أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد رباص - حسن نجمي يحل ضيفا على النسخة الفرنسية لمجلة -زمان- بقبعة الباحث في فن العيطة















المزيد.....


حسن نجمي يحل ضيفا على النسخة الفرنسية لمجلة -زمان- بقبعة الباحث في فن العيطة


أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)


الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 00:07
المحور: الادب والفن
    


أجرت النسخة الفرنسية لمجلة “زمان” مع حسن نجمي، الباحث المختص في فن العيطة، حوارا مستفيضا ونشرته على أعمدة عدد ماي 2026. في الصفحة الأولى من هذا الحوار يطالعنا عنوان بالنبط العريض: “الشيخات واقع اجتماعي مغربي محض”. في ما يلي نعرض مضمون هذا الحوار بنوع من التلخيص وبقدر من التصرف عبر سلسلة من الحلقات.
عن السؤال الأول المتعلق بالفترة التاريخية التي برزت فيها ظاهرة الشيخات، قال حسن نجمي إن هناك وثائق شاهدة على أن العنصر النسوي مارس دائماً الغناء وتعابير أخرى مرتبطة بالصوت والجسد. من هذه المصادر، ذكر الباحث “كتاب الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، ملمحا إلى أن مجتمعاتنا مارست الغناء قبل الإسلام، وأنه راسخ في تاريخنا وثقافتنا. وصول قبائل عربية من الشرق لم يؤد إلى اختفاء هذه الممارسة الفنية، بل جعل ألوانها تتعدد وتتنوع.
أوضح المتحدث أن غناء  ورقص النساء في المغرب القديم كان لهما دور اجتماعي وثقافي مهم، وأن النظرة التقليدية التي تصور هذه الأنشطة كممنوعة أو منبوذة في فترات مثل العصر الموحدي غير دقيقة. كما ابرز كيف أن ظهور المال في نهاية القرن التاسع عشر أحدث تحولًا مهنيًا في هذه الأنشطة، مما أضاف بعدًا جديدًا لتاريخ الغناء والرقص النسائي في المغرب. كما كشف الغطاء عن تعقيد الصورة النمطية السائدة حول هذا الموضوع، مستحضرا مثال الخليفة يعقوب المنصور الذي، عندما ذهب للصلاة عند قبر جده عبد المؤمن في جبال الأطلس، شهد نساء يغنين ويعزفن على الدفوف.
هذا المشهد يتناقض مع النظرة التقليدية التي تصور المجتمع الموحدي كمجتمع صارم يمنع الغناء والرقص، ويقلص من مكانة المرأة. وخلال العصر المريني، كانت فرق السلطان تضم مغنيات شاركن في الغزوات، مما يدل على دور النساء في الحياة الاجتماعية والعسكرية. هذا التقليد استمر مع العلويين، خصوصًا مع السلطان الحسن الأول.
وأكد الباحث المختص في غناء العيطة أن غناء النساء ورقصهن كانا جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي في المدن القديمة مثل لومان، وخاصة في المناطق القروية.
لم يكن الغناء والرقص مجرد ترفيه، بل كانا نشاطًا اجتماعيًا وثقافيًا متأصلًا.،ومع نهاية القرن التاسع عشر، بدأ الغناء والرقص يتحولان إلى مهنة قائمة بذاتها. وأصبح المال عاملاً جديدًا، حيث تحولت هذه الأنشطة من نشاطات عائلية وقبلية إلى نشاطات عامة ومهنية مربحة. وأدى هذا التحول إلى تغيير في طبيعة الغناء والرقص، من نشاطات تقليدية إلى صناعة ترفيهية.
