صالح بوزان
الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 22:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في البداية، أريد أن أوضح أنني أرى أن المجلس الوطني السوري والائتلاف المعارض ساهما في إنتاج ثورة مرتدة على طموحات الثورة الشعبية السورية التي انطلقت عام 2011. كما أرى أن وصول قيادة منبثقة من هيئة تحرير الشام، التي تعود جذورها إلى جبهة النصرة، إلى الحكم في سوريا يمثل ثورة مرتدة ثانية. وهذه الردة، في تقديري، ليست سياسية فحسب، بل فكرية واجتماعية وأخلاقية وحضارية أيضاً.
أحترم جميع الأديان عندما تكون شأناً شخصياً، وأدرك أن للأديان أدواراً تاريخية إيجابية وسلبية. لكن عندما تتحول أي ديانة في عصرنا إلى مشروع سياسي واجتماعي وأخلاقي مفروض على المجتمع، فإنني أرفض ذلك رفضاً قاطعاً، ولا أستطيع التصالح معه باعتباره أمراً واقعاً. لذلك أرى أن حكم أحمد الشرع حكم رجعي وغير ديمقراطي، ولا يعبّر عن مشروع مدني حديث.
لكنني سأضع هذه القناعة جانباً في هذا الفيديو، وسأحاول تقييم واقع روجافا من زاوية براغماتية كردية.
ما حدث في روجافا، من حيث القبول بمبدأ الدمج مع سلطة دمشق، لم يكن نتيجة قوة كتائب الجولاني، بل نتيجة ميزان قوى فرضته الولايات المتحدة، وهي القوة الدولية الأكبر، وتركيا، وهي القوة الإقليمية الأكثر تأثيراً في الملف السوري. وجد قادة قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية أنفسهم أمام معركة غير متكافئة. فرفض مشروع الدمج مع نظام إسلامي مركزي لم يكن سيؤدي، على الأرجح، إلى القضاء على قسد والإدارة الذاتية فقط، بل كان قد يفتح الباب أمام إعادة الكرد إلى ما قبل عام 2011، وربما أمام مشروع تغيير ديمغرافي جديد في المناطق الكردية، شبيه في روحه بمشروع الحزام العربي القديم، مع ما قد يرافق ذلك من قتل وتهجير وانهيار للمكتسبات التي تحققت خلال سنوات الحرب.
من هذه الزاوية، يمكن فهم قبول القيادة الكردية بمبدأ الدمج باعتباره محاولة لتفادي كارثة كبرى، لا باعتباره انتصاراً سياسياً صافياً ولا استسلاماً أخلاقياً كاملاً. إنه، في جوهره، خيار أقل الخسائر في لحظة كان ميزان القوى فيها ضد الكرد.
لماذا غيّرت أمريكا موقفها من كرد سوريا؟
الجواب، في تقديري، مرتبط بمصالح الولايات المتحدة لا بالعواطف ولا بالوفاء للتحالفات. واشنطن تريد في سوريا دولة مركزية قادرة على ضبط الحدود، محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، تقليص نفوذ إيران، والانفتاح على ترتيبات أمنية إقليمية تشمل إسرائيل. وهي لا تريد نموذجاً سورياً لا مركزياً يمكن أن يجعل القرار السياسي خاضعاً لتوازنات داخلية وشعبية معقدة.
مشروع الإدارة الذاتية، رغم نواقصه وأخطائه، حمل بذور نموذج سياسي مختلف: مشاركة محلية، تمثيل للنساء، اعتراف بالهويات، وميل إلى اللامركزية. ولو امتد هذا النموذج إلى عموم سوريا، لكان قد فرض دولة أقل قابلية للهيمنة الخارجية. فالدول الكبرى تفضّل غالباً التعامل مع مركز واحد، ومع رجل واحد، ومع سلطة يمكن الضغط عليها ومساومتها، أكثر مما تفضّل التعامل مع مجتمع سياسي متعدد ومؤسسات محلية لها إرادة مستقلة.
لذلك، لم يكن التحول الأمريكي مفاجئاً من منظور المصالح. المفاجئ فقط هو حجم الرهان الكردي السابق على ثبات هذا التحالف.
