سعيد الجعفر
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 15:55
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
لم يكن مفهوم اليمين واليسار جديديا على الفكر والتأريخ الإنسانيين. فقبل أن ينتقل من معناه المادي الى معناه الرمزي، أعني مكاني جلوس الموالين والمعارضين للملكية والأقطاع والكنيسة في الجمعية الوطنية الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر، كانت هنالك انتفاضات لا تعد ولا تحصى في بقاع مختلفة من كوكبنا ترتبط بمطالب الفلاحين الذي قاسوا الجور والظلم من قبل الإقطاع المرتبط بأوليغاركية بالدولة التي تمثل الاوليغاركية السياسية ولربما الدينية أيضاً.
ولم تكن إرهاصات ظهور مفاهيم اليسار واليمين جديدة، فقد ارتبطت بالانتفاضات الفلاحية وظهور بعض الدول التي تتبنى مباديء اشتراكية منذ عصر مصر القديمة وبلاد مابين النهرين مروراً باليونان القديمة والامبراطورية الرومانية والصين القديمة حتى العصر العباسي والعصور الوسطى في أوربا وأميركا اللاتينية.
فقد ظهرت في الصين ما تسمى بثورة العمائم الصفر في القرن الثالث الميلادي وثورة الزنوج التي قادها سبارتاكوس في الامبراطورية الرومانية، كما كانت الدولة القائمة على الاشتراكية الأكثر وضوحا هي ثورة القرامطة والدولة التي أقاموها في البحرين (الاحساء والقطيف). كما كانت ثورة الزنج مشابهة نوعما لثورة القرامطة، كما أقام الخوارج دولة قائمة على العدالة والمساواة في جنوب الجزائر دامت لمدة قرن ونصف في الزمن العباسي.
أما في أوربا فقد انتشرت دويلات فلاحية قائمة على العدالة والمساواة وأهمها ثورة الفلاحين الألمان التي قادها توماس مونتسر في القرن السادس عشر. وما أن حل عصر الصناعة ودخول العالم في عصر العقل حتى بدأت بواكير الأفكار الاشتراكية الطوباوية بالظهور، حيث قام شارل فورييه بالتنظير لفكر اشتراكي نستطيع وصفه بالساذج مقارنة ما جاء لاحقاً من فكر أقرب الى العلمي لدى ماركس. ثم تبعه روبرت أوين الذي أنموذجاً مصغراً لمجتمع اشتراكي تسوده العدالة والمساواة في ولاية انديانا سماه "هارموني"، بيد إن التجربة فشلت بعد سنتين من قيامها.
بعد الثورة الفرنسية صار التوزيع بين اليسار واليمين يتضح ، فظهرت الأحزاب والمنظمات اليسارية، التي توجت بكومونة باريس ولاحقاً ثورة أكتوبر في روسيا وانتفاضة الفلاحين وقيام جمهوريتهم في أوكرانيا بقيادة الفوضوي ماشنو. لكن قيام الحرب العالمية الاولى وما تبعها من أزمة اقتصادية كبرى أدى الى ظهور الفكر اليميني المتطرف لأول مرة في تأريخ الفكر العالمي. وقد كانت النازية في ألمانيا والفاشية في أوربا ممثلاً أنموذجيا للفكر اليميني المتطرف، الذي يقف الى يمين الفكر الرأسمالي اليميني المتعارف عليه. ولذا قاد هذا الفكر في ألمانيا وإيطاليا أوربا الى مغامرة كبرى أدت الى حدوث الحرب العالمية الثانية.
منذ الحرب العالمية الثانية وحتى تسعينيات القرن العشرين تقريبا استقر خندقا اليمين واليسار على وضعهما التقليدي الثابت، ولم تظهر علائم اليمين المتطرف إلا متزامنة مع سقوط الاتحاد السوفييتي، واستكلاب الرأسمالية التي رأت نفسها لأول مرة المحور الوحيد في العالم، وتزامن ذلك مع ظاهرة العولمة المتصاعدة والهجرة وتصاعد التطرف الإسلامي وتسيده في الساحة العالمية، وما رافق هذه الظواهر مما صار يسمى ظاهرة "الخوف من الأجانب" أو Xenophobia ، وأخيرا الصعود السريع للصين كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية. فصرنا نرى الاحزاب اليمينية المتطرفة تتصاعد في فرنسا أولاً ثم في ايطاليا، في عصبة الشمال وفي اسكندنافيا في مجموعة من الأحزاب المتطرفة تقع على يمين الأحزاب المحافظة التقليدية. بيد إن تصاعد الازمة الرأسمالية وصعود الصين أدى الى صعود اليمين المتطرف في أميركا في ظاهرة ترامب. كما تصاعد اليمين المتطرف بعد الألفية الثانية في إيطاليا وألمانيا وفنلندا والنمسا والسويد والدانمارك وهولندا والمجر وبولندا حيث اكتسحت الاحزاب الشعبوية اليمينة المتطرفة الانتخابات.