لماذا نهاية القرن التاسع عشر بالتحديد؟ جوابا على هذا السؤال، قال ضيف مجلة “زمان” إن ذلك يرتبط بالتغلغل الأوروبي، الذي كان سببًا في سلسلة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية. ظهرت فكرة رأس المال، وإن كانت بشكل محتشم في البداية، وبدأ المال يتداول. لم تعد المعاملات تتم فقط على شكل مقايضة. تم افتتاح المقاهي وظهرت فرص جديدة لأنشطة مرتبطة بالعمل، ولكن أيضًا بالترفيه. كما شهدنا موجات قوية من الهجرة من العالم القروي، خاصة نحو المدن الساحلية التي كانت في حالة نمو سريع آنذاك. في هذه الفترة، أخذت ظاهرة الشيخات بعدًا جديدًا. فقد وصلن إلى أماكن العروض، وقدمّوا عروضًا في المدن، ولم يعدن يقتصرن على بيئتهن الخاصة.

على مستوى السؤال الرابع، ذكرت مجلة “زمان” الفرنكوفونية ضيفها بأن البعض يربط ظهور مصطلح “الشيخات” بفترة الحماية الفرنسية في المغرب، قبل أن تسأله عن حقيقة هذه الواقعة.
في البداية، قال حسن نجمي إن ذلك ليس دقيقاً، منبها إلى أن هذه الفترة قامت بشكل أساسي بإضفاء الطابع الرسمي على التسمية، من خلال تصنيفها ضمن الأنشطة المهنية المسجلة. لقد ظهر تنظيم المهن في ذلك الوقت، وكذلك الإحصاءات بجميع أنواعها، وكل ذلك كان يهدف إلى ضمان مراقبة أفضل للتراب الوطني. لكن الجانب السلبي هو حدوث خلط مؤسف بين الأنواع.
لنأخذ مراكش كمثال. في الزنقة المعروفة باسم «عرصة الحوتة» بالقرب من ساحة جامع الفنا، حيث كان الناس يأتون عادةً لاستئجار الشيخات لإقامة الأعراس وإحياء الحفلات، قرر الباشا الكلاوي تجميع الشيخات والمومسات في فضاء واحد. ما كان يهمه هو اقتطاع جزء من دخلهن كضريبة. وقد تناول بول باسكون في كتابه «الحوز» هذه المسألة بالتفصيل.
ومع ذلك، كان لهذا القرار العبثي عواقب وخيمة. فمن ناحية، خلق أو عزز الخلط بين هاتين الفئتين من النساء. ومن ناحية أخرى، وكما أسرّ لي شخصياً أحد شيوخ العيطة القدامى من منطقة الرحامنة، قرر العديد من الفنانين، شيوخاً وشيخات، مقاطعة مراكش. فظلوا قابعين في قبائلهم أو كانوا يتنقلون، حسب الطلب، مباشرة من قرية إلى أخرى. وبذلك تضرروا في قوتهم اليومي، فضلاً عن تعرضهم لوصمة عار غير عادلة. والمؤسف أن هذا الوضع استمر عملياً حتى فجر الاستقلال.
لطالما طمس الخلط بين “الشيخات” و”المومسات” صورة فن العيطة. فما هي، في الواقع، النظرة التي كان المجتمع المغربي يحملها لهذا التراث، وبالأخص تجاه الشيخات؟
بهذه الصيغة، جاء السؤال الخامس، وفي ما يلي جواب ضيف المجلة:
كان هذا الخلط دائماً حجة مريحة، وحتى الباحثون المتميزون – اسمحوا لي بهذه العبارة – وقعوا في هذا الفخ. إنه أمر مؤسف، لكنه لا يأتي من فراغ. فالمشكلة تكتسي بعداً أكبر، فهي ذات طابع سوسيولوجي، بل أنثروبولوجي.
غالباً ما تساوي النظرة أو الصورة النمطية التقليدية بين “الشيخة” و”المومس”. وذلك ببساطة لأن الأولى تستخدم جسدها، وتُبرز مفاتنها وبطنها… وأغتنم الفرصة هنا لأذكر أنه في الحضارات الإنسانية القديمة، كان إبراز البطن احتفاءً بـ “الولادة”، وبالتالي بالحياة. وهذا لا يحمل أي دلالة قدحية، بل على العكس من ذلك. فالرقص هو بحد ذاته سرد متكامل، حيث إن الخطوات والحركات تحاكي الحياة الاجتماعية وترويها بطريقتها الخاصة. وهذا هو الحال أيضاً في المغرب، سواء بالنسبة إلى الرجال أو للنساء. فعندما ترخي الراقصة شعرها مثلاً وتجعله يتطاير مموجاً، فهي بذلك تحاكي الفرس. وحتى الآلات الموسيقية تتبنى نفس المنطق، حيث تُصنع معظمها من جلود الحيوانات: مثل الطعريجة والبندير، إلخ.
