أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدنان الصباح - طهران وواشنطن ... ثبات المقاتل هشاشة المقامر















المزيد.....

طهران وواشنطن ... ثبات المقاتل هشاشة المقامر


عدنان الصباح
(Adnan Alsabbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 16:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مرة أخرى تجد الولايات المتحدة نفسها أمام مواجهة مفتوحة لا تملك ضمانات حقيقية لمآلاتها. والمفارقة أن واشنطن لم تستوعب بعد دروس تجاربها القريبة، رغم أنها جاءت باهظة الكلفة سياسيًا وعسكريًا. ففي عدوانها على اليمن، دخلت المعركة وسط ضجيج إعلامي هائل ووعود بإخضاع الخصم خلال وقت قصير، لكنها أنهت المواجهة بصمت لافت، بعد أن اصطدمت بواقع ميداني مختلف تمامًا عن حساباتها المسبقة، وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في معرض تبريره لإنهاء تلك المواجهة، أشار إلى "شجاعة المقاتلين اليمنيين"، في اعتراف عكس حجم الصعوبة التي واجهتها الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها.
ولم تكن تلك التجربة الوحيدة التي كان يفترض أن تدفع واشنطن إلى مراجعة حساباتها، فمنذ اندلاع الحرب في غزة وما تلاها من مواجهات على الجبهة اللبنانية واليمنية ومع إيران، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى التدخل سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا لإنقاذ حليفتها من مأزق ميداني لم تستطع تجاوزه بمفردها، وهو ما جعلها تتحمل بصورة مباشرة أعباء إدارة الصراع واحتواء تداعياته.
واليوم، يتكرر المشهد بصورة مختلفة، ولكن بالدلالات نفسها، فبدل أن تدخل الولايات المتحدة المواجهة مع إيران وهي تمسك بكامل زمام المبادرة، وجدت نفسها بحاجة إلى شبكة واسعة من الوسطاء والقوى الإقليمية، من بينها مصر وتركيا وباكستان والسعودية وقطر، للمساهمة في احتواء التصعيد وفتح قنوات تؤدي إلى الخروج من الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، وهذه الحقيقة، بغض النظر عن الخطاب الاحتفالي الذي يقدمه ترامب أو روايات الانتصار التي يروج لها، تكشف أن ميزان الوقائع على الأرض لا يخضع للدعاية السياسية، وأن النتائج الفعلية لا يمكن إعادة صياغتها بالخطابات أو الأمنيات، فالتاريخ يكتب في ميادين الصراع، لا في المؤتمرات الصحفية، والحقائق الميدانية تبقى أكثر صلابة من أي سردية إعلامية.
في السياسة كما في الحروب، لا تُقاس الانتصارات دائمًا بنتائج المعارك المباشرة أو بحجم القوة العسكرية المستخدمة، بل كثيرًا ما تتحدد بقدرة الأطراف على إدارة الوقت، وامتصاص الضغوط، وفرض إيقاعها الخاص على مسار الأحداث، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الجولة الأخيرة من المواجهة الدبلوماسية المتعلقة بإيران باعتبارها صراعًا بين نموذجين متناقضين: نموذج "المقاتل" الذي يبني استراتيجيته على الصبر والثبات وتراكم الإنجازات، ونموذج "المقاول" الذي يتعامل مع السياسة باعتبارها مشروعًا لتحقيق مكاسب سريعة ولو على حساب الاستقرار طويل الأمد.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن طهران تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول مضمون التفاهمات المطروحة، بل حول تحديد من يمتلك القدرة على فرض شروط الدخول إلى التفاوض. ولذلك تمسكت بشروطها الأساسية، ورفضت الانتقال إلى أي مرحلة جديدة قبل تحقيق متطلبات محددة على الأرض، سواء ما تعلق بوقف إطلاق النار أو بطبيعة التمثيل الدبلوماسي أو بالشكل الذي ستجري فيه اللقاءات السياسية.
