أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بهيج حسن مسعود - قراءة في رواية كمطر ملون أو أكثر لسمير ألوغازي















المزيد.....

قراءة في رواية كمطر ملون أو أكثر لسمير ألوغازي


بهيج حسن مسعود
مهندس نظم رادارية, كاتب وناقد أدبي

(Baheej Haasan Massoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 15:48
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية في رواية "كمطر ملون أو أكثر" لسمير أبو غازي

مقدمة عن المؤلف: سمير أبو غازي

سمير أبو غازي شاعر وقاص وروائي سوري، ينتمي إلى جيل أدبي يبحث عن تجديد الأشكال التعبيرية، ويجمع في أعماله بين السرد التاريخي والعمل الروائي، مع ميل واضح إلى توثيق التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية. يتميز أسلوبه الأدبي بالعمق والدفق الشعوري، والمزج بين الواقع والتوثيق والخيال، مما يمنح نصوصه طابعاً تأملياً يتجاوز السرد التقليدي.

أبو غازي عضو في اتحاد الكتاب العرب، وصدرت له عدة أعمال أدبية متنوعة، من أبرزها:

- رواية "كمطر ملون أو أكثر" (2022) عن الهيئة العامة السورية للكتاب، وهي العمل الذي بين أيدينا، وقد شكل منعطفاً في مسيرته الإبداعية، حيث وثّق مرحلة الاحتلال الأمريكي للعراق وما خلفه من دمار وتخريب للبنى التحتية والإنسانية.
- المجموعة الشعرية "تفاح الضوء" (2021) عن اتحاد الكتاب العرب، وتنتمي إلى قصيدة النثر، وتتميز بخيال خصب ولغة عالية وإيقاع داخلي موسّع.
- المجموعة القصصية "هلوسات رجل ميت" (2010).
- ديوان "مرايا التيه" (2011).

تتجلى في أعمال أبو غازي رؤية إنسانية عميقة، واهتمام بالهم الجمعي، وقدرة على تحويل المعاناة اليومية إلى نسيج سردي مكثف، دون أن يفقد النص جماليته الفنية أو عمقه الفلسفي.

***

قراءة نقدية في الرواية

1. العنوان: استعارة التعدد والتناقض

يحمل العنوان "كمطر ملون أو أكثر" إيحاءات متعددة تستدعي التأويل. فالمطر في العادة شفاف، عديم اللون، لكن وصفه بـ"الملون" يحيل إلى رؤية سوريالية تنقلب فيها معطيات الطبيعة، لتصبح الحرب والدمار والموت هي "المطر" الذي يهطل على العراق. أما عبارة "أو أكثر" فتشير إلى التعدد والتشظي، وربما إلى أن المعاناة تتجاوز كل توصيف، وأن الألوان (بوصفها رموزاً للتنوع الإنساني والثقافي) قد تحولت إلى أداة للصراع والتمييز.

العنوان إذن يحمل في طياته رؤية الشاعر-الروائي للواقع العراقي: فضاء متشظ، تنوع هش، ومطر دموي يهطل من سماء الاحتلال والحروب الأهلية.

2. البنية السردية: التشظي بوصفه جمالية

تعتمد الرواية بنية سردية غير تقليدية، تتوزع بين عدة شخصيات وأمكنة وزمنيات متداخلة. يمكن رصد الملامح التالية في بنائها السردي:

أ. تعدد الأصوات
تتنقل الرواية بين وعي خالد، وريتا، وأبي أسعد، ومريانا الصحفية، ودخيل الناجية من تنظيم داعش، ورفعت شمس النحات، وأسعد الفنان الهارب، وغيرهم. هذا التعدد يتجاوز كونه تقنية سردية إلى كونه رؤية فلسفية تعكس تشرذم الذات العراقية في زمن الاحتلال.

ب. تداخل الأزمنة
تعمل الرواية على مزج الماضي بالحاضر، وربما المستقبل، عبر تقنيات الاسترجاع وتيار الوعي. فذكريات خالد في السجن تتداخل مع معاناة ريتا في الانتظار، وتاريخ العائلة (كما في حكاية الجدّ الذي رفض إطلاق النار على المدنيين الجزائريين) يتصل بواقع الاحتلال الجديد.

ج. الحذف والبياض
ثمة مساحات صامتة، وصفحات تظهر وكأنها محذوفة أو مهشمة (كما في الصفحات التي تحوي رموزاً هندسية)، وكأن الرواية تريد أن تُشعر القارئ بفجيعة الفقد، كما لو أن النص نفسه يتعرض للقصف والتشظي مثلما تتعرض المدن والشخصيات.

