أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نصير الحسيني - مملكة الحضر















المزيد.....


مملكة الحضر


نصير الحسيني

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 03:31
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الموقع:
تقع مملكة الحضر في السهل الشمالي الغربي من العراق، وجنوب مدينة الموصل بـ (110) كم، وتبتعد عن مدينة آشور 70 كم، وهيمنت مملكة الحضر على الطرق والمسالك البرية والعسكرية والتجارية المحاذية لنهر الفرات ودجلة، وارتبطت بالخليج العربي براً.
تشكل الحضر امتداد لحضارة وادي الرافدين في مجال العمارة والتجارة، ولكونها تقع في منخفض بادية الجزيرة الممتدة بين نهر دجلة والفرات، وحلقة وصل بين سوريا والعراق، وطريق مرور استوطنت فيها قبائل عربية كثيرة، وتعرضت للغزو الروماني والفارسي، وصمدت بفضل اسوارها، وخندقها، وعمارتها المميزة بأبراجها وقوة حكمها. يعتقد بعض الباحثين انها أيضاً حلقة وصل بين الحضارات العراقية القديمة، من سومرية ،اكدية، بابلية، وآشورية، أو ربما امتداد للحضارات القديمة قبل الإسلام.
أصل التسمية:
سميت عربايا – مملكة العرب - أو مدينة الشمس – يعتقد بعض الباحثين أن مدينة الحظر (حظرا) آرامية لاعتقادهم أن كلمة (أربايا) كلمة آرامية تعني البدو الصحراوي، وعليه في الآرامية تعني مملكة عربايا أي مملكة البادية، بينما يذهب آخرون إلى انها آرامية وسكنها العرب.
وورد اسم الحضر في الكتابات الآرامية (حظرا) وفي العربية (الحضر) وتعني المكان المحضور الذي يمنع فيه تناول ما لا يليق لموقعه المقدس عندهم، وقد ورد ذلك مخطوطاً على بعض النقود الحضرية (حظرا دي شمش) أي حضيرة الإله شمس، وفي بعض المصادر الأجنبية سميت (HATR ) وفي السريانية فوردت (حوطرا) وتعني الحضيرة، ووردت في نصوص الأوغارتية عبارة (حظر) وتعني القصر.
النشأة:
يذهب بعض الباحثين الى أن تاريخ نشوئها يعود إلى بداية القرن الأول، وامتد تأثيرها إلى القرن الثالث بعد الميلاد، نظراً لوقوعها على الطريق التجاري القديم، الذي يربط امبراطوريتين عظيمتين، اقتسمتا العالم القديم، هما الإمبراطورية الرومانية في الغرب والامبراطورية الفرثية في الشرق، وقد اطلق على هذه المدن مثل الحضر، والبترا، وتدمر بمدن القوافل، ويذهب آخرون إلى انها امتداد للحضارات الشرقية القديمة.
ويقول بعض الباحثين إلى أن مملكة عربايا نشأت على انقاض طبقات سكنية تعود إلى الفترة الآشورية الحديثة (911-612 ق.م)، إلى انها نمت وتوسعت لاحقاً لتكون مملكة مستقلة في القرن الثاني الميلادي، ويعتقد آخرون أن مدينة الحضر كانت مملكة عازلة بين امبراطوريتين مهمتين، وهما امبراطورية الاسكندر المقدوني، وامبراطورية الفرس ثم الإمبراطورية السلوقية، والساسانية، والفرثية لتصبح حلقة وصل وملاذاً آمناً للقبائل العربية والآرامية لينشأوا مدينة مزدهرة عمرانياً، واقتصادياً، وتجارياً، ولا سيما وانها كانت محطة عبور والتقاء للقوافل التجارية.
التنقيب:
بدأ التنقيب في مملكة الحضر عام 1951، شاركت فيها دائرة الآثار والتراث العراقية وبعثات اجنبية؛ مثل بعثة من جامعة تورينو الإيطالية، والمعهد الإيطالي للآثار، وبعثة بولونية من جامعة وارشو، وفريق آثاري من جامعة الموصل.
