حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث
(Hossam Aldin Fayad)
الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 15:27
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في واقع الأمر يحيلنا عنوان المقال إلى تساؤل له مشروعيته في واقعنا السوسيو - السياسي: من يحكم فعلياً المسؤول أم دائرته الضيقة؟ حين يتولى الإنسان مسؤولية عامة في مجتمعاتنا عموماً، فإنه لا يدير مؤسسة فحسب، بل يصبح رمزاً لها في نظر المجتمع. ومن هنا لا تقاس كفاءة المسؤول بقراراته المباشرة فقط، بل أيضاً بنوعية الأشخاص الذين يحيطون به ويمنحهم النفوذ والمساحة للتأثير. ففي علم الاجتماع السياسي لا تعمل السلطة بصورة فردية، وإنما عبر شبكات من العلاقات والولاءات والمصالح. لذلك فإن وجود شخصيات انتهازية أو فاسدة أو عديمة الكفاءة داخل دائرة القرار لا يبقى شأناً خاصاً بها، بل يتحول تدريجياً إلى جزء من الصورة العامة للقيادة نفسها. فالمجتمع لا يفصل عادة بين المسؤول ومن اختارهم، بل يرى في أعوانه امتداداً لقيمه وأخلاقه وطريقة إدارته. ولهذا تصبح أخطاء المقربين وعيوبهم انعكاساً مباشراً على شرعية المسؤول ومكانته الرمزية، حتى وإن لم يكن شريكاً مباشراً في تلك الأخطاء.
ومن منظور نقدي، فإن كثيراً من حالات التراجع المؤسسي لا تبدأ بانهيار القوانين أو ضعف الهياكل، بل تبدأ عندما يتحول معيار القرب الشخصي إلى بديل عن معيار الكفاءة والنزاهة. عندها تنشأ حول السلطة طبقة من المنتفعين الذين يتغذون على رضا المسؤول أكثر مما يتغذون على خدمة المصلحة العامة. ومع مرور الوقت تتشكل بيئة مغلقة لا تسمح بالنقد ولا تتقبل الرأي المختلف، فتزداد أخطاء الإدارة وتضعف القدرة على تصحيحها. والأخطر من ذلك أن الأشرار لا يكتفون بإفساد وظائفهم، بل يسعون غالباً إلى إفساد صورة السلطة نفسها، لأن سلوكهم اليومي يصبح الواجهة التي يراها الناس. وهكذا يجد المسؤول نفسه محاصراً بأخطاء لم يرتكبها بيده، لكنه دفع ثمنها لأنه منح أصحابها الثقة والموقع والنفوذ.
لذلك فإن الحكمة السياسية لا تتجلى فقط في القدرة على اتخاذ القرار، بل في القدرة على اختيار الأفراد المناسبين الذين يشاركون في صناعة ذلك القرار. فالمسؤول الناجح يدرك أن نزاهة المحيط الإداري ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل ضرورة اجتماعية وسياسية لحماية الثقة العامة. إن السلطة التي تسمح للأشرار والفاسدين بالاقتراب منها تفقد تدريجياً قدرتها على الإقناع، بينما السلطة التي تبني دوائرها على الكفاءة والاستقامة تكتسب شرعية أعمق وأكثر استقراراً. فالتاريخ الاجتماعي للمؤسسات المجتمعية يبين أن سمعة المسؤول لا تكتب بما يقوله عن نفسه، بل بما يفعله الذين اختارهم ليمثلوا حضوره أمام المجتمع.
وفي الختام، لا تقاس حكمة المسؤول بعدد الصلاحيات التي يملكها، بل بقدرته على اختيار أصحاب النزاهة والكفاءة من حوله، فالأشخاص الذين يمنحهم ثقته اليوم، هم من سيكتبون سمعته في ذاكرة المجتمع غداً. لذا عليك أيها المسؤول أن تختار من يرفع مقام المسؤولية لا من يثقلها، فصلاح المقربين يحفظ هيبة المنصب، وفسادهم يهدمها ولو كان المسؤولاً صالحاً.
#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)
Hossam_Aldin_Fayad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