وخلاصة القول، إن اختزال هذا التراث الرائع في قصة مزعومة عن الدعارة هو أمر ظالم وتعسفي. إنه شكل من أشكال “الحُگرة” التي انتهى “المخزن” نفسه إلى تبنيها في مرحلة معينة. فقد استوعبت الدولة الوصمة الاجتماعية وأضفت عليها طابعاً رسمياً، وذلك في إطار ثقافتها القائمة على المنع والرقابة والضبط الصارم للأفراد. وحتى يومنا هذا، ما زلنا نعاني من عواقب ذلك. فالبعض مستمر في الاحتكام إلى الدين لأجل “تحريم” الغناء، سواء كان نسائياً أو رجالياً. في حين أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية لم يُحرّما الغناء أبداً، لا بصوت المرأة ولا بصوت الرجل.
وصولا إلى السؤال السادس، وبعيدا عن الدافع الديني، طلبت المجلة من ضيفها أن يدلها على أصل هذه “الحگرة”، وأن يقول لها ما إذا كان حكم المجتمع خاضعا لمؤثرات خارجية.
أجاب حسن نجمي بأن “الحگرة” الموجهة، خصوصًا إلى فئات اجتماعية معينة مثل الشيخات أو السكان القرويين الذين ينادى عليهم بـ«العروبية»، يعود إلى تحولات تاريخية وثقافية عميقة، تتجاوز الأسباب الدينية.
في هذا السياق، أشار الأستاذ الباحث إلى التأثير الكبير لسقوط الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر، وما نتج عنه من هجرة جماعية للنخب الأندلسية نحو المغرب والمغرب الكبير.
استقر أفراد هاته النخب في عدة مدن مغربية كفاس، مكناس، الرباط، سلا، وجدة، تطوان ومراكش. منهم من اندمجوا في الهياكل الإدارية والسياسية، ومنهم من أصبحوا قضاة، وأمناء (جامعي ضرائب)؛ أي أنهم غدوا مؤثرين بشكل كبير في المجتمع.
ولم يهمل ضيف المجلة في جوابه الإشارة إلى الإسهامات الثقافية والاجتماعية للأندلسيين، حيث جلبوا معهم معارفهم وثقافاتهم وقواعدهم، خاصة ما تعلق منها بمجالات الطهو، اللباس، والاجتماع.
من الأمثلة على إسهاماتهم: الخبز الدائري، النورية (نظام مائي)، والطقوس مثل الزواج الأندلسي مع الهدايا. وقد تبنت المحاكم السلطانية هذه التأثيرات، مما غيّر أنماط الحياة الحضرية.
ومن العواقب الاجتماعية التي ترتبت عن مجيء الموريسكيين إلى المغرب ظهور تراتبية طبقية، ورفض نموذج ثقافي واجتماعي جديد، أدى إلى تقليدهم في الملبس والغناء وأسلوب الحياة.
خلق هذا التغيير تباينات وتراتبيات اجتماعيًة على حساب أنماط الحياة والأعراف القروية؛ الشيء الذي أدى إلى صور نمطية ازدرائية مستمرة تجاه الأمازيغ والعروبيين وغيرهم. ورغم قبول ثقافة النساء الموسيقيات عمومًا، عانت الشيخات اللائي يغنين العيطة من وصم خاص.
