|
|
الماركسية ومستقبل الإشتراكية. الحلقة 5 : في الثورة الرقمية والاتصالاتية.
أحمد زوبدي
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 22:15
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الماركسية ومستقبل الإشتراكية.
الحلقة 5 . في الثورة الرقمية والاتصالاتية.
تعرف الرأسمالية ثورة تكنولوجية غير مسبوقة مست الجانب المعرفي الرقمي والاتصال، مما ساهم في اختزال أسلوب العمل والإنتاج . وهي نقلة نوعية غير مؤلوفة ذلك أنها غيرت كل بنيات هذا النظام الإجتماعي منها العلاقات الاجتماعية والتواصل. الثورة الرقمية خلقت فضاءات افتراضية وليست فضاءات حقيقية تهم الذكاء الاصطناعي. الذكاء الاصطناعي، موضوع جدير بالاهتمام، لمعرفة الوجه الخفي الذي تعرفه الرأسمالية. الثورة الرقمية أدت إلى إعادة بناء القطاعات الإنتاجية للرأسمالية. مما أدى إلى اكتساح كبير للقطاع الثلاثي أو قطاع الخدمات على حساب القطاعين الأولي والثانوي أي الفلاحي و الصناعي. المعرفة أصبحت هي الآلية المركزية في كل التحولات التي يعرفها المجتمع سواء تعلق الأمر بالتواصل والنقل أو بالشغل أو ببنية تَكَوُّن المنتجات والاستهلاك. الدراسة والبحث العلمي والتكوين لم تعد هذه الأنشطة تقتصر على الكلاسيكيات بل أصبحت فضاءا لا متناهي على مستوى المعطيات والاحصائيات والأفكار مما طور بشكل غير مسبوق عمليات الابتكار والاختراع. لكن الإشكالات الكبرى في ما يخص هذه التحولات التي غيرت كل شيء بما فيه القيم الإجتماعية هي أن وسائل التواصل أدت إلى القضاء على الرابط الإجتماعي وقامت بتغيير هندسة المجتمعات و تحويلها إلى كائنات فردانية منفصلة عن بعضها البعض (atomisation de la société) على حساب المجتمع الكلي (société totale) المتماسك والمتعاون والمتضامن مع التذكير، وهذه نقطة أساسية جدا، على أن هذه الهندسة الجديدة تبقى رائدتها القوى الإجتماعية المسيطرة وليس التقنية التي تبقى وسيلة ليس إلا. في هذا الوضع، كيف يمكن توظيف هذه التحولات الضخمة للقضاء على كل أشكال الظلم والاستغلال والعنف والاستعمار الجديد والهيمنة والانتقال إلى مجتمع الحرية والعدالة والتقدم الإجتماعي؟ بمعنى آخر، لماذا تمكنت الرأسمالية من تطوير القوى المنتجة في حين تبقى العلاقات الإجتماعية عائقا أمام التطور والتقدم ؟ هذا التساؤل الأخير يترجم أطروحة ماركسية كلاسيكية تقتضي القطع مع علاقات الإنتاج الرأسمالية لأجل الانتقال إلى ما بعد هذا النظام أي إلى الإشتراكية. من جهة أخرى، اليوم على الرغم من الثورة الرقمية، نلاحظ تراجعا كبيرا على مستوى العلاقات الإجتماعية، دون تغييرها أي دون تغيير الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، بل عرفت تعقيدا و تفكيكا غير مسبوقين أي ظهور ملاكين جدد من عالم المال و التأمين والعقار والتكنولوجيا الرقمية والإعلام والسياسيين الماسكين بالمال والسلطة إلى جانب الملاكين الكلاسيكيين أصحاب الشركات الصناعية والفلاحية ومالكي الأراضي. رغم هذا التطور التكنولوجي غير المسبوق وفي غياب تغيير علاقات الإنتاج ، كما سبقت الإشارة له، لم تعرف الطبقات الاجتماعية غير المستفيدة