قد تبدو هذه التفاصيل بروتوكولية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تمثل جزءًا من معركة الإرادات. فحين ينجح طرف في فرض شروطه الشكلية قبل الدخول في نقاش المضمون، فإنه يرسل رسالة واضحة بأنه لا يتفاوض تحت الضغط، وأنه لا يعترف مسبقًا بتفوق خصمه السياسي أو العسكري.
في المقابل، بدا أن هذا الثبات الإيراني دفع الطرف الأمريكي والإسرائيلي إلى حالة من التوتر المتزايد. فكلما طال أمد المواجهة دون تحقيق نتائج حاسمة، تزايدت الحاجة إلى استخدام لغة التهديد والضغط المباشر. وهنا ظهرت سلسلة من التصريحات التي كشفت جانبًا من الأهداف الكامنة خلف التصعيد، سواء فيما يتعلق بمستقبل قوى المقاومة في المنطقة، أو بمحاولات إعادة هندسة موازين القوى الإقليمية بما يضمن استمرار الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
غير أن أهمية هذه الجولة لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في النموذج الذي قدمته. فالثبات الإيراني لم يكن مجرد موقف تفاوضي، بل تحول إلى رسالة استراتيجية يمكن أن تنعكس على مختلف جبهات الصراع المرتبطة بمحور المقاومة.
لبنان: تثبيت معادلة الردع
في لبنان، يقدم هذا النموذج دلالة واضحة على أن الصمود السياسي والعسكري قادر على تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية. فكلما نجحت المقاومة في منع فرض الشروط الإسرائيلية بالقوة، ازدادت قدرتها على حماية التوازنات التي نشأت خلال السنوات الماضية. ومن هنا يصبح الثبات جزءًا من معادلة الردع نفسها، لا مجرد موقف تفاوضي عابر وهو ما يقدم نموذجا ناجحا للدولة اللبنانية عن ضرورة التمسك بمقاومتها وسيلة للانتصار في التفاوض كورقة قوة وعدم اعتبارها حملا ثقيلا يجب التخلص منه وهي تكون قد فعلت بنفسها ما فعله بائع البيض الغارق في الاحلام فخسر سلة بيضه وملابسه ولم يصل السوق وطارت الاحلام.
غزة: تحويل الصمود إلى ورقة سياسية
أما في غزة، فإن التجربة تكتسب أهمية أكبر، فالقطاع خاض واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخه الحديث بل وتاريخ المنطقة، لكنه أظهر أن القدرة على الاستمرار والصمود قد تتحول بحد ذاتها إلى عنصر ضغط على الخصم رغم حجم العذابات والويلات التي عاشتها غزة الا ان أهمية البسالات تكمن في انها الوسيلة الوحيدة الباقية لإرغام الخصم على تذكر فشله اكثر من تذكر جريمته وان الجرائم لا تأتي بانتصارات بل قد تتحول الى ويلات على أصحابها مع مرور الزمن والأمم لا تنتصر بدون القدرة على الصبر خصوصا اذا كان الخصم على عجلة من امره .
في هذا السياق، ينسجم النموذج الإيراني مع فكرة أن المعركة لا تنتهي عند حدود المواجهة العسكرية، فكل يوم يفشل فيه الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة يتحول إلى عبء سياسي واستراتيجي عليه، وبالتالي فإن الثبات، حتى في ظل كلفة بشرية ومادية هائلة، يصبح وسيلة لإعادة تشكيل شروط التفاوض وفرض وقائع جديدة على المستوى الدولي والإقليمي.
الضفة الغربية: استنزاف مشروع السيطرة
في الضفة الغربية، قد لا تظهر المعادلة بالشكل العسكري نفسه، لكنها تتجلى في القدرة على إفشال محاولات فرض الوقائع النهائية، فاستمرار المقاومة الشعبية بكل اشكالها ودرجاتها بما فيها القدرة على الصبر والثبات والاحتمال يعني أن مشروع السيطرة الكاملة يظل عاجزًا عن الوصول إلى حالة الاستقرار التي يحتاجها والتي لا يستطيع ان ينجو بأفعاله بدونها فان انت لم تنهار بالضربة القاضية امام عدو لا يحتمل الصمود فمعنى ذلك انك زرعت في الارض أول أعمدة نصرك القادم وكل ما عليك الثبات ومنع عدوك حتى من الاعتقاد انه انتصر.
