أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أحمد زوبدي - في نقد الإقتصاد السياسي للرأسمالية النيوليبرالية المعولمة : الإقتصاد الدائري، نموذجا















المزيد.....

في نقد الإقتصاد السياسي للرأسمالية النيوليبرالية المعولمة : الإقتصاد الدائري، نموذجا


أحمد زوبدي

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 04:49
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


في نقد الإقتصاد السياسي للرأسمالية النيوليبرالية المعولمة : الإقتصاد الدائري، نموذجا.

ظهر موضوع الإقتصاد الدائري في الساحة الفكرية المهيمنة للنيوليبرالية أو ما يطلق عليه بالإنجليزية المانستريم ( Mainstream ), بموازاة ظهور الكثير من التعابير والمفاهيم لهدف محاولة يائسة لتجاوز العجز الفكري الذي يعرفه الاقتصاد النيوليبرالي. نذكر هنا رأس المال البشري و الرأسمالية المعرفية والاقتصاد السلوكي والاقتصاد العصبي ( neuroéconomie)، واقتصاد السعادة والاقتصاد الأخضر، وغيرها من القواميس والمفاهيم المبتورة التي تفتقد لقواعد العلم والمنهجية أي أنها تنطلق من الإنسان الاقتصادي ( homoeconomicus) العقم و لا تأخذ في الحسبان النظام السياسي القائم والطبقات الاجتماعية المسيطرة التي تفرض سياسات تخدم فقط أجندتها. كل هذه المفاهيم و الأطروحات تدخل في ما سماه كارل ماركس بالإقتصاد المبتذل أو كما صنفه سمير أمين بالإقتصاد الصرف أو شعوذة العالم المعاصر. وهي ردة فكرية غير مسبوقة.
مفهوم الإقتصاد الدائري ( économie circulaire ) مفاده هو أنه من الممكن الاستمرار في الاستهلاك بنفس القدر من خلال إعادة تدوير النفايات والطاقة الناتجة عن الأنشطة إلى ما لا نهاية. كل هذا يسمح بحماية الموارد من التبدير من خلال آلية تخصيص الموارد (allocation des ressources ) لعقلنة الاستهلاك والإنتاج فضلا عن توسيع دائرة التوزيع عبر الإقتصاد التشاركي أو التعاوني ( économie du partage ou collaborative) إلى أقصى عدد ممكن من السكان بالإضافة إلى الحد من تلويث المناخ..
هذه الأطروحة تستند إلى تناقض مكشوف هو استحالة فصل النمو الاقتصادي عن استخراج المواد الخام فضلا عن التكلفة الباهضة التي يتطلبها تدوير النفايات والطاقة الناتجة عن الأنشطة. لكن عملية إعادة التدوير استولى عليها قطاع صناعي مدمر يعيد إنتاج الأنماط الرأسمالية والكولونيالية ( راجع Le bluff de l’économie circulaire, Silence, 2021/9 n°502 ).
"إلا أن إحدى مشكلات إعادة التدوير اليوم تكمن في عدم قابلية العديد من المنتجات والعبوات لإعادة التدوير. فإعادة التدوير الدائم، الذي لا يعتمد على الموارد والطاقة، غير موجود. ولا يمكن لإعادة التدوير بأي حال من الأحوال أن تجعل مستوى الاستهلاك المفرط الحالي مستداما "( المرجع أعلاه).
للتذكير لقد سبق للدول الرأسمالية في السبعينيات من القرن ال20 أن انهارت صناعتها الملوثة بانخفاض كبير للإنتاجية وبالتالي لم تعد مربحة و قامت بتغيير مكان الإنتاج ونقلها (délocalisation) اتجاه دول الجنوب المتوفرة على يد عاملة رخيصة و الإعفاء من الضرائب ومنح العقار لتشيبد المعامل والوحدات الإنتاجية فضلا عن تصدير النفايات في اتجاه هذه الدول.
الحماس الذي يهيمن على أطروحة الاقتصاد الدائري يبقى وهم ذلك أن استخراج الموارد في العالم يتقدم بسرعة تبلغ ضعفين إلى ثلاثة أضعاف سرعة إعادة التدوير، وهو استنزاف للطبيعة أكثر من أي وقت مضى ونقيض مكشوف للأطروحة إياها. كما أن بعض المواد لا يمكن أن تكون صالحة للتدوير بحكم ضعف نوعيتها كما هو الشأن للكثير من أنواع الملابس. نفس الأمر بالنسبة لتدوير الورق الذي ينتج ورقا أقل جودة. نفس الشيء كذلك بالنسبة لتدوير النفايات التي تنتج نفايات حين يتم استعمالها في دورة انتاج جديدة. وهكذا دواليك " في إطار عملية انتروبيا (أي فوضى في التنظيم) لا مفر منها تنشأ عن العملية الصناعية نفسها، وليس نتيجة لقانون من قوانين الطبيعة"(راجع les charognards de de l économie : contre l économie circulaire, Blog Grudrisse ).
هذه المنظومة الإقتصادية المستفزة فكريا تذكر بمنظومة السوق المتداولة، وليست المنظومة النظرية، في نسختها المبتذلة منذ على الأقل بداية القرن ال20 والمعروفة بنظرية المنافسة الخالصة والكاملة ( Concurrence pure et parfaite)، وهي العمود الفقري للاقتصاد النيوليبرالي. بمعنى أن السوق هو فضاء الكمال والتناغم. السوق يتعثر صحيح، يعتقد إيديولوجيو الرأسمالية، لكن يرجع المياه إلى مجاريها من ذاته مستمدا قوته من اليد الخفية ( main invisible). اختزال مؤسسة السوق في الضبط الاقتصادي بهذا الشكل الميكانيكي يتناقض مع منظومة السوق لمؤسسها ليون فالراس ( Léon Walras) التي تقول أن ولوج السوق له شروطه وغياب احترام شروطه يؤدي إلى الفوضى. وهو ما نلاحظه على أرض الواقع. فمثلا من شروط المنافسة الكاملة هو أن كل من الوحدات الإنتاجي ليس لها القدرة للتأثير على السعر الإجمالي من جانب واحد. فجميعهم يخضعون للأسعار التي نتجت عن التقاء العرض والطلب. وهو وضع غير متوفر في فضاء السوق القائم بالفعل حيث تسيطر الاحتكارات وخصوصا احتكارات القلة المعولمة التي تفرض سياساتها على الوحدات الإنتاجية الوطنية، مما يفقد البلد لسيادته الاقتصادية. مثال آخر وهو شفافية السوق: تتداول المعلومات بحرية وبشكل فوري ودون تكلفة. وأسعار المنتجات وجودتها معروفة لجميع الفاعلين الاقتصاديين. وهو شرط غير وارد كذلك في السوق المتداولة حيث احتكار المعلومات ومنها الأسعار وغياب شفافيتها.