اقتصر التنقيب على أماكن قليلة من اطلالها، وقد اكتشفوا (18) نصاً مؤرخاً يعود إلى العهد السلوقي الذي يرجح أن بدايته في الازل من نيسان من عام 311 ق.م، واكتشفوا بعض الكتابات الموجودة على جدران الأبنية والمدونة على بعض تماثيلها، وبلغت خمسمائة نص ومعضمها قصيرة باللغة الآرامية باستثناء نص واحد بالاغريقية وثلاث نصوص باللاتينية، ويعتقد بعض الباحثين أن بداية نشأتها كانت قرية آشورية لكن لا يوجد دليل أثري على ذلك.
وقد وضع الأستاذ فؤاد سفر مع غيره من الباحثين شجرة للطبقة الحاكمة في المدينة مقسمة إلى ثلاث اقسام:
1. دور التكوين:
يعتقد الباحثون أن هذا الدور يعود إلى الشيوخ الذين قاسموا السلطة منذ القرن الأول للميلاد، وكان يعرف الشيخ بكلمة (ربا) أي الزعيم أو العظيم، وبين السدنة الذين يطلق على الواحد منهم (رب بيتا) أي صاحب البيت، والمقصود بالبيت (المعبد الكبير)، والأمور الدينية موكلة إلى الكهنة ورئيسهم (الانكل) وكلمة (كمرتا) أي الكاهن والكاهنة.
والسلطة الدينية مقسمة إلى رئيس الكهنة (الأنكل) يليه القسيس (قشيشا) ثم الكاهن (كمرا) والكاهنة (كمرتا)، وهم مسؤولين عن سلامة المعبد ومحتوياته. وباقي السلطات لقادة الجيش، وارباب القوافل التجارية ذوي النفوذ في تسيير شؤون المدينة خلال مجلس (شبه بمجلس الشورى)، وربما يشكل المدرج المنخفض في المعبد مكاناً لاجتماعهم.
2. دور السادة:
يعتقد أن هذا الدور استمر حتى عام (117م) حفلة انتهاء الامبراطور الروماني وربما هم من عائلة واحدة وابرزهم (نشريحب)، وبعده احفاده، ثم تزعم المدينة من بعده (ورود) الذي وجد اسمه منقوشاً على أحد الجدران، ومن ثم (نصرو)، وبعده ابنه (لجش) الذي أصبح أول ملك للحضر.
3. دور الملوك:
يعتقد الباحثون أن هذا الدور بدأ في منتصف القرن الثاني ميلادي، وينتهي بسقوط الحضر عام (241م)، والتي تمتعت فيه الحضر بنوع من الاستقرار والتوسع، وزيادة في النفوذ حتى وصلوا إلى نهر الخابور أحد أفرع نهر دجلة.
ويعود الفضل إلى (سنطروق) ابن نصرو السيد (167-190م) في زيادة مكانة الحضر الدينية وتحولها إلى مكان للعبادة تزورها القرى المجاورة، ويتبركون بأصنامها، ويعد الباحثون أن أسماء ملوك الحضر غير عربية، وأن معظمها عبرانية أو آرامية، غير أن البعض يعد ذلك تشبهاً ومحاكاة للأجانب الذي امتزجوا معها من الحضارات الأخرى.
ملوك الحضر:
1. الملك ولجش (كملك) (158-165م).
2. الملك سنطروق الأول (165-190م).
3. الملك عبد سميا (190-200م)
4. الملك سنطروق الثاني (200-241م).
الدين:
اتسمت الديانة في مملكة الحضر بالتعددية، ويعتقد بعض الباحثين أن طقوسها استمدت من الديانات الآشورية والبابلية، والتي تعود إلى السومريين والأكديين، ومن ثم ربما تأثرت بالديانات الأغريقية القديمة أثر غزو الاسكندر المقدوني للمنطقة مثل عبادة نرجو واثينا. وكذلك عبادة القبائل العربية التي نزحت من الجنوب ونقلت معها معتقداتها وأفكارها الدينية.
ومن بين الآلهة التي عبدت وذات الأهمية والاولوية؛ الآلهة شمس، وقد ورد في أسماء عدة مثل (شفش – شمش)، وعلى النقود وجد (حضر رب شمش)، وتعني الحضر مدينة الشمس: ولو تقصينا ذلك تاريخياً لوجدنا أن الآله شمس هو إله سومري قديم عرف (اوتو) ابن القمر، وعند البابليين شماس، وعند سكان الجزيرة العربية (شمش – شفش) وظهر في ألواح عدة على مسلة حمورابي وسواها، وهو الإله الذي يكشف السراق والإله الذي لا يخفى عليه شيء، وله في الحضر تماثيل كثيرة وخاصة على المداخل، ويمثل هالة مشعة وعلى جانبيه قرنان صغيران يدلان على الهيبة.