ومن منظور استراتيجي، فإن الثبات هنا لا يُقاس بعدد الانشطة أو حجم الاشتباك او نوعه فقط، بل بقدرة المجتمع الفلسطيني على منع تحويل الاحتلال إلى واقع طبيعي ومستقر. وهذه معركة طويلة الأمد تشبه في جوهرها فلسفة "المقاتل" الذي يراهن على الزمن بدل البحث عن انتصار خاطف.
العراق: ساحة الضغط الصامت وتوازن الردع غير المعلن
في العراق، تتخذ معادلة الصراع شكلًا أكثر تعقيدًا وأقل صخبًا، لكنها لا تقل تأثيرًا في ميزان القوى الإقليمي، فهذه الساحة تمثل نموذجًا لـ "الضغط الصامت" الذي لا يعتمد على المواجهة المفتوحة بقدر ما يقوم على إدارة التوازنات الدقيقة بين الحضور الأمريكي وقوى المقاومة المحلية. إن قدرة هذه القوى على البقاء، والتنظيم، وإعادة التموضع رغم الضغوط السياسية والعسكرية، تعكس بوضوح فلسفة "المقاتل" الذي يراهن على الزمن لا على الضربة الحاسمة،
فكل محاولة لفرض واقع سياسي أو أمني يتجاهل هذه القوى تصطدم بحقيقة أنها أصبحت جزءًا من معادلة الاستقرار نفسها، لا مجرد طرف يمكن تجاوزه، ومن هنا، يتحول العراق إلى ساحة استنزاف من نوع خاص، حيث لا يستطيع الخصم تحقيق نصر واضح، ولا يملك في الوقت ذاته القدرة على الانسحاب دون كلفة استراتيجية، وفي هذا السياق، ينسجم الأداء العراقي مع النموذج الإيراني في كونه يعتمد على تراكم عناصر القوة بهدوء، وفرض حدود غير مرئية على حركة الخصم، ما يجعل أي مغامرة غير محسوبة أقرب إلى مقامرة خاسرة في مواجهة خصم يتقن فن الانتظار.
اليمن: صعود قوة إقليمية جديدة
أما في اليمن، فإن انعكاسات هذا النموذج تبدو أكثر وضوحًا، فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن قوة أقل إمكانات مادية يمكنها، عبر الصبر والتدرج وتطوير أدواتها، أن تتحول إلى لاعب إقليمي مؤثر.
لقد نجحت صنعاء في فرض نفسها ضمن معادلات البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، وأظهرت أن امتلاك الإرادة السياسية والثبات الاستراتيجي قد يعوض كثيرًا من الفوارق التقليدية في موازين القوى. ومن هذه الزاوية، فإن ما تحققه إيران دبلوماسيًا ينعكس على حلفائها باعتباره دليلًا إضافيًا على أن الصمود يمكن أن يفرض الاعتراف السياسي بعد أن يفرض نفسه ميدانيًا خصوصا وان اليمن قدمت للبشرية عرضا حقيقيا عن كيف يمكن لفرط الإرادة ان يهزم فرط القوة ولن ينسى العالم ابدا هروب ترامب السريع امام صلابة ابطال اليمن كما وصفهم بنفسه فالعلم والتاريخ لا يمكن ان يعكس الحقيقة القائلة باستحالة انتصار المقاول المقامر الذي على عجلة من امره مع المقاتل الشجاع الذي لا يعرف الا النصر او النصر.
تراكم الجبهات وتآكل الهيمنة
أحد أهم عناصر القوة التي يكشفها هذا النموذج يتمثل في الترابط بين الجبهات المختلفة. فحين تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل تحديات متزامنة في لبنان وغزة والضفة واليمن، تصبح القدرة على إدارة الضغوط أكثر تعقيدًا.