3. الشخصيات: تمثيلات الجسد العراقي

خالد
البطل المحوري، الجندي الذي تحوّل إلى مقاوم، ثم السجين، ثم الغائب. خالد يمثل الرجل العراقي الذي وُلد في ظل أنظمة متعاقبة، وسُجن من قبل "العراقيين الجدد" الذين جاؤوا على ظهور الدبابات الأمريكية. حواراته الداخلية تكشف عن انكسار الذات، لكنها تكشف أيضاً عن إرادة المقاومة: "سنحارب حتى آخر رعشة في القلب".

ريتا
المرأة المنتظرة، التي تخيط الجوارب للطفل الغائب والده، وتحلم بالعودة إلى حلب. ريتا ليست مجرد زوجة، بل هي رمز للصبر الأنثوي، وللأرض التي تنتظر عودة فلاحيها. حبها لخالد يمتد إلى حبها للوطن، وانتظارها له يتجاوز الزمن الفيزيائي.

دخيل
الناجية الإيزيدية التي بيعت سبية أكثر من عشر مرات، ورفضت جائزة نوبل احتجاجاً على "نفاق العالم". دخيل هي صوت الضحية التي لا تقبل التعويضات الرمزية، وترفض أن تكون صورة براقة في وسائل الإعلام. قولها: "لعن الله الجوائز" هو صرخة في وجه الإنسانية التي تتفرج على المذابح ثم توزّع الميداليات.

أسعد
الفنان الذي يهرب من جيش الاحتلال، ويعبر البحر إلى أوروبا، ليمثل ضياع الشباب العراقي بين الهوية والمنفى. أسعد هو الوجه الآخر للعراق: الذي يحمل ثقافته وفنه في حقائبه، ويصارع الموت على قوارب المطاط.

رفعت شمس
النحات الذي يبيع منحوتاته ليظل حياً، وتتعلق به أساطير إغريقية ومحاكم داعش في آن. رفعت هو العراقي المبدع الذي تحاصره السلطة والموت، لكنه يظل شاهداً على الجمال حتى في زمن الطوفان.

4. الأماكن: جغرافيا الألم

تتنقل الرواية بين:

- البصرة: مدينة الملح والنفط، مسرح المعارك الأولى.
- حلب: مسقط رأس ريتا وأبي أسعد، مدينة الذاكرة والشجن.
- الفلوجة وسنجار: رمزا المقاومة والمأساة الإنسانية.
- اليونان وأوروبا: فضاء المنفى والحلم الضائع.

هذه الأمكنة ليست مجرد خلفيات، بل هي شخصيات في الرواية، تحمل تاريخاً ووجعاً، وتتشظى كما تتشظى الشخصيات.

5. اللغة والأسلوب: الشعرية والواقعية

يمتاز أسلوب أبو غازي بالخصائص التالية:

أ. اللغة الشعرية
النص مليء بالصور البلاغية المكثفة: "غابات من الفراغ في هلعها الأخير"، "تلآلأت نجوم السماء في عيني وكفي". هذه الاستعارات لا تخدم الجمال فقط، بل تشكل رؤية فلسفية للعالم.

ب. المزج بين الواقعي والسوريالي
تبدو المشاهد أحياناً واقعية بتفاصيلها اليومية (الغسيل، الطعام، التلفاز)، ثم تنقلب إلى رؤى سوريالية (تحوّل الطفل إلى غبار، ارتعاش الصلصال، حوار مع الآلهة الإغريقية).

ج. تقنية التضمين
تُضمّن الرواية نصوصاً فرعية: مذكرات، رسائل، مشاهد محاكم، مقابلات صحفية، وأحياناً شعر. وهذا التضمين يعكس رغبة الروائي في تقديم بانوراما شاملة للواقع.

6. الثيمات المركزية

أ. الحرب والاحتلال
الحرب ليست حدثاً خارجياً، بل حالة وجودية تعيد تشكيل كل شيء: العلاقات، الأحلام، اللغة، وحتى الجسد. الرواية تصوّر الاحتلال الأمريكي وتنظيم داعش كوجهين لعملة واحدة: القتل باسم التحرير أو باسم الدين.

ب. التعددية والهوية المهشمة
العنوان نفسه يشير إلى الألوان المتعددة، لكن هذه الألوان تتصارع وتتناحر. العراق في الرواية هو فسيفساء من الطوائف والأعراق، لكن الاحتلال والحرب يحوّلان هذا التنوع إلى مأساة.