ومن جهة أخرى ظهرت آلهة أخرى وردت ذكرها في أدعيتهم مثل مرن (سيدنا) ومرتنا (سيدتنا) وبرمرين (اين سيدتنا) أي الأب والأم والابن وقد سميّ بالتثليث.
وجدير بالإشارة أن التثليث معروفاً لدى العراقيين القدماء بأشكال مختلفة مثل: شمس، سن، عشتار أي الشمس والقمر وعشتار. والإله بعلشمين – بمعنى بعل – ويعتقد بعض الباحثين أن كلمة بعل كلمة تطلق على الأرض التي لا تعتمد زراعتها على وسائل الري بل على الرطوبة والمياه الجوفية، ولهذا فهي مصدر الخصب والماء، وإن الساميين يخصون آلهتهم بالأرض التي بها البركة، فهي في حمى الإله بعل، من هنا جاءت كلمة (بعل – سيم - بعل شميسن) وتعني إله السماء، أي إله المطر، والذي هو واسطة الخصب والثمار في الجزيرة. وقد عثر على آثار كثيرة تشير إلى أن الإله بعل عبد في تدمر وعند اللحيايين والصفائيين وفي بعلبك باسم الإله (بعل شمس).
وأخيراً فأن معنى بعلشمين تعني الشمس.
- الإله الرابع الذي عبد (نرجول) وعند الديانات الرافدينية عرف نركال. وعندهم يسمى إله الحظ، وحامي الجند، وقد وجد له تمثال يلبس رداءً.
- أما الإله الخامس فهو إله النسر (تشرا) وقد ورد قبله كلمة (عدن) أي سيدنا، وقد وجد منحوتاً يظهر بجانب الإله شمس
- وجد في بعض الكتابات الإله نناي (نني) بهيئة امرأة ترتدي ثوباً طويلاً وتقف على قاعدة مكسورة، وتمسك بيدها اليسرى عصا تنتهي بكرة وعلى رأسها تاج اسطواني ذو قمة مدببة. ويوجد لها معبد إقامة الكاهن (عقبي بن شبلا من بني تمني) عام 101م.
- الإله اللات- تعود عبادتها إلى الجزيرة العربية، وهي مكرسة لعبادة كوكب الزهرة، ومرة تظهر على جمل وبجانبها أسد وإلهين اصغر حجم أو تظهر بموكب.
- الإله فورتا – وهي آلهة مقتبسة من الروم وتظهر وهي تحمل كرة تتدحرج لتصيب الحظ الذي يتدحرج بدون تعيين خيراً أو شراً.
- الإله تاريخي أو تابكة: وهي آلهة حارسة ربما كانت زوجة الإ"له نركال ولها دور تتقاسمه مع زوجها في حراسة وحماية مدينة الحضر.
- اترعتا- آلهة انثوية كانت تسمى (عجابن أبا) وتصور على شكل أسد وبجانبه لبوة وهي زوجة الإله (بعلشمين).
- الآلهة السبعة وهي آلهة تمثل الكواكب الخمسة المعروفة بالإضافة إلى الشمس والقمر ولكل إله يوم من أيام الأسبوع.
وعلى أي حال كانت العبادات على ما يبدو متنوعة في المدينة، واتسمت المملكة بصبغة دينية، وإن الإله الرئيسي للمدينة وحارسها الإله شمس، أما التنوع فيعزى إلى كون المدينة حلقة وصل ومسار للقوافل وملتقى للتجارة وسواها.
وتشير الدراسات والبحوث إلى أن المدينة كانت تحتوي على عدة معابد ونذكرها بالشكل الأتي:
1. المعبد الكبير (معبد الشمس).
2. معبد خلوة الشمس (المعبد المربع).
3. معبد شحيرو.
4. معبد سميا.
5. معبد السقاية.
6. معبد مرن.
7. معبد اشربل.
8. معبد نريكال.
9. معبد هرقل.
10. معبد الإله نابو.
11. معبد بعلشمين واترعتا.