في المقابل، يستفيد محور المقاومة من حقيقة أن كل جبهة تضيف عبئًا جديدًا على خصومه، فالمعادلة لا تقوم بالضرورة على تحقيق انتصار حاسم في كل ساحة، بل على منع الخصم من تحقيق انتصاره الحاسم في أي ساحة، ومع مرور الوقت، يتحول تراكم الأعباء السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى عامل استنزاف استراتيجي طويل الأمد.
السؤال الأكبر: إلى أين يتجه الإقليم؟
السؤال الذي تطرحه هذه المرحلة لا يتعلق بإيران وحدها ولا حتى بمحور المقاومة بمختلف مكوناته، بل بطبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل أمام أعيننا. فهل تستمر المنطقة خاضعة لمنطق القوة الأحادية والضغوط والإكراه، أم أنها تتجه نحو مرحلة تفرض فيها قوى إقليمية متعددة نفسها من خلال الصمود وتراكم عناصر القوة؟
وفق هذه الرؤية، فإن الإنجاز الإيراني الحقيقي لا يكمن فقط في نتائج جولة تفاوضية أو في كسب موقف سياسي مؤقت، بل في ترسيخ نموذج يقوم على الثبات الاستراتيجي وإجبار الخصم على استهلاك قوته السياسية والعسكرية والاقتصادية في معارك طويلة الأمد، وكلما اتسعت دائرة الأطراف التي ترى في هذا النموذج وسيلة لحماية مصالحها وسيادتها، ازدادت صعوبة استمرار نموذج "المقاول" القائم على المقامرة بالحلفاء واستخدام الأزمات لتحقيق الأرباح السياسية.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحاسم هو من يربح الجولة الحالية، بل أي النموذجين يمتلك القدرة على الاستمرار لعقد أو عقدين قادمين: نموذج المقاتل الذي يراكم القوة بصبر، أم نموذج المقاول الذي يراكم المخاطر ويؤجل أثمانها إلى المستقبل.
وربما يكون الإنجاز الأهم في هذه الجولة أن نموذج "الخداع التفاوضي" الذي اعتمدته واشنطن وتل أبيب خلال الأشهر الماضية تلقى ضربة قاسية، فقد قامت هذه المقاربة على فكرة استخدام وقف إطلاق النار كأداة تكتيكية لإعادة تموضع الاحتلال واستعادة المبادرة ثم العودة إلى التصعيد بشروط أفضل، وهو ما ظهر في أكثر من محطة في غزة ولبنان، غير أن الإصرار الإيراني على ربط أي مسار سياسي بضمانات واضحة ووقف نار حقيقي، لا شكلي أو مؤقت، وضع الولايات المتحدة أمام معادلة جديدة لم تعتمد عليها، فبدل أن تفرض واشنطن شروطها على طاولة التفاوض، وجدت نفسها مضطرة للتراجع أمام شرط سبق أن رفضته مرارًا، والأهم من ذلك أن هذا التحول لا يقتصر أثره على الساحة اللبنانية، بل يؤسس لسابقة سياسية ستنعكس على غزة والضفة واليمن وسائر جبهات المواجهة؛ إذ بات من الصعب إعادة تسويق صيغ "وقف النار، بالنار" أو الهدن التي تمنح طرفًا فرصة إعادة تنظيم صفوفه دون التزامات متبادلة وواضحة، وبذلك لم يقتصر الإنجاز على انتزاع تنازل سياسي آني، بل تعداه إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك التفاوضي نفسها، بما يجعل تكرار الفخاخ السابقة أكثر صعوبة وأعلى كلفة.
يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل بدأت دول المنطقة وشعوبها بإعادة النظر في المسلمة التي حكمت سياسات الشرق الأوسط لعقود، والقائلة إن التحالف مع الولايات المتحدة يمثل الطريق الوحيد إلى الأمن والاستقرار؟ فالتجارب الأخيرة تطرح سؤالًا معاكسًا: ماذا لو أصبح هذا التحالف في كثير من الحالات عبئًا أكثر منه مكسبًا؟ وماذا لو أن النفوذ الأمريكي، الذي جرى تصويره طويلًا باعتباره قدرًا لا يمكن مقاومته، بحيث لم يعد يتمتع بالحصانة ذاتها التي امتلكها في العقود الماضية؟
لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن دولًا وقوى عاشت تحت أقسى ظروف الحصار والحروب استطاعت رغم محدودية مواردها أن تفرض نفسها لاعبًا مؤثرًا في المعادلات الإقليمية. فإيران التي تواجه ضغوطًا وعقوبات ممتدة منذ ما يقارب نصف قرن، واليمن الذي يخوض مواجهة مفتوحة منذ أكثر من عقد، وغزة التي عاشت الحصار والحروب المتكررة لعقود طويلة، قدمت جميعها نموذجًا مختلفًا يقوم على الإرادة السياسية والصبر الاستراتيجي أكثر مما يقوم على فائض القوة المادية، والنتيجة أن هذه الأطراف لم تنجح فقط في الصمود، بل في فرض قيود متزايدة على حرية الحركة الأمريكية والإسرائيلية وإجبار خصومها على إعادة حساباتهم في أكثر من محطة.
ومن هنا فإن التحول الحقيقي قد لا يكون في موازين القوى العسكرية وحدها، بل في تآكل الفكرة التي حكمت المنطقة طويلًا، أي أن الإرادة الأمريكية قادرة دائمًا على فرض ما تريد، فإذا كانت أطراف محاصرة ومحدودة الإمكانات استطاعت أن تفرض معادلات ردع وتأثير، فإن السؤال يصبح: ماذا يمكن أن يحدث لو قررت دول المنطقة بناء سياساتها على مصالحها واستقلال قرارها، بدل التعامل مع القوة الأمريكية باعتبارها حقيقة ثابتة لا يمكن تغييرها.
إذا كان من المبكر الجزم بأن المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة من التوازنات النهائية، فإن ما أصبح واضحًا هو أن الإنجاز الأهم لا يقتصر على إفشال مشاريع بعينها أو فرض وقائع ميدانية جديدة، بل يتمثل في حقيقة استراتيجية آخذة في التشكل: الولايات المتحدة لم تعد تمتلك القدرة المطلقة على فرض إرادتها أينما شاءت ومتى شاءت، كما فعلت لعقود طويلة، والأهم من ذلك أن دولًا كثيرة، بما فيها حلفاء واشنطن التقليديون، باتت أقل استعدادًا لتحمل كلفة السياسات الأمريكية أو الانخراط في مغامراتها دون حساب.
أما المشروع الصهيوني، فرغم ما لا يزال يمتلكه من قوة عسكرية ودعم غربي واسع، فإنه يواجه اليوم تحديًا من نوع مختلف؛ تحديًا يتعلق بتآكل شرعيته الأخلاقية والسياسية أمام الرأي العام العالمي، فمنذ صباح السابع من أكتوبر، دخل الصراع مرحلة جديدة لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى معركة الوعي والرواية والشرعية، وهي معركة لا تقل أهمية عن ميادين القتال.
لقد علمنا التاريخ أن سقوط مشاريع الهيمنة لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ عندما تفقد تلك المشاريع قدرتها على إقناع العالم بعدالة وجودها، هكذا بدأ العد التنازلي لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ فلم يكن انهياره نتيجة هزيمة عسكرية، بل ثمرة تراكم طويل من العزلة الأخلاقية والسياسية، حين لم يعد العالم مستعدًا لتبرير جرائمه أو التعايش مع عنصريته.