ج. الضحية والشهادة
تطرح الرواية إشكالية الشهادة: من يتحدث؟ ولمن؟ وكيف يمكن للضحية أن تحكي وهي تموت؟ دخيل ترفض الجائزة لأنها لا تريد أن تكون "شاهداً" في متحف الإنسانية، بل تريد تغييراً حقيقياً.

د. الجمال في زمن الموت
رغم المآسي، يظل الفن حاضراَ: النحت، الرسم، الموسيقى، الحب. هذا الجمال هو شكل من أشكال المقاومة، كما في شخصية رفعت شمس التي تبدع رغم القصف.

7. البعد الفلسفي: الأسئلة الكبرى

تطرح الرواية أسئلة وجودية كبرى، منها:

- ما علاقة الضوء بالوعي والكآبة؟ (كما في تأملات الشخصيات حول الألوان وعلاقتها بالدماغ).
- هل الإنسانية قيمة كونية أم شعار زائف؟
- كيف نعيش بعد فقدان الوطن والأحباء؟

تحضر هنا إشارات إلى الفلسفة الشرقية القديمة (العلاج بالألوان في الهند ومصر)، وإلى الأساطير الإغريقية (بروميثيوس، أفروديت)، وكأن الرواية تبحث عن جذور الإنسان في مواجهة انكسار الحاضر.

8. البعد السياسي والنقدي

الرواية ناقدة بوضوح:

- للاحتلال الأمريكي: "العراق كله يأكله النيران".
- للنظام السياسي الجديد: "العراقيون الجدد أسوأ من الأمريكيين".
- للمنظمات الدولية: من خلال رفض جوائز نوبل وسخاروف.
- للإعلام الغربي: الذي يحوّل المعاناة إلى مشاهد استهلاكية.

لكن النقد لا يقع في الخطابية المباشرة، بل يتوزع داخل الحكايات الشخصية.

9. الفصل الأخير: المنفى والحلم

ينتهي النص برحلة أسعد عبر البحر إلى اليونان، في مشهد مليء بالرموز:

- القارب المطاطي: هشاشة الحلم.
- البحر: الفضاء الرحب الذي يبتلع الأجساد والذاكرات.
- المرأة الغريبة: اللقاء العابر الذي يحمل وعداً وإغواءً.

هذا المشهد يفتح النص على الاحتمال، فلا نهاية مغلقة، بل استمرار للبحث عن مكان في العالم، كما يقول العنوان: "كمطر ملون أو أكثر".

خلاصة: الرواية كوثيقة وجمال

رواية "كمطر ملون أو أكثر" هي عمل أدبي متكامل، يجمع بين التوثيق التاريخي، والفن الروائي، والرؤية الفلسفية. هي رواية عن العراق، لكنها تتجاوزه إلى كل مكان يعاني من الاحتلال والتمزق. هي رواية عن الموت، لكنها تصرّ على الحياة، من خلال الجمال، والحب، والفن، والذاكرة.

سمير أبو غازي يقدّم في هذا العمل نموذجاً للروائي العربي المعاصر: شاعر في لغته، مؤرخ في رؤيته، وإنساني في قضيته.

يهيج حسن مسعود



#بهيج_حسن_مسعود (هاشتاغ)       Baheej_Haasan_Massoud#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غواية اللمحة: قراءة في كتاب -صقر عليشي شاعر السهل الممتنع-
- الفرق بين -لا- جاك دريدا و-لا- خلدون النبواني
- الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية في كتاب صادق جلال العظم
- خلدون النبواني في كتاب:الحداثة الحافظة: قراءات نقديه في أفكا ...
- ثنائيات الفكر الفلسفي: خلدون النبواني في مواجهة دريدا وهابرم ...
- رقصة الوصل:


المزيد.....




- السينما العربية تنافس على جوائز مهرجان -المرآة- الدولي في رو ...
- هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟
- فنانة مصرية: محمد رمضان أحالني لسائقه.. والعوضي وعدني بالعمل ...
- مصر.. القضاء يصدر حكمه على الفنانة جيهان الشماشرجي
- خريطة اللغات في روسيا.. تنوع قومي مذهل وقوانين تحمي حرية الا ...
- ممثل اليونسكو في المنطقة المغاربية: أولوية المنظمة صون الترا ...
- معرض -مريم- للفنان ناصر الباروني.. ليبيا بوجوهها المتعددة في ...
- الموساد يكشف سر -البروفة النهائية- لاقتحام الأرشيف النووي ال ...
- لافروف يستنكر إلغاء العروض الفنية الروسية في إيطاليا
- الرباط: توقيع اتفاقية لتكوين وتدريب طلبة فلسطينيين من القدس ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بهيج حسن مسعود - قراءة في رواية كمطر ملون أو أكثر لسمير ألوغازي