العمارة والفن:
اتسمت عمارة مملكة الحضر كونها مزيج من العمارة اليونانية، والرومانية، والعمارة الشرقية، نظراً لكونها محطة للقوافل المارة بين بادية الشام والجزيرة العربية، فضلاً عن تأثرها بالاحداث السياسية، والعسكرية التي سيطرت على المنطقة سواء الفارسية، واليونانية بقيادة الاسكندر المقدوني، والرومان، والبيزنطينيون، وسواهم من الامبراطوريات الحاكمة، والتي نقلت معها عناصر العمران وتميزت عمارتها بثلاث سمات؛ الأولى الشكل الخارجي الدائري قطرها حوالي كيلومترين لحمايتها من الأعداء وتميز سورها بالفخامة، حيث بني من طبقتين، الأولى ثلاثة أمتار والثانية مترين ونصف وبينهما مسافة 12م، وتخلل السور 163 برجاً عالياً للمراقبة، ويحيط بالسور خندق يبتعد عنه 500م بعمق 4,5 متر وعرض 8م، أما الأبنية الداخلية فتميزت بالمخططات المربعة المتداخلة وتسمى الايوانات، وجدران عريضة مترية من الأحجار لمقاومة حر الصحراء مع ارتفاعات عالية تجاوزت الستة امتار، فضلاً عن البوابات العالية ذات الاقواس والاعمدة بارتفاع 12م المنقوشة بالفسيفساء والتماثيل، ويوجد في وسطها معبد كبير مخصص للاله شمس مبني من الطوب، وفي المدينة عدة معابد أخرى، وكان معبد الشمس موقعاً للحج السنوي للعرب.
تشير التنقيبات إلى أن طول السور ستة كيلومترات وأمامه خندق مائي ويقدر ارتفاعه بعشرة امتار، وكانت المسافة الفاصلة بين الأبراج حوالي 30 متر ويحتوي السور على أربعة بوابات. احتوت المدينة على ساحة شرقية ضمت مبانٍ مهمة أخرى تقع جميعها على الجانب الغربي، وكانت على الجانب الغربي معابد أخرى فيها ثلاث ايوانات عبارة عن غرفة كبيرة معبدة مثقوبة على جانب واحد من الشرفة على شكل قوس كبير، وفي الركن الجنوبي الغربي مذبح مكشوف، كانت المدينة تحتوي على كثير من التماثيل الحجرية التي بقيت لسنوات طويلة محافظة على أهميتها إلى أن طالتها يد الإرهاب.

تميزت اعمدتها الطويلة بالتيجان الكورنثية، وتفصلها عن صفين من الايوانات الأصغر، وتم العثور على بلاطات مزججة زرقاء على الأرض وغرف كثيرة مقببة ومربعة الشكل، ومتداخلة مع غيرها على شكل ايوانات، وعلى ما يبدو أن كل ذلك كان مخصص للعبادة، وربما استخدمت الممرات الأربعة التي تتصل بالايوان المركزي لغرض الطواف اثناء عملية الحج، والايوان المركزي كان مخصص لاستقبال العديد من الضيوف، وتشير بعض الأماكن الى انها كانت لاقامة المهرجانات الدينية، وربما يجاورها منصات للمذابح، أو لتقديم المآدب الطقسية.
عثر في المدينة على عدة معابد مثل المعبد الكبير المقسم إلى قسمين: الصحن، والحرم، والحرم مربع ويسمى الخلوة (كعبة الحضر) ويضم المعبد الكبير على معبد مرن، ومعبد اللات، ومعبد السقايا، وتسمى هذه المعابد الصحن الذي يضم الاواوين المنسقة والمعبد المربع، ومعبد الإله سحرور، ومعبد سيما والتثليث الحضري.
وفي المدينة معابد أخرى كثيرة مثل معبد نرجول يتألف من ايوان بمقدمة مفتوحة بطول (7,30 ×6,1)م وفيه مصلى وقاعة مستعرضة بأبعاد (12,75× 20)م وخلوة بأبعاد (4,1)م.
إضافة إلى معابد (اشر- يل)، وآلهة الحظ، ومعبد الإله نابو، ونرجول، والربة نناي وسواها من المعابد، مما يؤشر إلى أن للمدينة طابع ديني تميزت عن سواها به.
ونظراً لكون الحضر كانت ملتقى العديد من الحضارات ازدهرت فيها التجارة وازدهرت معها العمارة والعمران.