باختصار شديد، لم يكن هذا النمط من “الحگرة” في المجتمع المغربي نابعا فقط من رفض ديني، بل هو نتاج تأثير تاريخي كبير مرتبط بوصول النخب الأندلسية بعد سقوط الأندلس. غيّرت هذه النخب المعايير الثقافية والاجتماعية، مما خلق تراتبية تفضل القواعد الحضرية الأندلسية على التقاليد القروية والأمازيغية، وأدى إلى ازدراء اجتماعي مستمر وصور نمطية تمييزية، خاصة تجاه الشيخات والسكان القرويين.
في السؤال السابع أرادت المجلة أن تعرف ما إذا تأثرت العيطة فعلاً بالتأثيرات الأندلسية، أو حتى الإفريقية، أم أنها بقيت تعبيراً عن فن عروبي خالص.
في جوابه أيد حسن نجمي وصف السائل العيطة بكونها فنا عروبيا خالصا. حتى وإن كان الرجال يغنونها أيضاً، إلا أنها تبقى فناً نسائياً بامتياز، حيث استطاعت الشيخات أن تمنحنها مكانتها الرفيعة. هذا الفن يبقى جزءاً من نسيج المجتمع المرتبط بالبادية واللغة العربية. لكن هناك تداخلات وتأثيرات متبادلة، خصوصاً في المناطق الحدودية أو مناطق التماس بين المدينة والبادية، وبين العربية والأمازيغية، وهكذا. خذ مثلاً كلمة “بضاض” التي تعني (الحب) بالأمازيغية، والتي تتكرر في العديد من أبيات العيطة، مما يدل على أن الحدود ليست محكمة وهذا أمر جيد. أما التأثير الإفريقي، فيظهر في فن الگلاوي وبلا شك في فن السوسي أيضاً، من خلال استخدام المعادن خاصة في الإيقاعات. وفي فرقة عبيدات الرما أيضاً، من خلال استخدام المقصات.
بخصوص الكلمات التي تتغنى بها الشيخات، كان الهدف من السؤال الموالي معرفة مصادرها ومؤلفيها. جوابا عن هذا السؤال، قال الباحث في فن العيطة إن الكلمات المغناة تأتي من مصدر مجهول. لا أحد يعرف من كتبها بالضبط. القاعدة هي السرية وعدم الكشف عن الهوية، تماما مثل البلوز الأمريكي الأصلي. إنها في الأساس شعر شفهي. “الحبات” التي تنتشر تدريجياً تشكل أغاني يمكن لكل شخص أن يضيف إليها أو يغير كلمة أو لازمة أو نصف مقطع. يُفترض أن المؤلفين لم يكونوا دائماً مجرد شعراء أو ناس من البادية، بل كان بعضهم يشغلون مناصب رفيعة في المجتمع في ذلك الوقت. وبالنظر إلى الطابع الجريء لبعض النصوص، كان إخفاء الهوية إجراءً احترازياً من قبل هؤلاء المؤلفين الذين بقوا سريين ومجهولين.
جوابا عن السؤال التاسع: هل هناك توزيع جغرافي لمختلف أنواع العيطة؟ قال حسن نجمي إن المجال الجغرافي للعيطة المغربية يتوزع على تسع مناطق وتسعة أنواع. في الشمال، نجد العيطة الجبلية (طنجة، سبتة، تطوان، أصيلة، العرائش، القصر الكبير، شفشاون وصولاً إلى وزان). وفي منطقة الغرب، هناك العيطة الغرباوية (سيدي سليمان، مشرع بلقصيري، سيدي قاسم، دار الگداري، القنيطرة وصولاً إلى قبائل عامر شمال سلا)؛ وهو غناء مخصص بشكل عام للغابة، مع مقاطع أصبحت شهيرة مثل “مال الغابة مقلقة؟” (نوع من الاستعارة حيث ترمز الغابة إلى المزاج).
وفي منطقة زعير، يتابع ضيف المجلة، نجد العيطة الزعرية (الرباط، سلا) وهي شاعرية للغاية وتتميز بغناء ميلودي متقن القافية. وفي نواحي مرتفعات أزيلال والسهول المجاورة، توجد العيطة الملالية. أما في منطقة الحوز، فنجد العيطة الحوزية (مراكش، قلعة السراغنة، الرحامنة). وإلى الجنوب أكثر، في تافيلالت، نجد العيطة الفيلالية (الرشيدية، الريصاني، أرفود) مع شيوخ مثل “باعوت”، “الحمري” أو “عائشة الزكود”.