الإقتصاد الدائري يتغدى من نفس منظومة السوق القائمة بالفعل مع إضافة آليات تجميل (cosmétique ) الشكل الظاهري للأنشطة الإقتصادية، كما هو الحال بالنسبة لآلية التوزيع أو إعادة توزيع الثروة أو الحد من الثلوث، التي تبقى شطحات في الفراغ إذا علمنا أن الرأسمالية محكومة بالتراكم غير المحدود، كما عبر ماركس في مقولته الشهيرة : " راكموا، راكموا، فتم القانون وتم الأنبياء ! ".
جميل أن يكون الإقتصاد مبنيا على العقلانية والتدبير الجيد وعلى التوزيع المنصف لكل الشرائح الإجتماعية، لكن للأسف الشديد، ما نراه أمام أعيننا هو مختلف بالكامل مع منظومة الإقتصاد الدائري، ذلك أن الإقتصاد المعولم اليوم تتحكم فيه ما يطلق عليه باحتكارات القلة المعولمة التي تتقاسم في ما بينها كل الأنشطة والقطاعات الإقتصادية من خلال التحكم في السلطة السياسية للدول. الهدف هو الحصول على أرباح لا متناهية ودون حسيب ولا رقيب، ولو أدى ذلك إلى إبادة البشر من خلال عسكرة الإقتصاد. تتبخر إذن كل شروط ضبط الأسعار وضبط الإنتاج والتوزيع. المنافسة الكاملة تتحول إلى منافسة غير كاملة أو ناقصة، كما ترى الإقتصادية المرموقة جوان روبنسون Joan Robinson، تم إلى منافسة احتكارية، كما يفسر الإقتصادي إدوارد شامبرليه Édouard Chamberlin، وبعدها إلى احتكار القلة، كما يرى سمير أمين..
مفارقة قوية كذلك إذ كيف يمكن أن يتعايش الإقتصاد الدائري في مناخ اقتصادي تمت فيه خوصصة كل المرافق العامة أو العمومية وتمت فيه فرض سياسة الحوكمة أي إحلال القطاع الخاص ومعه الجمعيات أو "المجتمع المدني" ( وجود المجتمع المدني رهين بالمواطنة و بالوعي في الدول غير المستقلة) مكان الحكومة حيث يبقى دور الدولة مرتبط في وظيفة التشريع والتدبير لصالح القطاع الخاص أو كما يقول أحد النقابيين الفرنسيين" الدولة تدبر والسوق يحكم ". وبالتالي فالاقتصاد الدائري هو ستار ودعاية إيديولوجية يريد من خلالها مروجو الشطحات البئيسة للفكر المبتذل حجب مآسي الطبقات الفقيرة والرثة.
الإقتصاد الدائري هو موضوع أتى ليملأ الفراغ الذي يعرفه الفكر الاقتصادي المهيمن بأن هذا الأخير له القدرة على إلهام القارىء أن الاقتصاد المسيطر ينتج المعرفة ويبدع لتوفير برامج ومشاريع للحكومات والمؤسسات المرتبطة بالشأن الاقتصادي وأن الإقتصاد دخل أزمة عابرة وأن هناك آليات الضبط ومنها هذا الصنف من الإقتصاد أي الإقتصاد الدائري. هذا الاعتقاد الذي يستمد روحه من منظومة السوق والسلعة مدعما بسلطة المال و بالسياسة هي ردة في الفكر الإجتماعي ليس إلا محل الاجتهاد والتفكير والنقد في علم الإقتصاد السياسي لمحاورة وتغيير الواقع الاقتصادي الذي يتحكم في المجالات الأخرى منها السياسية والاجتماعية والثقافية. الإقتصاد يتحكم اليوم في السلطة والسلطة توظف للهيمنة اقتصاديا. الإقتصاد يقوم بتفكيك المجتمعات و بتسليع الثقافات لهدف التحكم في كل مناحي الحياة. حين يتحكم الاقتصاد في كل المجالات، في السياسة أولا ثم في الجانب الإجتماعي والثقافي، هذا لا يعني أن
الرؤية إياها رؤية اقتصادوية، كما تعتقد الكثير من القراءات السطحية بل المشوهة لفكر كارل ماركس، لكن تعني حضور العامل الإقتصادي في المركز الرئيسي للتحكم في المجتمعات مع تعبئة العوامل غير اقتصادية. هذا هو جوهر المادية التاريخية أي التناقض وتناقض التناقض.
المهمة الأساسية اليوم هو العمل على تطوير المرفق العام ومعه بالخصوص الأملاك الجماعية التي أصلا لا تخضع للسوق ولا يمكن أن تخضع له منها المعرفة والمدرسة ومرفق الصحة، الحق في التطبيب المجاني لأجل الحياة، الماء والفلاحة الريفية لسد حاجيات السكان من كل ما هو متعلق بالحاجيات المعيشية، الحفاظ على الكلأ للماشية عوض تحويل المراعي لصالح الفلاحة التجارية ( agro business), إلخ." فصل أكبر عدد ممكن من المنتجات والخدمات بدءا بتلك التي لها طابع جماعي ، فصلها عن السوق، أي إزالة الطابع التجاري عن أكبر قدر ممكن منها، وتحويل أكبر عدد ممكن من السلع والخدمات الأساسية التي تخضع حاليا للطابع التجاري – مثل الصحة والسكن، وما إلى ذلك – إلى حقوق أساسية للمواطنة. وهذا يعني أن العلاقات والممارسات الاجتماعية التي لا تخضع حاليا للرقابة الديمقراطية والتي يتحكم فيها رأس المال ومتطلبات السوق يمكن أن تصبح ديمقراطية" ( راجع
Le Marxisme politique et ses débats
Par Ellen Meiksins Wood, Actuel Marx/2, n
50).



