أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بهيج حسن مسعود - غواية اللمحة: قراءة في كتاب -صقر عليشي شاعر السهل الممتنع-















المزيد.....

غواية اللمحة: قراءة في كتاب -صقر عليشي شاعر السهل الممتنع-


بهيج حسن مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 00:31
المحور: الادب والفن
    


غواية اللمحة: قراءة في كتاب "صقر عليشي شاعر السهل الممتنع" للأساتذة:

1_ الدكتور راشد عيسى من الاردن
2_ الدكتور محمد سلام جميعان من الاردن
3_ الدكتورة كاميليا عبد الفتاح من مصر
4_ الأستاذ إياد مرشد من سوريا
تقديم: الكتاب الذي لا يشبه أحداً
بين أيدينا كتاب لا يشبه الكتب. ليس مجموعة شعرية تقليدية، ولا ديواناً بالمفهوم المتداول، ولا حتى "مختارات" تجمع شتات قصائد. "كتاب صقر عليشي شاعر السهل الممتنع" الذي أصدرته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بمناسبة اختيار الشاعر السوري صقر عليشي شاعر الدورة العاشرة لليوم العربي للشعر، هو أقرب إلى "متحف شعري" صغير، يضم بين دفتيه بانوراما من الرؤى، ومختبراً نقدياً مفتوحاً.
الكتاب في صورته النهائية تحفة فنية متكاملة: يبدأ بشهادة الشاعر عن نفسه، يليها عدد من الدراسات النقدية العميقة التي تتناول تجربته من زوايا متعددة (المفارقة، الأنساق اللغوية، فلسفة المعنى، البنى الإيقاعية)، ثم يُختتم بمختارات شعرية تمثل خلاصة رحلته مع الكلمة. هذه البنية وحدها تعلن أننا أمام شاعر يرفض الاستهلاك السريع، ويدعو قارئه إلى التأمل والمكابدة.
ولكن قبل أن ندخل إلى عوالم "اللمحات"، لا بد من الوقوف على سيرة هذا الشاعر الذي اختار أن يكون صوته هامساً، وشهرته محدودة، وحضوره نخبوياً، رغم أنه أحد أعمق الأصوات الشعرية العربية اليوم.
من هو صقر عليشي؟ سيرة الشاهد على الجمال
في كلمته التي ضمّنها الكتاب، يمنحنا صقر عليشي مفتاح الدخول إلى عالمه. يكتب بلغة لا تعرف التكلف:
"ولدت في بيئة فقيرة بسيطة، إلا أنها كانت تقدس الشعر وتنظر إلى الشعراء كمخلوقات خارقة... لعبت هذه البيئة بعقلي، وكنت بعدُ في سن الحلم، لا أميز جيداً من رديء ويلعث الطعم، ولم يعد بعدها أي شيء قادراً على إصلاحي."
هذا الاعتراف يختزل كل شيء. صقر عليشي هو ابن الدهشة الأولى. لم يتعلم الشعر في الجامعات، بل التقطه من هواء قريته "عين الكروم" في ريف حماة، من عيون الفقراء الذين كانوا يتداولون أسماء الشعراء "بهمس وخفوت وتبجيل". ظل هذا التقديس المبكر للشعر هو بوصلته الوحيدة.
يصفه الناقد السوري إياد فايز في إحدى الدراسات بأنه "شاعر اللحظة في قمة انفعالها". وهي عبارة دقيقة. فعليشي لا يكتب من ذاكرة باردة، بل من احتكاك مباشر بالحياة. هو القائل: "أنا معروف بضعفي الشديد أمام الجمال". هذا "الضعف" ليس استسلاماً، بل هو قوته الكبرى، هو الرادار الذي يلتقط به ما لا تراه العيون.
في المشهد الشعري السوري والعربي، اختار عليشي موقعاً فريداً: ليس شاعر المنابر الصاخبة، ولا نجم الإعلام، ولا صاحب البيانات الشعرية. إنه "الحسّون"، كما وصفه د. راشد عيسى، المغني الرقيق الذي لا يزعج أحداً، لكن صوته يظل رنينه في الروح بعد أن يصمت. إنه راهب الشعر، المتأمل في تفاصيل لا يلتفت إليها الآخرون: ذيل حيوان، غبار متراكم على حذاء، إبرة في كومة قش، بقرة في مرعى.
قراءة في "اللمحات": فلسفة الومضة وجماليات النقص
1. لماذا "اللمحات"؟ بيان شعري كامل
