أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاتن ناظر - من مُشكِل القرآن....















المزيد.....

من مُشكِل القرآن....


فاتن ناظر

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 08:37
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


《إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا》الآية ٧٢ من سورة الأحزاب

تُعدّ تلك الآية والتي تسمى (آية الأمانة)، والتي تناولها علماء التفسير ضمن ما يُعرف بمُشكِل القرآن، وذلك لما تضمنته من صعوبة في الفهم لغموض معناها، وأيضاً لما تنطوي عليه من تداخلات في المعاني اللغوية والتأويلية، فينعكس أثر ذلك على أوجه تأويلها.

إن المُشكِل القرآني لا يعنى وجود خللاً أو نقصاً أو تناقضاُ تشتمل عليه معاني القرآن، وإنما المُشكِل يعني:
" تردد المفسرون في تأويلها تردداً دَلّ على الحيرة في تقويم معناها"، وهذا ما ذكره تفسير بن عاشور في التحرير والتنوير. وهذا يعنى أن المُشكل هو اللفظ الذي خُفيت دلالته على معناه، والذي قد يبدو واضحاً وصريحاً لغير المختص.

إن المتدبّر تلك الآية يجدها تحتوي على العديد من الأسئلة المثيرة للجدل والحيرة. 
فالآية تحتوي على مصطلح الأمانة دون توضيح لماهية تلك الأمانة، ثم اختصاص عرض تلك الأمانة على موجودات دون غيرها كالسماوات والأرض والجبال، ثم لماذا تم ذكر الجبال رغم أنها جزءاً من الأرض، وهل العرض الإلهي كان عرضاً تخييراً أم إلزاماً، ولماذا تم الإباء والإعراض والإشفاق عن هذا الحمل، وإذا كان تم تخيير المخلوقات السالف ذكرها فلماذا لم يُخَيَر الإنسان لتلك المهمة وإنما حُمّلها دون شريك، وهل جزاء حمل الأمانة التي رُفضت ممن عُرضت عليهم وحملها الإنسان أن يكون جزاءه هو النعت بالظلم والجهل.

تلك كانت اسئلة تفاوتت اجتهادات كتب التأويل في الردّ عليها، وقدمت بعض تلك الاجتهادات أجوبة يكفيها  حُسن السعي والبحث الدؤوب بتدّبر وتَفكّر للقرآن. بينما نجد البعض الآخر من اجتهادات كتب التأويل لم يمتنعوا عن البحث، وإنما رأوا أن النص لم يقطع بأحد الاحتمالات، لذلك أثروا ما أسموه  التأدب مع الله وعدم جواز توجيه أي سؤال إلهي، لأن ذلك يعد تجاوزاً، كما أن الله يُطاع ولا يُسأل عما يفعل، وأيضاً لأن البحث التفسيري العقلي وما يتميز به من محدودية التفكير يعد قاصراً عن الوصول إلى المعرفة الكاملة. ويبقى السؤال: هل يُعدّ البحث والسؤال والتّفكُر تعدّياً وخوضاً في الذات الإلهية أم إمعاناً وتدبراً؟

لقد تناولت العديد من التفاسير القرآنية مصطلح الأمانة بحسبها تعني التكليف وإقامة الفرائض، وهو ما جاء في تفسير السعدي والطبطبائي والطبري والقرطبي والرازي، وهناك من تناول تفسيرها بمعنى حفظ الفروج والبعد عن الزنا والمحرمات، والاستمتاع بما أحلّه الله، وهذا التفسير الأخير هو ما رُويَ عن عبد الله بن عباس.

يُضعف تلك التفاسير رغم عِظَم شأنها وجلال قدرها، أن تناولها لتلك الآية لا يستقيم ولا يتوازن مع سياق السورة من بداية براعة استهلالها حتى نهاية الآيات، لأنه إذا كان المقصد والغاية من آية الأمانة هو التكليف فلماذا خلت الآية من ذكر الجن، رغم اشتراك الجن مع الإنسان في التكليف، حيث يقول الله:《وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون》. لذا فإن تفسير معنى الأمانة بأنها التكليف الإلهي يبدو أضعف حجةً ودلالةً، نظراً لقٍصر الآية حَمل ثِقَل الأمانة للإنسان دون الجن المُكَلّف أيضاً.