ولعل ما نشهده اليوم يحمل بعض الملامح ذاتها، فالصهيونية، التي نجحت لعقود في تقديم نفسها بوصفها مشروعًا أخلاقيًا، تواجه اليوم موجة غير مسبوقة من النقد والرفض، ليس فقط في أوساط الشعوب، بل داخل الجامعات والمؤسسات الفكرية والثقافية الغربية، وبين أعداد متزايدة من المثقفين والمتنورين اليهود أنفسهم، وهذه التحولات، مهما بدت بطيئة، قد تكون المؤشر الأعمق على أن مسار التاريخ بدأ يتحرك في اتجاه مختلف، وأن الطريق نحو هزيمة مشاريع الاستعمار والاحتلال يبدأ دائمًا بخطوة تغير وعي العالم قبل أن تغير خرائطه وقد يكون صباح السابع من أكتوبر بوابة هذا الزمن الذي لا يبدو انه سيطول كثيرا.
يبقى السؤال: هل تلتقط إسرائيل تحذيرات أصواتها المتنورة، فتدرك أن أمنها الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن سلام الآخرين وحقوقهم، أم أن العمى العنصري سيدفعها إلى مزيد من الانحدار؟ فبدل أن يشكل السابع من أكتوبر لحظة مراجعة عميقة، تشير الوقائع إلى أن التطرف بات يستهدف حتى الأصوات اليهودية الرافضة للعنصرية. وربما تكون الجبهة الأخطر التي تواجهها إسرائيل اليوم ليست قوى المقاومة الفلسطينية وحلفاءها، بل اتساع دائرة من يؤمنون، ومن بينهم يهود كثر، بأن الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني هو الطريق الوحيد إلى سلام عادل ودائم. وعندها قد تتحول المواجهة من صراع سياسي إلى مواجهة عالمية مع مشروع يُنظر إليه بوصفه مشروعًا عنصريًا، فتغدو الصهيونية المتطرفة، لا المقاومة، هي المعزولة أخلاقيًا وسياسيًا أمام الرأي العام الدولي.



#عدنان_الصباح (هاشتاغ)       Adnan_Alsabbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرة تفاهم أم فخاخ وخدع
- هل تنجح امريكا في صنعة الخديعة من جديد
- غزة ... نزع الأرواح بحجة نزع السلاح
- مؤتمر فتح الثامن نفس الخطاب والأدوات لواقع مختلف
- ليكن جوعكِ سلاحكِ يا غزة
- اقرئي درس غزة جيدًا يا طهران
- إمبريالية المعرفة 18
- النصر للمقاومة… الوحدة لفتح… وطول العمر للرئيس
- إمبريالية المعرفة 17
- عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة
- حرب أيام أربعة أم آلاف اربعة؟
- موسكو، غزة، طهران، … إخذلوهم ولن ينجو منكم أحد
- فلسطين: حين يصير الحق سؤالاً لا يقين
- قبل أن نلعن العالم… لنجرؤ على النظر في المرآة
- روسيا وإيران رأس الحربة في مواجهة أمريكا
- غزة التي في خاطري تستغيث
- العالم يحتاج الدور المصري فورا
- إيران في مواجهة أمريكا مصد أم بوابة؟
- غزة وزفة الكذابين
- بصراحة إذا لم نتحد فإننا ننتحر


المزيد.....




- شاهد.. طائرة صغيرة تصطدم بأعلى ناطحة سحاب في بكين
- أمريكا تعلن تخفيف بعض العقوبات مؤقتا على فنزويلا بعد الزلزال ...
- مصر.. الرمال تبتلع 5 أشخاص خلال رحلة تنقيب سرية عن الآثار
- مدرب منتخب ألمانيا يدعم الحارس نوير بعد اتهامه بالتردد والتس ...
- سيناتور روسي يرد على تصريحات ماكرون عن التحول الحاد في موقف ...
- فنلندا.. قرار إلغاء حظر استيراد وتخزين الأسلحة النووية يدخل ...
- عاصفة من الجدل داخل الكابينيت الإسرائيلي حول كيفية الرد على ...
- بوتين يلتقي لوكاشينكو في فالداي
- تحول كبير وحاسم في قضية احتفاظ بولتون بوثائق حساسة تمس الأمن ...
- شهادات صادمة من غرف الولادة في مصر... من يحمي الأمهات؟


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عدنان الصباح - طهران وواشنطن ... ثبات المقاتل هشاشة المقامر