وقد ساد في مملكة الحضر تقليد نحت تماثيل والواح تمثل اهم الشخصيات، وكذلك سيدات المجتمع، فضلاً عن الآلهة الرئيسة. فقد عثر على تمثال يمثل الاله شمس، وكذلك تمثال لثلاث نسوة واسد وتمثال للاميرة دوشفري، وتمثال لابنتها بنت دوشفري، ولجذوة وزوجها عبد ملك، وتمثال (سمي بنت عجا) وعلى ما يبدو هي مرتلة وعازفة وزوجها كاهن اسمه (عجا ابن أبا كاهن اترعتا)، وعثر على قاعدة تمثال للكاهنة متبو ترتدي زياً حضرياً.
وتأسيساً على ذلك فقد تميزت الحضر بتقدمها بفن النحت على حجر الحلان (حجر الكلس) الذي تميزت به المنطقة عن سواها، أو من الرخام الموصلي المتوفر بالقرب من المدينة.
أدب وحرب:
اشتهرت الحضر في زمن جذيمة الوضاح الأبرش (180-267)م، الذي ورث الحكم من أبيه مالك بن فهم، وكان جذيمة ابرص، وقيل عنه الوضاح والابرش اكراماً وتعظيماً له، وكان من افضل ملوك العرب رأياً، وأول من اجتمع له الملك في العراق، وكان انيقاً جميلاً، وشاعراً، وغزا بالجيوش، وضم إليه العرب، وكانت منازله تمتد بين الحيرة والانبار وهيت وعين تمر والرقة والقطفانية وبقة واطراف البر إلى العمير ويبرين. وكانت تجبى له الأموال وتفد اليه شتى أنواع الوفود.
غزا امارة الحضر وطمع في امتلاك مشارف الشام وارض الجزيرة وحكم ستين عاماً وعاش طويلاً. وقيل أن ملك الشام واعالي الفرات رجلاً من العماليق يقال له عمرو بن الظرب بن حسان العمليقي، جرى بينه وبين جذيمة حروب، فأنتصر جذيمة عليه وقتله، وكان لعمرو بنت تدعى الزباء ملكت بعده وبنت على الفرات مدينتين متقابلتين واخذت بثأر ابيها بعد أن اطمعته بالزواج وتبدأ الاحداث على وفق الاتي:
غزا جذيمة طسماً وجديساً() في منازلهم من اليمامة، فأصاب حسان بن تبع أسعد أبي كرب قد اغار عليهم فعاود بمن معه، وأصاب حسان سرية لجذيمة فأجتاحها. وكان لجذيمة صنمان يقال لهما الضيزنان، وكانت إياد بعين أباغ، فذكر لجذيمة غلام من لخم في اخواله من إياد يقال له : عدي بن نصر بن ربيعة، له جمال وظرف، فغزاهم جذيمة، فبعثت إياد من سرق صنميه وحملهما إلى إياد، فأرسلت إليه :
(ان صنميك أصبحا فينا زهداً فيك ورغبة فينا، فإن أوثقت لنا أن لا تغزونا دفعناهما إليك. فرد عليهم وقال : وتدفعون معهم عدي بن نصر فوافقوا).

ثم قرب جذيمة عدي بن نصر إليه وولاه شرابه، فابصرته رقاش أخت جذيمة فعشقته، وارسلته ليخطبها إلى جذيمة، فقال : لا اجتريء على ذلك ولا اطمع فيه. وقالت له : إذا جلس جذيمة على شرابه فأسقه صرفاً واسقِ القوم ممزوجاً، فإذا اخذت الخمرة فيه فأخطبني إليه فلن يردك، فإذا زوجك فأشهد القوم، ففعل عدي ما امرته واجابه جذيمة وأملكه إياها فأنصرف إليها وبنى بها من ليلته واصبح بالخلوق، فقال له جذيمة ما هذه الآثار يا عدي؟ قال آثار العرس. قال : أي عرس؟ قال: عرس رقاش. قال : من زوجكما ويحك ! قال الملك؛ فندم جذيمة وأكب رأسه على الأرض متفكراً، وهرب عدي، فلم يرَ له أثر ولم يسمع له ذكر، واستدعى أخته رقاش وقال لها: خبريني وأنت لا تكذبيني أبحرٌ زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت اهل لعبد أم بدون، فأنت أهل لدون.
فقالت: لا بل أنت زوجتني امرأً عربياً حسيباً؛ ولم تستأمرني في نفسي فكف عنها وعذرها. وقيل أن عدي رجع إلى إياد فكان فيهم وخرج يوماً مع فتية متصيدين فرمى به فتى فتنكس فمات.