لقد تصدى الكثير من المفكرين والسوسيولوجيين والفلاسفة لرصد موضوع تصاعد اليمين، منذ نهاية الثمانينات وحتى يومنا هذا. وقد يكون موقف التيار الليبرالي أكثر علمية ورصانة من موقف اليسار. فاليسار بطبيعته متأدلج ينحى منهجياً منحى قسر الظواهر والأحداث كي تكون على مقاس المنهج المادي التأريخي، وكإن ذلك يذكر بسرير بروكست. فالمنهج المادي التأريخي هو المنهج الأهم في تحليل الاحداث والظواهر، لكن هنالك دور للدين في صياغة الظواهر والأحداث وهو ما انطلق منه ماكس فيبر في تحليله لصعود الرأسمالية. كما تلعب المسائل النفسية دوراً حاسما، وهو أمر طرحته مدرسة التحليل النفسي، عدا دور المسائل الفردية خصوصاً في بلدان العالم الثالث، حيث تلعب كاريزما القائد دوراً هائلاً في تسيير الاحداث.
فيما يخص المفكرين اليساريين في حقبة الحداثة وما بعد الحداثة، فإن تناولهم لموضوع اليمين المتطرف وصعوده قليل جدا. وأظن إن سبب ذلك هو إنهم ملتزمون بمنهج تحليل الخطاب الأكبر macro discourse ، معتبرين صعود اليمين المتطرف جزءاً من ظاهرة كبرى هي الأزمة العميقة في البنية الرأسمالية، والتي كانت ايضاً سببا في صعود النازية في ثلاثينيات القرن العشرين. لذلك لا تجد إلا بإلكاد ذكرا لموضوع اليمين المتطرف لدى تشومسكي وريكور وحنا آرندت وجوديث بتلر وطارق علي وسمير أمين وعمانوئيل فالرشتاين. بيد إن باحثين يساريين كتبوا بالتأكيد حول الموضوع، لكننا لا نستطيع تبين توجههم حيث يبتعد الباحث، التزاماً بأخلاقيات البحث العلمي، عن الذاتية. وهنالك عامل آخر يخص عدم امكانية التفريق في توجه الباحثين، هو إن استخدام المنهج المادي التأريخي صار اليوم عاماً لدى معظم الباحثين في العلوم الإنسانية، فالعامل الاقتصادي هو العامل المؤثر الأكبر في حركة التأريخ، ولذا فتجد بإلكاد في جامعات العالم كلها من لا يتبنى المنهج المادي التأريخي في بحثه.
من أهم المؤلفات التي تتبعت ظهور اليمين المتطرف في أميركا والغرب هو "ظهور اليمين المتطرف الغربي- الأمريكي" لجيفري كابلان وليونارد وينبيرغ، وقد صدر عام 1998 من جامعة روتجرز في ولاية نيوجيرسي. ويرصد الكتاب صعود اليمين المتطرف الأوربي والأمريكي والعلاقة بينهما، وإن التأثر كان في البداية من الغرب باتجاه أميركا، في حين أصبح الوضع معكوساً في حقبة لاحقة. فاليمين المتطرف الغربي لم يستطع أن يصدر طروحه الى أميركا لأنها تخص سياقاً آخراً. لكن التأثر الثقافي العميق بأميركا في الغرب قاد الى تصدير أفكار اليمين المتطرف الأمريكي الى أوربا.وكان صعود اليمين المتطرف في بداية القرن العشرين هو كونه رد فعل على ظهور الكتلة الاشتراكية. بيد إن الوضع تطور لاحقاً وأسبابه استنفاذ مشروع التنوير وعصر العقل لطاقته وآلياته وأسلحته مما خلق اسئلة عميقة في هذه البلاد جعلت أجيال الشباب تعود القهقرى لتبحث في المسيحية والقومية عن أجوبة لتساؤلاتها. وهذا يذكرنا حقاً بظاهرة مشابهة مر ويمر بها العالم العربي بالذات والإسلامي عموما في تسويق شعار "الإسلام هو الحل" والذي قاد الى نتائج مأساوية، حيث صعدت التيارات المتطرفة كالقاعدة وداعش وبوكو حرام وغيرها. ومن العوامل الجوهرية هي تصاعد العولمة قلق المجتمعين الغربي والأمريكي من ظاهرة المهاجرين والإسلام وصعود الصين ومجموعة بريكس. وهي أمور سنفصلها في إدناه.
