أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!















المزيد.....

لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 18:53
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


لو كانت رزان زيتونة بيننا اليوم لكانت بمتناولنا أدق الأرقام عن عدد شهداء الثورة السورية ومجمل ضحايا الصراع السوري قبل سقوط النظام الأسدي، ثم بعد عام ونصف من السقوط، فضلاً عن ضحايا المذابح المفردة هنا وهناك. لكنا عرفنا بأكبر قدر من الموثوقية عدد المغيبين قسرياً، ولجرى تصنيفهم حسب الجهة التي ارتكبت جريمة تغييبهم، وحسب المناطق التي ينحدرون منها والتي غيبوا فيها، وحسب مدد تغييبهم. ولكانت تقديرات رزان هي الأصوب بخصوص العدد المجمل للاجئين السوريين خارج البلد والنازحين داخله، ومن ابتلعتهم مياه المتوسط، لأنها تقديرات مبنية على متابعة مباشرة وتوثيق دقيق. لو كانت رزان بيننا لتوفرت تقارير موثوقة عن هذه الشؤون وكثير غيرها، ولوجدناها منشورة في موقع مركز توثيق الانتهاكات، ولوجدنا الموقع نفسه مرجعاً لمعلوماتنا، خلافاً لما هو واقع الحال اليوم. ولكان الموقع يضم أوسع وأوثق أرشيف عن أوجه متنوعة من الصراع السوري خلال أزيد من خمسة عشر عاماً. لو كانت رزان بيننا لكانت قد نشرت فوق 100 مقال لا شبيه لها في الحس الإنساني ورهافة الشعور، وفوق 100 تقرير مفصل عن 100 وجه من أوجه قصتنا الرهيبة.
ولكانت رزان هجرت في نيسان 2018 مع من هجروا من دوما والغوطة الشرقية، بينما تكون قد أنجزت لتوها تقريراً مفصلاً عن أحدث مجزرة كيماوية في حينه، ارتكبت في ذكرى تأسيس حزب البعث يوم 7 نيسان. وهذا مثلما فعلت إثر المجزرة الكيماوية في آب 2013، حين أنجزت أوفى تقريرين عنها خلال سبوع واحد.
وكانت ستؤمن بسرعة في الشمال السوري خدمة الانترنت وتجهز مكتباً لمركز توثيق الانتهاكات، وتستأنف العمل بلا كلل، مثلما فعلت فور وصولها إلى دوما في الأسبوع الأخير من نيسان 2013.
ولو كانت رزان هنا لما دعيت بعد سقوط النظام لا إلى "الحوار الوطني"، ولا خوطبت في شأن عضويتها المحتملة في هيئة المفقودين أو هيئة العدالة الانتقالية. ولكن لو كانت رزان بيننا لكانت قد فازت بجائزة نوبل للسلام على عملها الحقوقي وعلى إيمانها بأولوية الحقيقة. وعندئذ فقط كان سيحتفى بها رسمياً، على مضض.
ولو كان وائل حمادة بيننا اليوم لكان كما هو دوماً سند رزان الدائم، الرجل الذي لا يظهر كثيراً لكنه ما يجعل الحياة ممكنة. وهو الآخر ما كان ليدعى إلى أي هيئة حكومية أو شبه حكومية أنشئت في سورية ما بعد الأسدية.
ولو كان ناظم حمادي بيننا اليوم لكان قد نشر أربعة أو خمسة كتب شعرية. ولربما كان محتاًراً في شأن فتح مكتب محاماة، أو التفرغ للشعر والعشق. هذا إن لم يكن قد أحب وربما تزوج في وقت ما في دوما نفسها، أو بعد التهجير في الشمال، أو في موطن من مواطن اللجوء.