من الإنتاج الرأسمالي تحسنا في وضعها بل زاد وضعها تأزما. في هذا الباب، يقول الفيلسوف الأمريكي جيريمي ريفكان Jérémy Rifkin، في كتابه نهاية العمل ( La fin du travail)، " أن التقنية تعوض الإنسان، وهو ما أدى إلى خلق طبقة مهمشة خارجة عن سياق الإنتاج، وهي الطبقة الواسعة، وطبقة نخبة أوليغارشية تتلاعب وتسيطر على الوضع. مما ينتج عنه توسيع مساحة الفقر و العنف". على مستوى الاقتصاد السياسي النقدي وليس الاقتصاد الصرف، انتقلت الرأسمالية من الرأسمالية الصناعية إلى ما بعد الرأسمالية الصناعية (capitalisme post-industriel) أو الرأسمالية المعرفية (capitalisme cognitif) حيث عرفت بنية العمل تحولا جذريا جعل المكننة تعوض العمل اليدوي تم الذكاء الاصطناعي يحل محل الآلة الميكانيكية والالكترونية. يعرف الانتاج اليوم مسلسل الروبوهاتية (robotisation) يعني ظهور الإنسان الآلي الذي يعمل مكان الإنسان الحقيقي و أعطى طبقة الروبوتاريا( robotariat) مكان البروليتاريا وفي ذات الوقت طبقة الكونيتاريا( cognitariat)، الطبقة العاملة المتعلمة، وفي الهامش الطبقة الرثة ( lumpen-prolétariat)، الطبقة التي تخلصت منها الصناعة الرقمية أو التي عجزت عن إدماجها. على المستوى العالمي، علاقات التبادل و الإنتاج، بما في ذلك حركة الأموال، بين الشركات العابرة للقارات، تعرف شكلا جديدا تنظيميا في ما يخص التمركز الأفقي والعمودي خاصة مع تطور اقتصاد الشبكات (économie des réseaux). كل هذا التطور في مجال العلم والمعرفة البحثية وفر شروط الرفع من الإنتاجية على الرغم من انتشار ظاهرة أمولة الإقتصاد أي تطور حركات الأموال لأجل الأموال على حساب إنتاج الثروة الحقيقية، كما حصل في 2008 مع أزمة الرهون العقارية ( crise des subprimes). بالمقابل عرف توزيع الثروة في ما بين الطبقات الإجتماعية تكريس اللاتكافىء وتركيز الثروة في يد 2 % مقابل 85 % من غير المالكين لوسائل الإنتاج. وهو ما أدى، في دول الجنوب على وجه الخصوص ، إلى ارتفاع نسبة الفقر و ظهور طبقات جديدة من المقصيين كالمعطلين والطبقات الرثة وطبقة الفلاحين الصغار المبلترة نتيجة تحويل مساحات شاسعة من الفلاحة الريفية إلى الفلاحة التجارية ( agrobusiness). فضلا عن ذلك، فالعولمة التي من المفروض أنها تسمح بحركة اليد العاملة و الإنسان بشكل عام يلاحظ أنها تضع حواجز في وجه هذا الأخير، في حين أن السلع ورؤوس الأموال تتحرك على مستوى التبادل الدولي دون قيود. وبالتالي تبقى العولمة بشقيها ( رؤوس الأموال والسلع) القائمة بالفعل عولمة مبتورة بحكم إقصاء حركة قوة العمل عالميا. كل هذا الكم الهائل من السلبيات هو مفارقة لأن المفروض هو أن تطور القوى المنتجة يساهم في تحسين مستوى عيش السكان على جميع المستويات. مع ظهور الرأسمالية المعرفية، تمكن الرأسمال من السيطرة على اقتصاد المعرفة، كملك جماعي، بخوصصة كل مراحله، سواء تعلق الأمر بالتعليم والتكوين أو مختبرات البحث والابتكار في الجامعات والمقاولات فضلا عن خوصصة أملاك جماعية أخرى كالماء والصحة والهواء والبترول، إلخ. فالبنية الإجتماعية هي التي تعطي للملك شكل الملك