عنوان الكتاب ليس اختياراً عابراً، بل هو بيان شعري وفلسفي كامل. "اللمحة" تعني رفض القصيدة المطولة التي تستعرض عضلاتها اللغوية. تعني الإيمان بأن الحقيقة لا تظهر في الملاحم الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة. تعني أن الشاعر ليس ناظمَ قصائد، بل صيادُ ومضات.
يقول صقر عليشي في إحدى قصائده:
"تأتيني الفكرة...
تعدو من قدامي مسرعة عجلى
فألحقها
أمسك بالذيل..
لا فرق
أكان الوقت نهاراً، أم ليل
ما دام الذيل معي
فالفكرة لن تهرب"
"الإمساك بالذيل" هنا هو تعريف عليشي للشعر: ليس بناء أبراج عاجية، بل مطاردة فكرة شاردة، والإمساك بها من طرفها الأكثر تواضعاً. إنه شاعر لا ينتظر الإلهام المهيب، بل يترصد اليومي والعابر، ويمنحه شرف التحول إلى قصيدة.
2. المفارقة الساخرة: حين يضحك الفيلسوف
أبرز سمات شعر عليشي هي المفارقة الساخرة. لكن سخريته ليست تهريجاً، بل هي قناع رقيق يخفي ألماً عميقاً، ورؤية فلسفية للوجود.
في "لمحة عن الأمة (نعي فاضلة)"، يبلغ الغضب ذروته، لكنه غضب متحضر يدرك عبثية الفعل:
"كنت سأسلخ جلد الأمة
كنت بسكيني هذي
سأحط لها في جبهتها الشرخ
...
وتراجعت
رميت السكين
وجدت الأمة ميتة
والشاة المذبوحة لا يؤملها السلخ"
هذه أبيات لا يمكن كتابتها إلا بعد أن يبلغ الألم درجة القرف. لكن الشاعر لا يخطب، ولا يعظ، بل يستخدم صورة "الشاة المذبوحة" الصادمة التي تجعل القارئ يتوقف، مصعوقاً، ليعيد النظر في كل ما ظن أنه يفهمه عن "الأمة" و"الوطن" و"النهضة".
وفي "لمحة عن بلادي"، يستخدم أسلوب التكرار والنفي ليخلق صرخة احتجاج مكتومة:
"لا يلاقي هنا خائن حرجا
لا يلاقي الكريم له ماء وجه ليستره
لا تلاقي الحقيقة من جهة
لتشد الركاب على فرس
...
لم يلق الوطن"
السخرية عند عليشي هي طريقته في مواجهة عبثية العالم. إنه لا يملك حلاً، ولا يدعيه. لكنه يملك القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى الضحك في وجه القبح، وهذا في حد ذاته فعل مقاومة نبيل.
3. الحوار مع التراث: إنزال الرموز عن أعوادها
من أبرز تجليات الحداثة في هذا الكتاب طريقة تعامل عليشي مع رموز الشعر العربي. إنه لا يقف منها موقف التابع المبهور، ولا موقف المتمرد العدمي. إنما موقف الند الحميم، الذي يحاور ويصادق وينتقد.
مع أبي العلاء المعري:
يخصص له "لمحة" لا تشبه ما كتبه أحد عن الفيلسوف الضرير. يذهب إليه في صباه ناصحاً:
"في صباي أتيت إليه
جلبت زبيباً وتيناً معي
...
وحاولت إقناعه ما استطعت
بأن لا لزوم لما ليس يلزم
وأن النساء
جمال لوجه الجمال"
إنه يريد أن ينقذ المعري من عقله، من سجنه الاختياري، من فلسفته التي جعلت من الحياة خصماً. ويختم القصيدة بأسى نبيل:
"لو صغى بانتباه لما قلت مرة
لما قطعوا رأس تمثاله
في المعرة"
هنا يتداخل الشخصي بالتاريخي بالسياسي، في لمحة واحدة تختصر قروناً.
مع المتنبي وعروة بن الورد:
بالمثل، يحاور أبا الطيب متمنياً له حياة أقل كبرياء وأكثر بهجة، ويخلق مشهداً سريالياً مع عروة بن الورد، حيث يلتقي الصعلوك القديم بأفكار العصر الحديث، فلا يعرف لينين، ولا يفهم ما حدث للعالم.

هذا الحوار مع التراث ليس استعراضاً ثقافياً، بل هو جزء من مشروع الشاعر لإعادة تعريف الفخر، والشجاعة، والحكمة. إنه يرفض تسلّط الماضي، لكنه لا يرفض الماضي نفسه. إنه يريد أن يصادقه، أن يضمه إلى طاولة الحوار، لا أن يضعه في متحف.