ولو كانت سميرة الخليل بيننا اليوم لكانت نشرت كتاباً أو أكثر عن يوميات الثورة السورية، ولتوسعت في التقابل الذي أقامته في "يوميات الحصار في دوما 2013" بين تجربتها القديمة في السجن وتجربة الحصار الأحدث، وأوردت قصصاً وتفاصيل وسيراً لإظهار اتصال التجربتين وانفصالهما. ولفضّلت أن نبقى في تركيا لو استطعنا ترتيب انضمامها إلي لأنها تخشى البعد. ولجعلت من العيش في أي مكان مؤقت خارج البلد بيتاً لنا ولأصدقائنا، مثلما كانت فعلت في دمشق، مغالبة ميل شريكها إلى أن يعيش كأنه طالب جامعي مؤبد. ولكان التعرف عليها مصدر بهجة لكثيرين لمن لم يكونوا يعرفونها من قبل، ولروى لها أصدقاء وصديقات شبان بعض ما في قلوبهم من قصص وغصات. ولسافرنا معاً حتماً إلى بلدان أوربية تفرقت فيه عائلتنا الكبيرة. ولو كانت سميرة بيننا لكان لنا اليوم بيت في سورية اليوم، تجهزه من جديد مثلما تحب. ولكنا في الأثناء قضينا أوقاتاً في حمص والرقة وحلب واللاذقية مثلما كنا نفعل من قبل، ولربما زرنا ما لم نزر قبلاً من مدن سورية، نلتقي بأحبابنا وأصدقائنا، نستمع ونستطلع ونتابع ما يجري.
لكانت حياة أخرى ممكنة للأربعة ولأحبابهم وشركاهم في الحياة والقضية. ولكانت هناك مفاجآت كثيرة وأحداث غير متوقعة مثلما هو دأب كل ما يجري في حياتنا وفي كل حياة.
*
رزان ووائل وناظم وسميرة ليسوا بيننا. هم مغيبون منذ اثني عشر عاماً ونصف عام ونصف شهر، 4581 يوماً. مُغيِِّبوهم معروفون بالأسماء، ويؤخذ كبارهم اليوم بالأحضان في سورية الرسمية ما بعد الأسدية. هل عاش هؤلاء وأدواتهم حياة مفعمة بالمعنى، حياة عمل وواجب، حب وصداقة، بهجة وانشغال بال، مثلما عاشت رزان ووائل وناظم وسميرة؟ هل يحبون؟ هل لهم أصدقاء مختلفون عنهم يثقون بهم ويفتحون لهم قلوبهم؟ هل يستطيعون سرد ما فعلوا خلال السنوات الخمسة عشر الماضية دون حجب أشياء كثيرة غير مشرفة؟ هل يمكن لأي منهم أن يعيش مع نفسه باحترام وكرامة وهم يعرف أنه فاسد، كاذب، وقاتل؟ هل يستطيعون عيش حياة عادية؟ هل يمكن لأي منهم أن يكتب يوميات ومذكرات عن السنوات الخمسة عشر الماضية، تروي لعموم السوريين، ما فعل وما شهد؟ هل لحياتهم أدنى علاقة بالحقيقة؟ بالصدق والاستقامة؟ بالأمانة؟ بالعدالة؟ بالحرية؟ بالكرامة؟ هل يخطر ببالهم أن يسألوا أنفسهم عن ذلك؟ أم هم مصفحون دون تلك القيم تصفيحاً سميكاً؟
لم يكن الجناة مضطرين لتغييب سميرة ورزان ووائل وناظم، ولم يجنوا من جريمتهم مكسباً. بالعكس، صاروا أسرى هذه الجريمة أخلاقياً، وينبغي أن يصيروا أسراها قانونياً. فإذا كان الشر هو ما لا يجب أن يحدث وما كان حدوثه غير اضطراري، فإننا حيال شر وأشرار، يجعلون العالم الذي يعيشون فيه أسوأ، وسخاً، فاسداً، ملعوناً.
ليس حق الضحايا وحده ما يوجب محاسبة الجناة، بل فرص حياة طيبة، أو أقل إيذاء فحسب، للسوريين بعامة، ولأهالي دوما بينهم.
هذا واجب، ولأنه واجب فإنه ممكن.
*
يمكن تخيل تاريخ مختلف لصراعنا، لا يقع فيه أسوأ ما وقع. التاريخ ليس حتمياً، وليس مكفولاً. إنه نتاج أفعال فاعلين وخيارات مختارين، وإن في شروط لم يختاروها دوماً. أما وقد وقع كثير من السوء، فإن هذا يقول شيئاً غير طيب عنا، كمجتمع وأفراد وثقافة ودين، وبالطبع كدولة، وبنسبة سلطة كل منا ونطاق مسؤوليته.