الجماعي أو الملك العمومي أو الملك الخاص. بعبارة أخرى، إذا كان المجتمع ديمقراطيا فذلك يطور مسلسل إضفاء الطابع الجماعي على الإنتاج (socialisation de la production) وبالتالي تتسع مساحة ملكية الدولة والملكية الجماعية من خلال سن سياسات اجتماعية توفر شروط ولوج المرفق العام و"السلع" مجانا. هذا المنحنى اتجاه تطوير وفرة الاملاك الجماعية محل خوصصتها هو شكل من أشكال تغيير علاقات الإنتاج وبالتالي العمل على توفير شروط تملك الإنتاج بالنسبة لطبقة العمال، الطبقة الحقيقية التي تنتج فائض القيمة، والتي من المفروض أنها هي التي تكون صاحبة وسائل الإنتاج. كل هذا يسمح بالتصدي للهجمة الشرسة التي تعرفها المعرفة اليوم من خوصصة كاسحة، لإيجاد أرضية اجتماعية ليحتفظ هذا الملك بإطاره الأصلي كملك جماعي. " الخوصصة هي خوصصة الديموقراطية لأن الفاعل السياسي والاختيارات الجماعية تزول لصالح الاختيارات الخاصة "( Tony Andréani)، مما يقتضي محاربتها لتوفير مناخ تطوير الأملاك الجماعية و الحد من سيطرة منظومة السوق. يسعى اقتصاد المعرفة في ظل السياسات النيوليبرالية أن يجعل التكوين في خدمة تنمية و إنعاش المهارات الأساسية الجاهزة للتطبيق وللرواج في سوق الشغل. تصبح المعارف في هذا الباب شبيهة بالبضائع المعرفية أي بضائع للاستهلاك كباقي البضائع. وبما أن المعرفة ملك جماعي غير خاضع لقوانين السوق القائمة بالفعل أي خاضعة لمسلسل التسليع، فالإنسان بإمكانه أن يتخلص من هيمنة الاقتصاد السائد و أن يعمل على توسيع مجال إنتاج تكون فيه المحاصل أقل تكلفة أو بتكلفة منعدمة بتوظيف الكفاءات والمهارات المستقلة. فعلا نجحت الكثير من المناطق في العالم في بناء الاقتصاد البديل أي تطوير تعاونيات تكون فيها القيمة الإستعمالية هي الأساس وليست القيمة التبادلية، كما هو السائد في الإقتصاد الرأسمالي القائم بالفعل. نجح العديد من السكان في إنتاج الموارد بفك الارتباط عن السوق الرأسمالية وخلق عملات محلية بديلة تكون الغاية منها التبادل للاستجابة لحاجيات السكان وليس لأجل الربح السريع والمضاربة، في أفق التخلص من العملة كوسيلة للتبادل وليس للربح، كما يقولKarl Polanyi. التقدم التقني الكبير اليوم الذي حققته الثورة الرقمية وسيتعاظم في المستقبل المنظور أكثر، كما نلاحظ اليوم في ظهور الحافلات والسيارات بلا سائق في الصين الشعبية واليابان و ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، هذا العمران التكنولوجي الباهر كان كارل ماركس قد نظر له بشكل مستفيض مبرزا أن الثورات العلمية ستسمح للإنسان بالمرور من مجتمع النذرة الذي يكرسه المجتمع الطبقي إلى مجتمع الوفرة الذي يوفره المجتمع اللاطبقي. مما يعني أن دور التقنية اليوم يمشي في تناقض صارخ مع الوظيفة التي تنبأ بها ماركس عن دور التقدم التقني الذي يقول عنه أنه سيؤدي إلى تخلص الإنسان من الإستغلال وبالتالي ستصبح التقنية رهن إشارته واستغنائه عن العمل كمورد للعيش ويصبح العمل حاجة للترفيه ولتحقيق الذات مثله مثل النوم والاستجمام والسفر وكل أنشطة الوقت الثالث حاليا ( Loisir). طبعا لن يتحقق هذا التنبؤ الرصين إلا إذا