4. لغة "اللمحات": السهل الممتنع واللغة الثالثة

أجمع النقاد الذين كتبوا في هذا الكتاب على سمة واحدة: "شعرية البساطة المدهشة". لغة صقر عليشي هي انتصاره الأعظم. إنها لغة لا تعرف التكلف، لكنها تحتاج إلى خبرة نقدية لتفكيك طبقاتها.

يستخدم ما يسميه الناقد محمد جميعان "اللغة الثالثة": لغة تجمع بين حكمة الفصحى وطراوة العامية، فتأتي مفرداته من الحياة اليومية: "خير اللبن الرائب"، "مرمى حجر"، "بلط البحر"، لكنه يحولها في القصيدة إلى ذهب.

في قصيدته "مذكرات بغل"، يمنح صوتاً شعرياً لحيوان مهمش:

"كان لي مركزي.. كان
كنت موضع تبجيل أهل القرى
أمر على الجحش مستهزئاً
...
صرت أمضي على الطرقات نهاري
أكش الذباب بذيلي
أدب ذليلاً مهان
يمرون بالقرب مني ويمضون
لا أثير انتباهاً لهم
وكأن لم أعد حيوان"

هذه ليست مجرد طرافة. إنها فلسفة كاملة عن الزمن، والهرم، وفقدان الجدوى. إنها قصيدة يمكن أن تكون مأساة إنسان، لكنه اختار لها قناع بغل، ليضاعف الإحساس بالعبث.

5. شعرية النقص: فلسفة الوجود عند عليشي

تتتبع الناقدة د. كاميليا عبد الفتاح في دراستها بالكتاب فكرة "رواغ المعنى". فالشاعر يرى أن الحقيقة الكاملة عصية على الإمساك، وأن ما يمكن للشعر أن يفعله ليس تقديم إجابات، بل طرح أسئلة أفضل.

في قصيدته المركزية "معنى على التل"، يقول:

"معنى على التل
والوادي العميق هنا
معنى على التل
والوادي العميق أنا"

المعنى ليس شيئاً خارجياً يمكن الوصول إليه. المعنى هو الذات نفسها. والرحلة ليست نحو هدف، بل الرحلة هي الهدف. هذا موقف فلسفي أصيل يقترب فيه عليشي من الصوفية، لكنه صوفية دنيوية لا تتعالى على الحياة، بل تغوص فيها.

اتمة: شاعر الجمال في زمن القبح

كتاب "صقر عليشي شاعر السهل الممتنع" هو أكثر من كتاب. إنه شهادة على أن الشعر لا يزال قادراً على أن يكون فعلاً معرفياً، وليس مجرد زينة لغوية. صقر عليشي، كما يظهر من خلال هذه الأوراق، هو شاعر يكتب "بأجنحة"، كما قال هو نفسه، ولكن هذه الأجنحة ليست مصنوعة من بلاغة فارغة، بل من تفاصيل الحياة اليومية التي يحولها إلى أسطورة.

في زمن يضج بالصراخ، اختار عليشي الهمس. في زمن يقدس الكم، اختار الومضة. في زمن يتنكر للماضي، اختار مصادقته. وفي زمن يزداد فيه القبح رسوخاً، آمن بأن الجمال هو المقاومة الوحيدة الممكنة.

هذا الكتاب، الصادر عن مؤسسة رسمية، هو اعتراف بأن الشعر الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. إنه يحتاج فقط إلى عين ترى ما لا يُرى، وأذن تسمع ما لا يُقال، وروح قادرة على "الضعف الشديد أمام الجمال". وصقر عليشي هو كل ذلك.



#بهيج_حسن_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفرق بين -لا- جاك دريدا و-لا- خلدون النبواني
- الإسلام والنزعة الإنسانية العلمانية في كتاب صادق جلال العظم
- خلدون النبواني في كتاب:الحداثة الحافظة: قراءات نقديه في أفكا ...
- ثنائيات الفكر الفلسفي: خلدون النبواني في مواجهة دريدا وهابرم ...
- رقصة الوصل:


المزيد.....




- بانفجار ضخم.. فيلم -7Dogs- يحطم رقمين قياسيين قبل عرضه المُر ...
- مغامرات خارج الزمن.. طفلة قطرية تهزم العمى بأنامل الخيال
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل في قطاع السينما بعد توقيعه ...
- كاثرين دينوف.. أيقونة مهرجان كان السينمائي الخالدة التي لا ي ...
- تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ ...
- مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية
- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بهيج حسن مسعود - غواية اللمحة: قراءة في كتاب -صقر عليشي شاعر السهل الممتنع-