#أحمد_زوبدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الليبرالية المتشددة وتفكيك بنيات الرأسمالية.
- لأجل يسار في مستوى قلب موازين القوى لإسقاط المخزن : إعادة بن ...
- الماركسية ومستقبل الإشتراكية. الحلقة 5 : في الثورة الرقمية و ...
- في نقد المثقف الإعلامي.
- لأجل نهضة اليسار
- امبراطورية الفوضى : امبريالية عالمية دائمة تحت ستار هرمية عا ...
- الماركسية ومستقبل الإشتراكية / الحلقة 4 / الانتقال الطويل وا ...
- شعوذة الإقتصادي النيوليبرالي
- شذرات في موضوع شروط التغيير
- الماركسية ومستقبل الإشتراكية/ الحلقة 3 : لأجل جبهة أممية للش ...
- في نقد نقد الثورة الرقمية : رأسمالية أم إقطاع تكنولوجي ؟
- في نقد الإقتصاد السياسي للبزوغ
- سؤال نظري : تضخم في الكتابة وشح في الأفكار !
- شبح ماركس
- تغول المخزن و بلاد السيبة
- نقد الاقتصاد السياسي للإيكولوجية : ماركس والإيكولوجية.
- الترامبية والهرمية العالمية المرتقبة.
- لأجل جبهة اجتماعية شعبية مغربية مناهِضة للاستبداد
- الماركسية و مستقبل الاشتراكية/ الحلقة 2 : في الحاجة لتفكيك ف ...
- الماركسية ومستقبل الإشتراكية : الحلقة 1/ عظمة فكر ماركس.


المزيد.....




- فيديو ما قاله ترامب للشيخ محمد بن زايد باللقاء الثنائي يلاقي ...
- اختلاف أسلوب تحية السيسي عن محمد بن زايد وتميم بن حمد بتدوين ...
- محمد بن زايد -محارب- والموقف من اتفاق إيران.. فيديو ترامب بل ...
- فانس يعترف بإيمانه -بنظريات المؤامرة- المتعلقة بإبستين
- كوبا: الحصار الأمريكي ألحق أضرارا بمليارات الدولارات وفاقم م ...
- هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024
- الدفاع الألمانية تتوقع زيادة الأبحاث العسكرية المعتمدة على ا ...
- صحيفة أمريكية: التكتيك الجديد يمكن الجيش الروسي من تدمير الد ...
- لماذا لا يضمن الاتفاق الأمريكي الإيراني السلام؟
- تحذير من مخاطر سماعات الرأس


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - أحمد زوبدي - في نقد الإقتصاد السياسي للرأسمالية النيوليبرالية المعولمة : الإقتصاد الدائري، نموذجا