إن القرآن الكريم يتصف أنه يُفسِر بعضه بعضاً، فمنذ بداية الآيات حتى ختامها فإنها تتحدث عن النبي محمد وعن وفاء مواثيق الأنبياء، وإتباع الوحي، والبعد عن المنافقين، وعدم مُظاهرة الزوجات، وعدم جعل أدعياء الرجال أبنائهم، وتوجيه النصح إلى زوجات الرسول وتذكيرهن بأنهن لستن كأحد النساء، وتوجيه الإرشاد لبقية المؤمنين عند تعاملهم مع زوجات الرسول بأن يتعاملون معهن من وراء حجاب، لأن ذلك كان يؤذي النبي وكان يستحي من البَوح به، ولكن الله لا يستحي من الحق، ثم تستتبع الآيات بالحديث عن الساعة وموعدها، والاستعداد لها بصلاح الأعمال وإخلاص وفلاح النوايا، والتقرّب إلى الله والبعد عن نواهيه، وإتباع تعاليم وحي نبيّه لنيل الجزاء الذي وعد الله به المؤمنين وحرَّمه على المنافقين.

وبناء على ذلك السرد القرآني، واستناداً إلى ما ورد في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، أرى أنه يمكن استنباط أن التفسير الأقرب لمعني الأمانة والتي اختصّ بها الإنسان خالصة منفردة له دون مشاركة أو منازعة بينه وبين مخلوق آخر، يعد مغايراً لخلق الإنسان وطبيعته وقدرته، تلك الأمانة هي: أمانة خلافة الله للإنسان على الأرض وحفظ العهود والمواثيق وما يستتبع ذلك من مسؤولية ومحاسبة تستوجب الجزاء.

لقد خَصّ الله الإنسان دون غيره لخلافته على الأرض، حيث قال:《إني جاعل في الأرض خليفة》، وكذلك قال في سياق آخر للقرآن عن أخذ العهد والوفاء به والإشهاد عليه من قِبل الإنسان:《وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم  ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا》. ومن خلال قصة خلق الإنسان وخلافته على الأرض، وإشهاده لخالقه بالتوحيد والألوهية يكون قد تم توضيح ماهية الأمانة، ولماذا اختصّ بها الله الإنسان دون غيره.

أما عن ذكر عرض الأمانة على السموات والأرض وأيضاً الجبال، على الرغم أن الجبال تُعد جزءاً من الأرض، فذلك لأن تلك الأمثلة هي أكثر الأشياء وضوحاً وإبصاراً للإنسان، فهو يستطيع رؤيتها باستمرار أمام ناظريه، كما يستطيع اكتشاف طبيعتها ومدى قوتها وقدرتها وما جُبلت عليه منذ بداية خلقها.

ومن حيث ورود كلمة الجبال، فذلك لأن الجبال أكثر الأشياء وارتفاعاً وثباتاً ووتداً على ظهر الأرض، وعلى الرغم لما تتمتع به من الرسوخ الذي لا يتزعزع، إلا أنها سرعان ما تتصدع  نظراً لخشوعها وخشيتها من ذكر آيات الله، فقد قال الله عنها:《لو أنزلنا هذا القرآن على جبلاً لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله》.

أما من حيث والإعراض لتلك المخلوقات عن حمل الأمانة، فلم يكن إعراضاً وعصياناً لمخلوق على خالقه، وإنما كان إعراضاً يمعني عدم قبول التخيير الذي منحهم الله إياه، لذا فلم يكن عرضاً قسراً أو إكراهاً.

أما عن ذكر كلمة الإشفاق، فقد كان إشفاق المخلوقات من حمل الأمانة إشفاقاً ممزوجاً بالخوف والحرص والرحمة، حيث كان خوفاً من العاقبة والجزاء، وحرصاً على النفس من الوقوع في المعصية جراء اختيارها بمحض إرادتها، ورحمة بنفسها نتيجة معرفتها بضعف قدرتها وعجز طبيعتها وسرعة تحولاتها وفطرة إطاعتها لخالقها، لذا تجنبت عرضاً يعد مجازفةً وتنبؤاً بخطر مجهول .

أما من حيث حمل الأمانة للإنسان، فقد كان حِملاً مغايراً لكافة الموجودات، وذلك لأنه خلا تماماً من طرح فكرة العرض والاختيار، حيث يبدو أنه كان حملاً اختير الإنسان لأدائه والقيام بمهامه. وذلك الاختيار يتوافق ويتسق مع قصة خلق الله للإنسان، وخلافته على الأرض، ومنحه القدرة الملائمة والقابلية المناسبة لكي يتناسب ويصلح لحمل تلك الأمانة، كما يتسق مع إشهاد ظهور البشرية على ألوهية الله، فهل كان ذلك منحة اختيار للإنسان؟ لا.... لم يكن كذلك، بل كان منحة تشريف وتكليف مثل تقبّل الخلق والميلاد والوجود والموت. وفي النهاية يُجزَى الإنسان بأعماله سواء بالإثابة للطائعين المتفقّهين من المؤمنين والمؤمنات، أو العقاب الشديد للعصاة والغلاظ قلوبهم وعقولهم من المنافقين والمشركين والمشركات، وهذا هو ما توعّد الله به في ختام تلك الآيات.