لو كان سمير كعكة موقوفأ مثل أمجد يوسف، ولو جرى نشر ما يكشفه التحقيق معه من معلومات، لربما عرفنا الكثير عن جانب من تاريخ الاغتيالات وفتاوى القتل في دوما والغوطة الشرقية، والنزاع على السلطة والولاء في جيش الإسلام ذاته بين المؤسس والشرعي. لو كان عمر الديراني موقوفاً وجرى معه تحقيق وافٍ لعرفنا خريطة موثوقة لسجون جيش الإسلام، وأسماء من اعتقلوا وقتلوا وغيبوا، وربما لاهتدينا إلى مواقع المقابر التي طمروا فيها ضحاياهم. ولو اعتقل حسين الشاذلي وحقق معه لتوفرت للدوامنة وعموم السوريين معلومات لازمة عن سلسلة القيادة التي أشرفت على خطف سميرة ورزان ووائل وناظم، وكان "ضابط أمن الغوطة الشرقية" مفصلاً تنفيذياً فيها.
هذا كله ممكن اليوم لأنه واجب.
*
وغير توقيف المشتبه بهم الوحيدون في الجريمة، كان يقضي الواجب بتكريم المرأتين والرجلين بوصفهم من أبرز أبطال الثورة السورية، ومن أكرم شهودها. في سورية حرة، سيحدث هذا من كل بد يوماً ما. لكن فقط في سورية حرة.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خواطر في المسألة العربية
- الدولة والأمة في سورية، أمس واليوم
- تعليقات على كتاب دانيال نيب: سورية، تاريخ حديث
- انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل
- من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده
- جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب
- حوار الفرد والسلطة والعائلة في المجتمع
- بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية
- سميرة ورزان ووائل وناظم، القصة مرة أخرى
- سورية اليوم: أين كانت؟ أين هي الآن؟ وإلى أين تسير؟
- أساسيات سورية: متى يكون احتكار العنف شرعياً؟
- في الثورة الثقافية: مناقشة لتصور عبد الله العروي
- في العنف وعوالمه
- حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم
- حوار: الجسد الصغير والجسد الكبير
- يوميات مغربية
- في الفقر الثقافي والروحي في سورية اليوم
- لو كنت كردياً: في أخلاقيات التّمثُّل وسياسته
- في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم
- الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية


المزيد.....




- شاهد.. طائرة صغيرة تصطدم بأعلى ناطحة سحاب في بكين
- أمريكا تعلن تخفيف بعض العقوبات مؤقتا على فنزويلا بعد الزلزال ...
- مصر.. الرمال تبتلع 5 أشخاص خلال رحلة تنقيب سرية عن الآثار
- مدرب منتخب ألمانيا يدعم الحارس نوير بعد اتهامه بالتردد والتس ...
- سيناتور روسي يرد على تصريحات ماكرون عن التحول الحاد في موقف ...
- فنلندا.. قرار إلغاء حظر استيراد وتخزين الأسلحة النووية يدخل ...
- عاصفة من الجدل داخل الكابينيت الإسرائيلي حول كيفية الرد على ...
- بوتين يلتقي لوكاشينكو في فالداي
- تحول كبير وحاسم في قضية احتفاظ بولتون بوثائق حساسة تمس الأمن ...
- شهادات صادمة من غرف الولادة في مصر... من يحمي الأمهات؟


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!