تم تجاوز علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تعرقل تطور القوى المنتجة لأجل نظام اجتماعي متحرر من كل قيود الاستغلال أي الإنتقال، كما يرى ماركس، إلى مجتمع الوفرة، كما تمت الإشارة له، وهذا يقتضي المرور من الثورة، كما يقول صاحب البيان الشيوعي. أزمات الرأسمالية اليوم التي تنذر بانهيار هذا النظام ليس الانهيار المفاجىء في غياب ثورة اشتراكية عالمية الآفاق لكن انهيار في الزمن يقتضي اليوم العمل على توفير شروط الانتقال من مجتمع النذرة الذي تفرضه الرأسمالية إلى مجتمع الوفرة، كما أشرت سابقا ، الممكن تحقيقه في مجتمع غير طبقي تسود فيه الحرية والعدالة والمساواة، وهو ما يعبر عنه في الأبجديات الفكرية بالاشتراكية كمرحلة انتقالية إلى الشيوعية التي تتحقق فيها أطروحة صاحب البيان الشيوعي" من كل حسب قدرته إلى كل حسب حاجته ". هذا المشروع المجتمعي الضخم يقتضي تغيير مجرى الثورة الرقمية والاتصالاتية لتخدم مصالح المضطهدين بتدشين مرحلة تقوم على الثورة الثقافية أو قل الثورات الثقافية من خلال هدم والتخلص من الثقافات السائدة وعلى رأسها ثقافة البضاعة. الثورة الثقافية هي المفتاح المركزي للقيام بالثورة السياسية ( الحلقة 6 والأخيرة من هذا الملف) وتفكيك بنيات النظام المسيطر أي النطام الرأسمالي وتوفير شروط الانتقال إلى الإشتراكية العالمية الآفاق. في ظل الرقمية عرفت الطبقة العاملة تحولا جذريا ذلك أن جزءا كبيرا منها وبالخصوص عمال المصانع ومكاتب الاستشارة وغيرها يصنفون اليوم حسب قاموس نقد الرأسمالية المعرفية إلى كونيطاريا (cognitariat)، كما تمت الإشارة أعلاه، أي طبقة عاملة ذكية معرفيا وهو ما أدى إلى تفكيكها لأنها لم تبقى متجانسة وتحمل نفس الهموم ( راجع بطاقتي الطبقة العاملة هل هي موجودة أم لا ؟ الحوار المتمدن، 2024/05/20 ). أما البورجوازية فتحولت إلى طبقة خاضعة لطبقات أخرى جديدة، المشار لها أعلاه، حيث أنها لم تبقى لها اليوم تلك القوة التي كانت لديها من قبل أي التحكم في الإنتاج والتسويق والاستهلاك وغير ذلك. بالمقابل، ليس التكنولوجيا الرقمية والربوهات هي التي جعلت الرأسمالية تستمر وكرست وضعها المأزوم بل استعمال آليات أخرى منها الحروب وعسكرة الإقتصاد فضلا عن انفصام (dichotomie) دائرة الإنتاج عن دائرة المال أي توجه رؤوس الأموال في اتجاه البحث عن الربح السريع عبر البنوك والبورصة أو المضاربة المالية عوض الإستثمار المنتج، وهو ما يعبر عنه بأمولة (financiarisation ) الإقتصاد، التي تعرقل التراكم على مستوى إنتاج المواد المادية والخدمات المنتجة. انطلاقا من العرض أعلاه الذي يبين أن الرأسمالية الرقمية تؤهل إلى الإنتقال في اتجاه تجاوز هذا النظام شريطة العمل على توفير مناخ اجتماعي نقيض لسيطرة الاوليغارشيات أي تغيير علاقات الإنتاج و القيام بتغيير سياسي راديكالي مدعم برافد ثقافي متميز وبناء جبهات وطنية شعبية ذات بعد أممي والعمل على توفير مناخ حقوق الإنسان والديموقراطية أي بلغة أخرى القيام بثورة سياسية نضجت شروطها. على المستوى الاقتصادي الجماعي، فضلا عن السياسات التي تتولد عن التغيير الجذري للسلطة، كتطوير