ماذا كانت تريد تركيا؟
تركيا لم تخف موقفها من روجافا. كانت تريد إسقاط أي مشروع كردي فيدرالي أو ذاتي على حدودها. كما أرادت تحويل الشمال السوري إلى منطقة نفوذ سياسي وأمني واقتصادي تابعة لها. احتلال عفرين، ثم السيطرة على مناطق الباب وجرابلس وتل أبيض ورأس العين، لم يكن مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل جزءاً من سياسة تهدف إلى قطع التواصل الجغرافي بين المناطق الكردية، وإضعاف أي كيان سياسي كردي، وفتح الطريق أمام تغيير ديمغرافي واسع.
كانت تركيا تريد، في مرحلة ما، التقدم نحو كوباني وربما إلى أبعد من ذلك. لكن وجود الرأي العام العالمي، ورمزية كوباني، وحسابات واشنطن، جعلت هذا المشروع يصطدم بحدود سياسية.
ماذا حدث بعد التحول الأمريكي؟
في رأيي، استفاد قادة قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية من دروس التاريخ الكردي. فالتاريخ الكردي مليء بلحظات أُجبر فيها القادة على الاختيار بين مقاومة بطولية تؤدي إلى كارثة شعبية، وبين تراجع مؤلم يحافظ على ما يمكن الحفاظ عليه.
عندما انسحب السوفييت من شمال غرب إيران عام 1946، تُركت جمهورية مهاباد أمام الجيش الإيراني. أدرك قاضي محمد أن المقاومة في تلك اللحظة قد تؤدي إلى مجازر وتهجير واسع وتدمير ما تبقى من المجتمع الكردي في المنطقة. لذلك اختار عدم خوض حرب خاسرة. قد يختلف الناس في تقييم ذلك القرار، لكن لا يمكن إنكار أنه كان قراراً مرتبطاً بحماية الشعب لا بالمجد الشخصي.
وموقف الملا مصطفى البارزاني بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 يحمل درساً مشابهاً. فالثورة الكردية في العراق كانت قد سيطرت على مناطق واسعة، وكان لديها تنظيم سياسي وعسكري مهم. لكن الدعم الخارجي، وخصوصاً الدعم الإيراني، كان عنصراً حاسماً في استمرارها. عندما اتفق شاه إيران وصدام حسين في الجزائر، أوقفت إيران دعمها للثورة الكردية، وأُغلقت الحدود، وتغيّر ميزان القوى دفعة واحدة. كان استمرار الحرب في تلك الظروف سيؤدي إلى سحق البيشمركة وقتل أعداد كبيرة من المدنيين وتهجير واسع وربما تدمير البنية الاجتماعية الكردية. لذلك اختار البارزاني وقف الثورة، رغم مرارة القرار.
يمكن انتقاد البارزاني في جوانب كثيرة، ومنها العقلية العشائرية والدينية الضيقة وتحكم العائلة والعشيرة بمصير الثورة. لكن قراره بإنهاء الثورة بعد انقطاع الدعم الخارجي جسّد، في تلك اللحظة، تفكيراً استراتيجياً يهدف إلى تقليل الخسائر.
قادة روجافا واجهوا معضلة من النوع نفسه، لكن خسائرهم، حتى الآن، أقل من خسائر جمهورية مهاباد وثورة الملا مصطفى البارزاني. فقد خسروا جزءاً كبيراً من الاستقلال العسكري والسياسي، لكنهم لم يخسروا كل شيء.
يمكن تلخيص ما بقي من المكتسبات في النقاط الآتية:
1. انتهى، أو يكاد ينتهي، وضع قوات سوريا الديمقراطية كقوة مستقلة خارج إطار الدولة، لكن جزءاً من القوات الكردية سيُدمج ضمن الجيش السوري أو الأجهزة الرسمية مع رتب ورواتب وترتيبات خاصة.
2. حصل الكرد على اعتراف سياسي وقانوني أوضح بهويتهم داخل سوريا، ولو أن شكل هذا الاعتراف النهائي ما زال مرتبطاً بالدستور وبميزان القوى.
3. ستبقى إدارة المناطق الكردية، ولو جزئياً، بأيدي سكانها وقواها المحلية، حتى إن تغيّرت التسميات والمؤسسات.
4. حصلت اللغة الكردية على اعتراف رسمي مهم، مع إمكانية تعليمها في المدارس، وهذا مكسب تاريخي لا ينبغي التقليل من شأنه.