وفي منطقة الصويرة، لدينا العيطة الشيظمية التي تتميز بـ”البراول”، وهي أغانٍ قصيرة وسريعة. وفي منطقة آسفي، نجد العيطة العبدية التي قدمت لنا “شيخات” أسطوريات مثل فاطنة بنت الحسين، الحاجة الحمونية أو خديجة مرقوم. وأخيراً، هناك العيطة المرساوية التي تغطي مناطق الشاوية ودكالة وصولاً إلى سطات، وتسمى أيضاً “العيطة السطاتية”، والبعض يطلق على هذا النوع اسم “السعيدي”.
ويخلص أبو ريم إلى أن هذا التقسيم يمثل واقعاً ملموساً، لكنه ليس جامداً. فبإمكان الشيخة التي تنتمي إلى نوع معين من العيطة أن تستعير عناصر تنتمي إلى أنواع أخرى.
بعد أن لاحظت المجلة أن جغرافية الشيخات تتوقف عند حدود المغرب غير الصحراوي، تساءلت: وماذا عن الصحراء، إذن؟ فكان هذا الجواب الموجز: في كل أنحاء المغرب، تغني النساء. وربما أكثر في الصحراء، حيث المجتمع أميسي. لكنهن لا يُطلق عليهن اسم شيخات. في الشرق أيضاً، هناك نساء يغنين، دون الحديث عن أغان، حضرية هذه المرة. في هذه الحالة، نتعامل مع أنواع مختلفة أخرى مثل ‘العلاوي’، ‘الرگادة’، ‘الغرناطي، إلخ..

من خلال السؤال الحادي عشر، أرادت الجريدة من ضيفها أن يبين لقرائها ما إن ما زالت هناك شيخات. أجاب بنعم، قبل أن يذكر خديجة مرقوم (عبدة)، لعزيزة زعزاع، سعاد البيضاوية (الحوز). ثم أشار إلى شيخات خريبكة وبني ملال ووادي زم، وغيرهن.
وأضاف حسن نجمي أنه لا توجد حواجز بين الأنماط الموسيقية، وأن الفرق بين الأمس واليوم هو أن تعلم المهنة في الماضي كان صعباً للغاية. كان على مشاريع “الشيوخ” و”الشيخات” مرافقة أسلافهم لسنوات طويلة من أجل التعلم، إذ لم تكن هناك نوتات موسيقية ولا كلمات مكتوبة، وكان معظمهم غير متعلمين. تخيل الوقت اللازم لحفظ “قصيدة” أو تعلم العزف على آلة موسيقية.
لهذا السبب، يواصل الباحث، كانت هناك في فن العيطة، إلى جانب الشيخات الملقبات بـ”الطّبّاعات” (رئيسات المجموعة)، مغنيات مساندات يكتفين بترديد حبات معينة، وكان هناك أيضاً شيخات يرقصن أو يوقعن بأيديهن دون غناء، ربما لأنهن لم يحفظن بعد كامل الريبيرتوار الغنائي. اليوم تبدو الأمور أكثر بساطة، خاصة في ما يخص التعلم. لكن الزمن تغير، وصناعة الموسيقى تطورت كثيراً، كما أن نمط الحياة في البادية لم يعد كما كان.
كانت الشيخات يحتللن مكانة أكثر مركزية وهيمنة مما هي عليه اليوم، حيث اختلفت الأمور.
علاوة على ذلك، من الصعب تعويض قامات فنية مثل لطيفة المخلوفية، وفاطنة بنت الحسين، وعايدة، وغيرهن من الأيقونات.
وأكد المتحدث أن الشيخات، بالصورة التي عرفناها بهن، يبدون في طريقهم إلى الانقراض. وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصة في ظل ندرة الأرشيف الذي من شأنه الاعتراف بهن والحفاظ على ذاكرة فن أصيل ذي جذور راسخة في تربة العالم القروي.