يرد رأي مهم لعالم الاجتماع الفرنسي ألان بير Alain Bihr مفاده إن تصاعد العولمة بعد حقبة الحرب العالمية الثانية أدى الى أفول دور الدولة القومية، حيث صارت القرارات في الشؤون الوطنية تتخذ من قبل الشركات متعددة الجنسيات. وقد أدى هذا الأمر الى أن يتبنى اليمين المتطرف خطاباً يضع الدولة القومية في مركز الخطاب اليميني المتطرف وصار يشحذه بالبلاغة والتعابير العاطفية.
يعتقد البروفيسور السويدي في السوسيولجيا جينز ريدغرين إن من يصوتون لصالح القوانين المضادة لوجود المهاجرين لا يفعلون ذلك بسبب الخوف من الأجانب أو لسبب عنصري، بل إن الأمر يتعلق بالمنافسة في مجال العمل. بيد إن باحث آخر في السوسيولوجيا هو كريستوفرهوزباندز يعلق على هذا الرأي بقوله إن الكثير ممن أظهروا اعتراضهم على الهجرة أخفوا آراءهم العنصرية والمتعلقة بالخوف من الأجانب ، لأن ذلك يعد أمراً شنيعاً. وفي الحقيقة فتصاعد تأييد الأحزاب اليمينية المتطرفة، ارتبط بالأزمات السياسية العنيفة في لبنان والعراق وإيران ولاحقاً البلقان وسوريا، عدا تصاعد الهجرة من افريقيا. فقد أدت تلك الأزمات الى تصاعد الهجرة الى بلدان أوربا الغربية.
أظن أن واحد من أهم عوامل التغيرات في الخارطة السياسية في أوربا بالذات، هو أفول عصر السرديات الكبرى، الذي أدى الى حدوث فوضى فكرية في العالم كله. فنحن لم نعد أمام خندقين فكريين أو ثلاثة نختار بينها كما كنا نعمل قبل بضعة عقود، أي أن تختار الماركسية أو القومية أو الفكر الديني أو الرأسمالية، بل إن أجيال ما بعد الحداثة من جيل أكس فصاعداً صارت تعيش عصر الإسئلة وليس عصر يقين الحقائق. فقد صارت تطرح أمامها المعلومة ونقيضها دون أن يستطيع أحد محاسبة تلك الاجيال وقسرها على الاختيار. كل ذلك انعكس على اختيار المرشحين للانتخابات المحلية والعامة في العالم أجمع.
ويرد رأي للباحث كريستوفر هوزباندز فيما يخص مصطلح "اليمين المتطرف" ، حيث استعيض عنه في العقود الأخيرة بمصطلح "الشعبويين". فهو يعتقد إن المصطلح الأخير يحاول أن يخفف من وطأة الإسم ، في حين إن هذه الأحزاب أخطر مما يعنيه مصطلح "الشعبوية"، فضلا عن إن كل يميني متطرف شعبوي، لكن ليس كل شعبوي هو يميني متطرف.