5. سيكون للكرد حضور في الحياة السياسية السورية المقبلة، في البرلمان والحكومات والمؤسسات العامة، إذا جرت العملية السياسية بطريقة مفتوحة وغير إقصائية.
6. فشل جزء أساسي من المشروع التركي، خصوصاً إذا تحقق منع التغيير الديمغرافي الشامل وعودة المهجرين إلى عفرين وتل أبيض ورأس العين وسائر المناطق الكردية.
7. دخل كرد سوريا مرحلة جديدة من النضال، عنوانها السياسة والثقافة والقانون والمؤسسات، لا السلاح وحده. وهذا يفرض على الساسة والمثقفين الكرد تغيير العقلية التي حكمت المراحل السابقة.
على الصعيد الإقليمي
بعد دمج قسد والإدارة الذاتية في بنية الدولة السورية، لن تستطيع أي دولة إقليمية تجاوز دمشق في التعامل مع الملف الكردي السوري. وهذا يعني أن المشروع التركي لم يحقق كل أهدافه، خصوصاً إذا نجح الكرد في تثبيت الاعتراف بهويتهم ولغتهم وحقهم في إدارة مناطقهم محلياً.
لكن الخطر لم ينته. تركيا ستواصل الضغط لمنع أي صيغة حكم ذاتي حقيقية، وستحاول التأثير في دمشق كي يبقى الكرد مجرد أفراد داخل دولة مركزية، لا شعباً له حقوق جماعية واضحة.
على الصعيد الدولي
الشعب الكردي في سوريا لم يعد مجهولاً كما كان قبل 2011. أصبح طرفاً معروفاً في الحسابات الدولية، بسبب دوره في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وبسبب تجربة الإدارة الذاتية، وبسبب التضحيات الكبيرة التي قدمها. حتى الولايات المتحدة، رغم تحول موقفها، لن تستطيع بسهولة قبول عودة الكرد إلى مرحلة الإنكار الكامل التي سبقت الثورة السورية.
في اعتقادي، حققت الثورة الكردية في روجافا جزءاً مهماً من أهدافها. لم تحقق الفيدرالية، ولم تحافظ على استقلالها العسكري والسياسي الكامل، لكنها فرضت الاعتراف بالكرد واللغة الكردية وبوجودهم السياسي في سوريا الجديدة.
المهمة اليوم ليست البكاء على ما ضاع، ولا تجميل الهزيمة، ولا تخوين من قبلوا بالتسوية. المهمة هي حماية ما تحقق، وتوسيعه، وتحويله إلى حقوق دستورية ومؤسساتية ثابتة. تبدأ المرحلة الجديدة من النضال الكردي في سوريا من السياسة والثقافة والتنظيم المدني، لا من السلاح. والسؤال الحقيقي لم يعد: لماذا قبلت روجافا بالدمج؟ بل: كيف يستطيع الكرد تحويل هذا الدمج القسري إلى مكسب دائم داخل سوريا الجديدة؟
في النهاية، ما جرى في روجافا ليس انتصاراً كاملاً ولا هزيمة نهائية. إنه انتقال قاسٍ من مرحلة السلاح والإدارة شبه المستقلة إلى مرحلة السياسة والدستور والمؤسسات. قبل الكرد بالدمج لأن ميزان القوى لم يكن إلى جانبهم، ولأن البديل كان قد يكون كارثة أكبر على الشعب والمناطق والمكتسبات.
لكن الدمج لا يجب أن يعني الذوبان، والتسوية لا يجب أن تتحول إلى تنازل دائم عن الحقوق. المعركة الحقيقية تبدأ الآن: تثبيت الاعتراف بالكرد كشعب أصيل في سوريا، حماية اللغة الكردية، منع التغيير الديمغرافي، ضمان إدارة محلية حقيقية، وتحويل التضحيات إلى حقوق دستورية لا تستطيع أي سلطة إلغاؤها.
روجاڤا اليوم أمام سؤال مصيري: هل يتحول الدمج القسري إلى نهاية تجربة سياسية كردية، أم إلى بداية نضال مدني ودستوري أعمق داخل سوريا الجديدة؟ الجواب لن تحدده دمشق وحدها، ولا واشنطن ولا أنقرة، بل قدرة الكرد على التنظيم، والوحدة، والوعي، وحماية ما تحقق بدل الاكتفاء بالبكاء على ما ضاع.
#صالح_بوزان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