الاقتصاد المشترك الذي ينبني على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، هناك ملف جدير بالاهتمام يمكن تطويره، قبل النقلة السياسية المنشودة، المتجلى في توفير شروط تطوير الأملاك الجماعية كالمعرفة و كل ما يتعلق بالحياه الأساسية منها الماء والمواد الفلاحية والتطبيب والنقل و تطوير مجتمعات التعاقد والعمل المشترك. في ختام هذه الورقة، أريد أن أعرج على موضوع كنت قد تطرقت له سابقا ( راجع بطاقتي في نقد نقد الثورة الرقمية : رأسمالية أم إقطاع تكنولوجي ؟ الحوار المتمدن-العدد: 8433 - 2025 / 8 / 13 ) والمرتبط بشكل عضوي بالثورة الرقمية وبحكم التطور الهائل للمجتمع الإنساني رغم تفاقم الاستغلال والتهميش سواء في الغرب أو في الجنوب ورغم الصراعات و عسكرة الإنتاج، فلا يمكن القول أن الرأسمالية تتوجه لتصبح فيودالية جديدة، كما يعتقد البعض، رغم التحولات التي تعرفها الطبقات الاجتماعية. يزعم أصحاب أطروحة الفيودالية الجديدة أو الإقطاع التكنولوجي أن اقتصاد السوق في نسخته النيوليبرالية لم يعد هو القاعدة، فالتطور الهائل للفضاءات الافتراضية المحاطة بأسوار( enclos) رقمية تنعدم فيها رائحة الضبط الرأسمالي شبيهة بأراضي الإقطاع حيث يتكون الأسياد ( seigneurs) من شركات شبكات المعلومات والبيانات مثل غوغل، ميكروسوفت، آبل، فاسبوك، انستاغرام، أكس، امازون، تكتوك، إلخ.، أما الأقنان ( serfs) فهم المستعمل لهذه الخدمات. تفكك الاستقلال السياسي تحت تأثير رأس المال الرقمي هو السمة الأولى للإقطاع التكنولوجي، يقول Cédric Durand. خلافا لما يزعمه أصحاب هذه الاطروحة، أعتقد أن الشيء الأكيد هو أن الثورة الرقمية هي امتداد للإنتاج الرأسمالي وبالتالي فالإنتاج الرقمي أو ما أطلق عليه بالرأسمال السحابي هو طور جديد في الإنتاج الرأسمالي ما بعد الصناعي (capitalisme post-industriel) الذي يجسده رأس المال المعرفي ( capital cognitif). كل هذا سيسمح بتطوير الكثير من الفرص لتحقيق مجتمع الوفرة بفضل تطور مسلسل العمل أي فتح المجال لتحرر اليد العاملة من استغلال رأس المال وبالتالي توسيع دائرة إنتاج الأملاك المشتركة (biens communs)، كما أشرت أعلاه، مثل المعرفة والعلوم الطبية كمعرفة أنتجها الإنسان والتي تدخل في حاجياته الضرورية أي متعلقة مباشرة بصحته والماء والهواء ( المكيف) وكل ما تنتجه الطبيعة كالفواكه والخضر و الكلأ والغابات التي لا تدخل في إطار الملكية الفردية، لكن تتم السيطرة عليها من طرف مالكي وسائل الإنتاج. ولهذا، من غير الصحيح تجزيء الإنتاج الرأسمالي الذي يتطور مع الحفاظ على وحدة قوانينه. للتذكير كان هناك نقاش موضوعاتي مستفيض في السبعينيات و الثمانينيات عن التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية( F.E.S) وهي البنية التي تتكون من مجموعة من أنماط إنتاج متعايشة يكون نمط إنتاج واحد مهيمن، كما هو الحال عليه اليوم في الرأسمالية التي تتعايش معها في الهامش أنماط إنتاج عبودي و إقطاعي واشتراكي/مشاعي( socialiste/communautaire) . انطلاقا من هذه الأكسيوماتيكية أو الآلية يمكن الحديث عن وجود بنيات إقطاعية تقليدية