يشير روجر أيتويل في مراجعته لمؤلف كريستوفر هوزباندز "نظرات حول اليمين المتطرف 1990-2008" الى إن الكتاب الذي يغطي السنوات الأخيرة، يحتاج إلى النظر في مجموعة واسعة من أسباب النجاح الانتخابي. وسيكون من الضروري لدراسة كهذه أن تقوم مسائل كثيرة، منها ازدياد الاغتراب عن الأحزاب السياسية والتيار السائد والنخب بشكل عام؛ وفقدان الإحساس بالمجتمع الذي ينجم عن أكثر من مجرد الخوف من الآخر؛ وزيادة الفقر النسبي واللامساواة الاقتصادية، خاصة منذ الركود العظيم. كما إن كتاب عن اليمين المتطرف المعاصر بحاجة إلى استكشاف تهديده العنيف والإرهابي المتزايد في العديد من البلدان، وما إذا كان ذلك يحتاج إلى تنظير بطرق مختلفة عن التصويت الشعبوي. وأظن إن رأي روجر ايتويل صحيحاً ، فهذا الكتاب ، الذي حاول معالجة مسالة شائكة، لم ينجح تماماً في مهمته، التي غطت نقصها دراسات لاحقة.
وترد تفصيلات لدى هيلين ف ميلنر في مؤلفها : "التصويت للشعبوية في أوربا: العولمة التغيرات التكنولوجية، واليمين المتطرف" إنه منذ تسعينيات القرن العشرين رصد المنظرون في موضوع سياسات الأحزاب الأوربية، صعودا للأحزاب المتطرفة، خصوصا أحزاب اليمين المتطرف. كما لاحظ نوريس انجله هارت إن الأحزاب الشعبوية دخلت التحالفات الحكومية في أحد عشر من الديممقراطيات الغربية، حيث تصاعد عدد مقاعدهم من 5% الى 13%. كما لاحظ هؤلاء المننظرون إن الأحزاب التقليدية لليمين واليسار بدأت تفقد شعبيتها. كما وجه هؤلاء المنظرون انتباهنا الى تلك التعليلات الخاصة بغضب الفئات المهمشة، فضلا عن ردة الفعل الثقافية ضد التعدد الثقافي والهجرة المتصاعدة.
وتقوم الباحثتان سارة هوبولت وكترين دي فريس ببحث تفكيكي في مؤلفهما المعنون " مقاولو السياسة: صعود الاحزاب المتحدية في أوربا". فهما تتساءلان عن أسباب هذه الثورة في السياسة الأوربية، وتظنان إن سلسلة الأسباب التي طرحها المنظرون في هذا المجال ليست كافية. مثلاً إن هؤلاء المنظرون أكدوا على التغييرات في التشكيلة الاقتصادية وتصاعد العولمة والانكماش الاقتصادي كونها العوامل الأعمق على تصاعد الاحزاب الشعبوية. وفي طرحهما تؤكد الباحثتان ليس فقط على اندفاع اليمين المتطرف بل أيضاً اندفاع اليسار المتطرف كما في مثال حزب سيريزا في اليونان وحزب الجمهورية الى ألأمام في فرنسا وأحزاب البيئة.
تطرح الباحثتان في فرضيتهما قوتان تحكمان صعود وانهيار الأحزاب في أوربا، هما قوة السيطرة وقوة الابتكار. فعالم الانتخابات يحكمه سعي الأحزاب التقليدية للحفاظ على قوتها وابتكار الاحزاب المتحدية لستراتيجيات لخرق سيطرة الاحزاب التقليدية. فسوق الانتخابات لم يكن حراً في الحقبة التي سيطرت فيها الأحزاب التقليدية اليمينية واليسارية. فقد كانت الخبرات المتراكمة لدى الأحزاب التقليدية سبباً في جذب المصوتين، في حين لم تكن الأحزاب المتحدية تملك شيئاً من تلك الخبرات. لكن العقود الأخيرة شهدت تفكك في اللحمة التي تربط المصوتين بالاحزاب التقليدية للأسباب التي ذكرت في أعلاه وأهمها العولمة وفشل السياسات الأقتصادية، مما أدى الى اقتحام الاحزاب المتحدية مجالس النواب والحكومة.
هذه عموما آراء المثقفين الغربيين من مختصين في العلوم الالسياسية ووعلم الاجتماع وعلم النفس والدعاية واللسانيات والفلسفة من مختلف الخنادق بين ليبراليين ومحافظين ويساريين. ومنذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى هذا العام صدرت عشرات، إن لم نقل مئات، المؤلفات وآلاف البحوث التي ترصد صعود أحزاب اليمين المتطرف، بيد إن أخذت نماذج أظنها أكثر جدية لأنها صادرة من مؤسسات جامعية يشار لها بالبنان.
#سعيد_الجعفر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