في جوابه عن هذا السؤال: هل يمكن اعتبار شخصيات مثل الحاجة الحمداوية أو لطيفة أمل، بطريقة أو بأخرى، من “الشيخات”؟ نفى حسن نجمي ذلك الادعاء مؤكدا أنهن مغنيات شعبيات. الحاجة الحمداوية، على سبيل المثال، غنت كثيراً نمط “الشيخات”. لقد أدخلت بعض الابتكارات الموسيقية. سافرت كثيراً ولا بد أنها استفادت من بعض اللقاءات المهمة مثل لقائها مع المغني والملحن الكبير أحمد جبران. مهدت الحمداوية الطريق للطيفة أمل ولأخريات. حتى لو غنت هؤلاء السيدات العظيمات نمط “الشيخات”، فقد استعرن أيضاً من أنواع أخرى. إذا كان لا بد من تصنيفهن في مكان ما، فهو في فئة “البوب”، بمعنى الأغنية الشعبية المغربية.
وصولا إلى السؤال الثالث عشر، نجده مصوغا على النحو التالي: في الجزائر أيضًا، يُتحدث عن “الشيخات”. هل هناك موازاة أو تطابق يمكن إقامته، وهل يمكننا الحديث عن ظاهرة عابرة لأقطار المغرب الكبير؟
جوابا عن السؤال، قال حسن نجمي: لنكن واضحين، الشيخات ظاهرة مغربية وواقع اجتماعي مغربي بحت. في الجزائر، التعبير موجود بالطبع، لكنه يحمل معنى مختلفا: نتحدث عن الشيخة ريمتي، الشيخة طيطمة… الشيخات الجزائريات يغنين بشكل أساسي الشعبي الذي سيكون لاحقًا مصدرا للراي. هنا، في الجزائر يُستخدم مصطلح “العزريات”. في تونس، يُطلق عليهن “المشاطات”: وهذا في الواقع تعبير كان يُستخدم أيضا في المغرب، خصوصا في الأوساط ذات الأصل الأندلسي، لا سيما في فاس. يشبهن النگافات اللائي نجدهن في الأعراس.
السؤال الموالي: هل يمكن إذن الحديث عن شبه معادلة “شيخة = عيطة”؟ في بداية الجواب أيد وأكد حسن نجمي شبه المعادلة. وأضاف قائلا: الآن، عندما نذهب إلى بلاد زيان مثلا (خنيفرة، الخميسات، تيفلت)، نجد البياتي الذي يشبه العيطة.
ورأى ضيف المجلة أنه يمكن أيضا اعتبار أن فنانين أمازيغ مثل فرقة حادة أوعكي، مصطفى نعينية، خديجة أطلس أو الشريفة قد استعاروا ودمجوا عناصر من العيطة في ريبيرتوارهم.
أما إذا نزلنا نحو سوس، فسنجد “سلما” يقال له الخماسي الذي يتكون من خمس نغمات أو خمسة أصوات حيث تتقارب المقاييس والنغمات أكثر مع التأثيرات الآسيوية (الصين، اليابان، كوريا، فيتنام) مقارنة بالعيطة الشيظمية التي هي أقرب جغرافيا.
بشكل عام، العيطة تعتمد على ما يسمى البياتي، الذي يبقى المقام الأكثر أهمية والذي يشكل أساس السواكن ومعظم الأغاني. داخل البياتي، قد توجد بعض التغيرات الصغيرة هنا وهناك. وهناك أيضا الحجاز مثلا.