لذا نجد أن نعت الإنسان بالظلم والجهل، لم يكن يعني الإنسان الفرد الذي يتسم ويتبع العلم ويُحسن الاختيار ويحرص على توخي العدل ويلتزم به، وإنما جاء ذكر الإنسان بمعنى البشرية؛ أي الجنس والنوع، ولكن  الإنسان الفرد المتدبر الواعي لقصة خلقه وخلافته والتزامه بالعهد الذي قطعه على نفسه بالربوبية إلى الله وإحسان العبودية، وما يتطلبها من ضمير يقظ وعقل مستنير وأخلاق قويمة، متمسك بالحق ولا يحيد عنه، جاعلاً من الله هو مُرشده ووجهته. وذلك خلافاً للكثرة من الناس والتي تعنيها الآية، والتي وصفهم الله في مُحكم كتابه في أكثر من موضع بهذا الوصف:《ولكن أكثر الناس لا يعلمون》،《بل أكثرهم لا يعقلون》،《ولكن أكثر الناس لا يشكرون》،《فأبى أكثر الناس إلا كفورا》.

وبذلك....... يجدر القول إن كلمة الأمانة التي جاء ذكرها في سورة الأحزاب، لم تكن مجرد كلمة بسيطة المعنى واضحة الدلالة تتميز بيسر التفسير والتأويل، كما أنها لم تكن تتضمن معنىً واحداً قاطعاً، وإنما اتسمت بأنها كانت حمّالة أوجّه.
لذا تبدو آية الأمانة نموذجاً لما يثيره النص القرآني من أسئلة تأويلية تتجاوز ظاهر الألفاظ إلى بلاغة المعنى وبيانه، وذلك يتطلب من القارئ مزيداً من القراءة بعقلٍ وتدبّر واعٍ.



#فاتن_ناظر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطمأنينة: بين خطاب التحفيز والتنمية الذاتية إلى الإتراكسيا ...
- كراهية التفكير وإزدراء المفكرين ....
- ومضات فكرية .........
- فهمٌ جديد للقرآن (٢)...............
- فهم جديد للقرآن......
- نظرية الحصان الميت أو الفيل في الغرفة ........ عندما يصبح ال ...
- شهيد الرأي! ..... غَيَلان الدمشقي
- موعد القيامة والبعث ! ........ في السادس عشر من ذي الحجة
- ولاية المرأة ...... ملكة سبأ نموذجاً
- وثنيّة الأفكار الجائرة ضد المرأة.......
- حواء أسكنها ربها الجنة وأدم أخرجها منها ........
- ثورة النساء ضد قانون أوبيا.........
- بديهيات مرفوضة...........
- الإله ..... أُنثى !
- وللرجال عليهن درجة..... تشريف أم تكليف؟!
- رُجُولة النساء .....
- أُنثى وافتخر ..........
- تأمُّلات ............
- قراءة في كتاب الفلسفة طريقة حياة......... للكاتب بيير هادو
- ما أحوجنا اليوم إلى مصباح ديوجين !...........


المزيد.....




- شهيد في سلفيت وحملة اعتقالات تطال 16 فلسطينياً وسط تحذيرات م ...
- -كل اليهود سئموا منك-.. تفاصيل مكالمة صادمة مليئة بالشتائم ل ...
- رئيس حزب سويدي يتهم المعارضة ببيع البلاد -للإسلاميين-
- السويد تتحرك لتجفيف منابع -الإخوان- المالية
- أيباك في مأزقها الأخطر.. نفوذ يثقل اليهود الأمريكيين
- المسيحيون الديمقراطيون يحرزون تقدماً في استطلاع جديد لآراء ا ...
- 171 مستوطنًا اقتحموا باحات المسجد الأقصى المبارك خلال فترة ا ...
- كاثوليك ضد الفاتيكان يتحدون البابا
- لبنان| الأمين العام لحركة التوحيد الشيخ بلال شعبان يزور العت ...
- رئيس -تكتل بعلبك الهرمل- د. الحاج حسن؛: الجمهورية الإسلامية ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاتن ناظر - من مُشكِل القرآن....