وليس الإقطاع التكنولوجي تتعايش هامشيا، كما قلت، مع الرأسمالية التي قطعت أشواطا كبيرة وهي الآن في طور الرأسمالية الرقمية. لكن وجود الإقطاع الجديد كالإقطاع التكنولوجي من منظور أنه يسعى إلى إزاحة الرأسمالية وبالتالي الرجوع بالبشرية إلى الوراء، كما يعتقد ذلك على الخصوص Yanis Varofakis، فهذا لا يتقبله لا العقل ولا العلم لأن المجتمعات تتطور في اتجاه وضع شروط التقدم ولو أنها تعرف نكسات و أزمات أحيانا تدمر الكثير من الانجازات، لكن ليس في اتجاه الاسترقاق في نسخته التكنورقمية. فدخول النظام الرأسمالي في أزمات متواصلة ينذر بانهياره التدريجي و يؤهل، كما يقول كارل ماركس، إلى بلورة بنيات متطورة تتجاوز بنيات الرأسمالية والإعلان عن ولادة بنيات من طراز متطور يتجاوز البنيات الرأسمالية. صحيح أن ذلك لن يعطي دفعة واحدة مجتمعا أفضل من الرأسمالية لكن سيكون في البداية منطقه وأهدافه مختلفة عن هذه الأخيرة و سيعرف تدريجيا تحولا كبيرا يقوم باقبار بنيات الرأسمالية و إحلال مكانها بنيات ما بعد الرأسمالية أي اشتراكية عالمية الآفاق، إما من خلال ولادة عسيرة من النظام الرسمالي المتهالك اليوم أو عبر ثورة أممية نضجت شروطها الموضوعية والذاتية.
يتبع.
#أحمد_زوبدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في نقد المثقف الإعلامي.
-
لأجل نهضة اليسار
-
امبراطورية الفوضى : امبريالية عالمية دائمة تحت ستار هرمية عا
...
-
الماركسية ومستقبل الإشتراكية / الحلقة 4 / الانتقال الطويل وا
...
-
شعوذة الإقتصادي النيوليبرالي
-
شذرات في موضوع شروط التغيير
-
الماركسية ومستقبل الإشتراكية/ الحلقة 3 : لأجل جبهة أممية للش
...
-
في نقد نقد الثورة الرقمية : رأسمالية أم إقطاع تكنولوجي ؟
-
في نقد الإقتصاد السياسي للبزوغ
-
سؤال نظري : تضخم في الكتابة وشح في الأفكار !
-
شبح ماركس
-
تغول المخزن و بلاد السيبة
-
نقد الاقتصاد السياسي للإيكولوجية : ماركس والإيكولوجية.
-
الترامبية والهرمية العالمية المرتقبة.
-
لأجل جبهة اجتماعية شعبية مغربية مناهِضة للاستبداد
-
الماركسية و مستقبل الاشتراكية/ الحلقة 2 : في الحاجة لتفكيك ف
...
-
الماركسية ومستقبل الإشتراكية : الحلقة 1/ عظمة فكر ماركس.
-
لأجل يسار اليسار .
-
المرور إلى الإشتراكية.
-
مجتمع السوق والسلاح الخفي
المزيد.....
-
شرطة مكافحة الشغب التركية تقتحم مقر حزب الشعب الجمهوري المعا
...
-
التيار الديمقراطي يتبنى برامج عمل مستقبلية خلال انعقاد مؤتمر
...
-
حزب النهج الديمقراطي العمالي بجهة فاس-مكناس يدين منع الرفاق
...
-
تركيا: الشرطة تداهم مقر حزب الشعب الجمهوري المعارض لـ-عزل قي
...
-
تصاعد حدة الإضراب العام في بوليفيا
-
القبض مجدداً على الناشط نائل حسن وحبسه 15 يوماً
-
الشرطة التركية تقتحم مقر حزب الشعب الجمهوري المعارض وتنفذ عز
...
-
الشرطة التركية تستخدم الغاز المسيل للدموع لاقتحام مقر حزب ال
...
-
Harvest of Chaos: The U.S. and Israel War on Iran
-
What Can Texans Learn From Their Own Left Populist Roots
المزيد.....
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|