عادت المجلة مرة أخرى إلى العصر الذهبي للشيخات، لتقول لضيفها إن الكثير من الباحثين يربطونه بظاهرة القواد الكبار، التي بلغت ذروتها بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، قبل أن تطرح عليه هذا السؤال: هل هناك علاقة بينهما؟
في بداية جوابه أقر حسن نجمي بقدر من الحقيقة في هذا القول. القواد الكبار الذين كانوا يُطلق عليهم أيضًا “أمراء الأطلس”، كانوا يهيمنون على المغرب في تلك الحقبة. لقد مارسوا إلى حد كبير تقليدًا يعيد إنتاج عادات السلاطين. أشخاص مثل الگندافي، الگلاوي، العيدي وعيسى بن عمر كان لهم، على غرار السلطان الحسن الأول، قاموا بدور راعي الفنون. يجب التذكير بأنه في ذلك الوقت لم تكن هناك صحافة. لذا، كان المغني والشعر الشفهي وسيلة قوية للتواصل وتلقي المعلومات. كان على القواد الكبار السيطرة عليها واستخدامها لصالحهم. لهذا السبب كانوا يكرمون بالهدايا والمزايا أولئك الذين يمتدحونهم. وعلى العكس، عندما كان مغني أو مغنية ينتقدونهم بشدة، كانت انتقامهم قاسيًا جدًا وقد يمتد حتى إلى قبيلتهم. لذا، كان الغناء سلاحًا ذا حدين. كان رأس مال رمزيا يمكن أن يرفع أو يخفض مكانة البعض. وكان هذا ينطبق على العيطة والغناء الشعبي بشكل عام. استفحلت هذه الظاهرة بشكل كبير في عهد الحسن الأول (1873-1894). خلال 21 سنة من حكمه، قام بـ10 حركات عسكرية، وهو رقم قياسي بلا شك. في كل من هذه الحملات، التي كانت تتطلب عدة أشهر من التحضير، كان يصطحب حكواتيين (رواة القصص)، شسخات، مغنيي الملحون، العيطة، وغيرهم. كان لديه تفضيل خاص للشيخة الشهيرة بتونية المراكشية، التي كان يكرمها بالهدايا والمجوهرات. عندما توفيت هذه الشيخة فجأة على المسرح خلال حفل زفاف، استفسر السلطان صراحة العدول في الحوز: “أين ذهب ذهبها، مجوهراتها، ساعاتها، وكل حليها؟”
في هذا السياق، ذكر حسن نجمي أنه اطلع على هذه الرسائل والمراسلات التي ما تزال موجودة ومصنفة في المكتبة الحسنية بالقصر الملكي. لم يكن الأمر يتعلق بـ “التتريك”، بل كان السلطان يرغب فقط في استرداد ممتلكات الشيخة وتحويلها إلى الصندوق الذي كان يسمى “أبو المواريث” (مؤسسة تدير وتعيد توزيع الميراث). كانت، مع مراعاة التناسب تعادل صندوق الإيداع والتدبير كما عندنا اليوم.
تبعا لما سبق، تساءلت المجلة عن المانع من وضع إرث الشيخة رهن إشارة أقاربها. أجاب ابو ريم: لأنها لم يكن لديها وريث، ببساطة. كثير من الشيخات كن في نفس الوضع. بما أنه لم يكن لديهن أطفال، كن يتبنين أحيانًا أطفال من صلب الآخرين. وعند وفاتهن، تعود ممتلكاتهن إلى قبيلتهن، عندما لا تُمنح إلى أبو المواريث.
طرحت الجريدة على ضيفها سؤالا آخر صيغ كما يلي: أعقبت وفاة السلطان الحسن الأول فترة من السيبة، التي ترتبط إلى حد ما بصورة الشيخات. ما هو الوضع الحقيقي؟
يجب تعديل الصورة وإعادة الأمور إلى سياقها. عند وفاة السلطان، بالفعل، حدثت موجة من التمرد. بين الصراع على السلطة، التغلغل الفرنسي، وسوء الحصاد، قامت بعض القبائل بالثورة ضد القايد. مثل أولاد زيد في منطقة آسفي، حيث كانت الشيخة الشهيرة، التي كانت بمثابة المتحدثة الرسمية تقريبا باسم قبيلتها، قد تصدت شخصيًا للقايد عيسى بن عمر. حادة الزيدية، المعروفة بخربوشة، دفعت الثمن غاليًا إذ قُبِض عليها وحُبِسَت حية داخل الجدران حتى الموت. لكن قصيدتها الشهيرة الاستجوابية (حاجتي فقريني) بقيت حية.
