة قدريا، قد تنكفئ داخل حصونها النفسية، فتغدو الهوية درعا دفاعيا قاسيا بدل أن تكون حيزا وجدانيا متدفقا. أما القوميات المجروحة، فقد تختزل تاريخها العريض في لحظة الانكسار، وتعيد إنتاج المظلومية التاريخية كأيديولوجيا مغلقة، فلا تعود تبحث عن عدالة مدنية مشتركة بقدر ما تبحث عن حماية ذاتها من محيط تراه مهددا بالضرورة.
فالحقائق الجزئية، مهما كانت عميقة ومشروعة، لا تستطيع أن تؤسس وحدها حقيقة وطنية جامعة. العروبة حقيقة ثقافية وتاريخية عند جزء واسع من السوريين، والكردية حقيقة لغوية وقومية، والدين حقيقة وجدانية واجتماعية، والطوائف لها ذاكرة وحضور ومخاوف. لكن هذه كلها، حين تنغلق على نفسها، تتحول من حقائق اجتماعية إلى أساطير سياسية تضاد الحقيقة الوطنية .
الهوية الوطنية ليست أسطورة جديدة تضاف إلى الأساطير القديمة. ليست شعارا متعاليا ، ولا قناعا يخفي وجوه الناس، ليست مطحنة تطحن الذاكرات الخاصة لتصنع منها لونا واحدا باهتا.
على العكس فانها تمنح الخصوصيات أفقا أرحب؛ وتضع الذاكرة في حوار مع ذاكرات أخرى؛ تضيف إلى الاسم الأول اسما جامعا يحمي الفرد ويحمي الآخرين.
الهوية الوطنية هي الحقيقة الموضوعية التي تفرضها الحياة المشتركة نفسها: أرض واحدة، مصير سياسي واحد، خوف مشترك، اقتصاد متداخل، ذاكرة متشابكة، وضرورة أخلاقية للعيش معا. إنها اعتراف بما هو قائم فعلا: لا جماعة تستطيع أن تكون سوريا وحدها، ولا ذاكرة واحدة تكفي لتمثيل السوريين جميعا.
الأساطير لا تؤسس حقائق. قد تصنع حماسة، وقد تمنح الجماعة شعورا مؤقتا بالقوة، وقد تعبئ الناس حول جرح أو رمز أو وعد، لكنها لا تبني وطنا. فالأسطورة تنتقي من التاريخ ما يخدمها وتحذف ما يربكها، ثم ترفع الجزء إلى مرتبة الكل. أما الهوية الوطنية فتبدأ من قبول التعقيد. إنها لا تبحث عن نقاء مستحيل، بل عن عدالة ممكنة. لا تحتاج إلى عدو دائم كي تعرف نفسها، بل إلى مواطنين مختلفين يعترفون بأن اختلافهم لا يلغي حقهم المتساوي في الوطن.
ولذلك، فإن بناء هوية وطنية سورية يؤسس أولا على التحرر من جنون الأسطرة. نحتاج إلى عروبة لا تنكر الكردي والسرياني والآشوري والأرمني. ونحتاج إلى كردية ترى في العربي شريكا لا خصما أبديا. ونحتاج إلى تدين يحمي كرامة المختلف بدل أن يحاصره. ونحتاج إلى علمانية لا تحتقر الوجدان الديني للناس. ونحتاج، قبل كل شيء، إلى أخلاق وطنية تجعل الإنسان أسبق من الجماعة، والكرامة أوسع من الهوية، والدولة بيتا عاما لا ملكية رمزية لأي مكون.
الوطن لا يولد حين تنتصر هوية على أخرى، بل حين تقبل الهويات أن تنزل من عرش الأسطورة إلى أرض المشاركة. أن تعترف كل جماعة بأن جرحها حقيقي، لكنه ليس الجرح الوحيد؛ وأن ذاكرتها عميقة، لكنها ليست الذاكرة الوحيدة؛ وأن خوفها مفهوم، لكنه لا يمنحها حق إلغاء خوف الآخرين. عند هذه النقطة فقط تصبح الذاكرة مدخلا للفهم لا سلاحا للاتهام، ويصبح الانتماء الخاص طريقا إلى الوطن لا بديلا عنه.
إن سوريا، في معناها العميق، ليست حكاية جماعة واحدة، ولا مرآة دين واحد، ولا امتداد قومية واحدة. إنها نسيج طويل من العيش المشترك؛ فيه جوار وتوتر، وفيه تبادل وخصومة، وفيه ألم كثير، وأمل لم ينقطع. ومن الظلم أن تختصر هذه البلاد، بكل ما فيها من وجوه وأسماء وصلوات ولهجات ومقابر وأحلام، في أسطورة واحدة تدّعي أنها الأصل النهائي لكل شيء.
ربما تكون المهمة الأولى اليوم هي أن نعيد الهوية إلى حجمها الإنساني. أن نحب هوياتنا من دون أن نعبدها، وأن نصون ذاكرتنا من غير أن نسكن داخلها إلى الأبد. فالانتماء لا يكتمل حين يلغي الآخرين، بل حين يعلّمنا كيف نراهم. وأن نفهم أن الوطنية ليست خيانة للخصوصيات، بل حمايتها من أن تتحول إلى أدوات صراع.
الهويات حين تترك للأسطورة تصبح حدودا داخل الروح، وسوريا اليوم لا تحتاج إلى أسطورة جديدة، بل إلى حقيقة أكثر تواضعا وأعمق: الإنسان السوري، أيا كانت لغته أو قوميته أو دينه أو طائفته، لا ينبغي أن يكون ضيفا في وطنه.
تبدأ الهوية الوطنية: من قبول الاختلاف، واحترام التنوع ,من عهد يقول : لا أحد يملك سوريا وحده، ولا أحد يشكل هويتها وحده، ولا وطن يولد من أسطورة.
الوطن يولد حين تتراجع الأساطير قليلًا، كي يتقدم الإنسان.
#عبد_القادر_موحد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