لكن حسن نجمي ينبه إلى أنه لا يجب أن نخطئ الفهم. الشيخات والفنانون عمومًا بحاجة إلى الاستقرار والسلام، حتى يتمكنوا من الأداء في الأماكن العامة وكسب رزقهم. هم مرتبطون بالقبيلة، يمكنهم التنقل والسفر للأداء خارج بيئتهم، لكنهم يعودون دائمًا إلى قبيلتهم الأصلية. والسيبة لم تكن حالة دائمة، بل كانت ظرفية ومؤقتة.
السؤال الأخير: هناك تناقض في الآراء حول تأثير الحماية الفرنسية على صورة ومكانة الشيخات. هل خدمتهن أم أضرت بهن؟
يجب إزالة الشك: الحماية كانت تحمل الكثير من الاحتقار للشيخات. أحيانًا كانت تحاربهّن. العديد من الأرشيفات والوثائق الإدارية تثبت ذلك. للتنقل من أجل ممارسة أنشطتهن المهنية، كان على الشيخات الحصول على إذن خاص من الإدارة، وأحيانا يقابل طلبهن بالرفض. كان يُعتقد أن أغانيهن تحرض السكان على التمرد. الأغاني التي تمجد الحرب والغزو، مثل تلك المتعلقة بغزوات النبي، كانت ممنوعة أو تُحذف منها المقاطع الأكثر حماسة. كان عملاء الحماية يحتفظون بقائمة بهذه الأغاني المحظورة، والتي كانت تُغنى سرًا. المداحات (المتخصصات في الغناء الديني) كن مكروهات جدًا. بالإضافة إلى ذلك، بعض أغاني الشيخات احتوت على معلومات أو تعليقات مرتبطة بالأحداث الجارية. لذلك كانت تخضع للرقابة أو المتابعة الدقيقة. هذه كانت أيضًا حقيقة الحماية.



#أحمد_رباص (هاشتاغ)       Ahmed_Rabass#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب- كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...
- حسن نجمي يحل ضيفا على النسخة الفرنسية لمجلة “زمان” بقبعة الب ...
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...
- استطلاع جديد يحدد مواقف المغاربة من انتخابات سبتمبر 2026
- حسن نجمي يحل ضيفا على النسخة الفرنسية لمجلة “زمان” بقبعة الب ...
- حسن نجمي يحل ضيفا كريما على النسخة الفرنسية لمجلة “زمان” بقب ...
- حسن نجمي يحل ضيفا كريما على النسخة الفرنسية لمجلة زمان بقبعة ...
- المجلس الجهوي للسياحة بجهة الشمال يطمح إلى تقديم عرض سياحي م ...
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...
- محمد أوزين: نحو إصلاح شجاع ودائم وعادل لمعاشات التقاعد في ال ...
- فرنسا تفرض حصارا ضريبيا على المغاربة المقيمين فيها
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...
- تبادل القصف الناري بين الولايات المتحدة وإيران بعد توقيع مذك ...
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...
- موازين 2026: دي دي بريدجووتر تُغني عن الحرية منذ أكثر من 50 ...
- عودة إلى السؤال الكلاسي: لماذا تأخر العرب وتقدم الآخرون؟
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...
- وزارة الشباب والثقافة والتواصل تعلن عن أسماء الفائزين بجائزة ...
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...
- قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو ( ...


المزيد.....




- من السينما إلى الريشة.. جوني ديب يجدد الجدل حول قيمة -فن الن ...
- مشاهير من هوليوود يهاجمون إدارة ترامب في فيديو بمناسبة عيد ا ...
- قرار بإخلاء البيت العربي بمدريد.. باهرة عبد اللطيف: يأخذون ا ...
- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط
- نجاح مؤتمراليوم الواحد الثقافى فى البحيرة بشهادة المشاركين م ...
- بينها كلمة من 55 حرفا.. تعرف على أطول المفردات في اللغة الرو ...
- باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد رباص - حسن نجمي يحل ضيفا على النسخة الفرنسية لمجلة -زمان- بقبعة الباحث في فن العيطة