حملت رقاش غلاماً فسمته عمراً( )، فلما ترعرع وشب ألبسته وعطرته وأزارته خاله واحبه وجعله مع ولده.
ملكت الزباء بعد ابيها بأرض الجزيرة ومشارف الشام واسمها اذينة بنت عمروا بن الظرب بن حسان بن أذينة العملقي، وقيل كان لها من الفرات الى تدمر ولما استجمع لها امرها واستحكم ملكها اجتمعت لغزو جذيمة تطلب بثار ابيها، فقالت لها اختها ربيبة وكانت عاقلة حكيمة أن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعد؛ والحرب سجال فأشارت عليها ترك الحرب والعمل بالحيلة. فأجابتها وكتبت الى جذيمة انها لم تجد ملك النساء الا قبحاً في السماع وضعفاً في السلطان، وانها لم تجد لملكها ولا لنفسها كفواً غيره.
فلما وصل كتابها استشار ثقاته واجمعوا أن يسير إليها ويستولي على ملكها، وكان فيهم رجل يقال له (قصير بن سعد) من لخم، وكان سعد متزوج أمة لحذيمة فولدت له قصيراً، وكان اريباً حازماً ناصحاً قريباً من جذيمة خالفهم الرأي وقال: "رأي فاتر، وغدر حاضر". وقال لجذيمة اكتب إليها فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا لم تمكنها من نفسك وقد وترتها وقتلت اباها.
رفض جذيمة رأيه وقال له : "رأيك في الكن لا في الضخ"، ثم دعا عمرو بن أخته فأستشاره فشجعه المسير إليها وقال : إن نمارة قومي مع الزباء فلو رأوك صارو معك، فأطاعه. فقال قصير :" لا يطاع لقصير أمر"، وقالت العرب :" ببقه أبرم الأمر". وسار جذيمة إلى الزباء واستخلف عمرو بن عدي على ملكه، وعمرو بن عبد الجن على خيوله معه، فلما نزل الفرضة قال لقصير: ما الرأي؟ قال :" ببقة تركت الرأي".

استقبلته رسل الزباء بالهدايا والالطاف، فقال يا قصير كيف ترى؟ قال : "خطر يسير، وخطب كبير"، وستلقاك الخيول فإن سارت امامك فإن المرأة صادقة وإن أخذت جنبيك واحاطت بك فإن القوم غادرون، فأركب العصا وهي فرس لجذيمة لا تجارى، غير أن الخيول أحاطت به وساروا بجذيمة حتى دخل على الزباء وهرب قصير على الفرس العصا. غدرت بجذيمة واجلسته على نطع واحضرت بطست من ذهب فأعد له وسقته الخمر حتى أخذت منه مأخذها ثم أمرت براهشية فقطعا وقدمت إليه الطست وقد قيل لها أن قطرة من دمه شيء غير الطست طلب بدمه.
وكانت الزباء سألت كهنة عن أمرها وهلاكها، فقالوا لها:
نرى هلاكك بسبب عمرو بن عدي، ولكن حتفك بيدك، فحذرت عمرو بن عدي واتخذت نفقاً من مجلسها إلى حصن لها داخل مدينتها، وارسلت رجلاً مصوراً متنكراً إلى عمرو بن عدي وصورته جالساً وقائماً ومتفضلاً ومتنكراً ومتسلحاً بهيئته ولونه، وفعل المصور ما أمرت لتحذر منه.
جاء قصير إلى عمرو وقال له اجدع أنفي وأضرب ظهري ودعني والزباء، فقال عمرو ما أنا بفاعل، فقال قصير: "خل عني إذاً وخلاك ذم"، فقال عمرو : أنت ابصر، فجدع قصير أنفه ودق بظهره وخرج كأنه هارب، وأظهر أن عمراً فعل به ذلك، وسار إلى الزباء فادخل عليها فإذا أنفه جدع وظهره قد ضرب، فقالت: "لأمر ما جدع قصير انفه" وسألته ما الذي أرى بك يا قصير؟ قال : زعم عمرو أني غدرت بخاله وزينت له المسير إليك. فأكرمته واصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملك.
فلما عرف أنها وثقت به قال لها: أن لي بالعراق اموالاً كثيرة، ولي بها طرائف وعطر فأبعثيني لأحمل لك من طرائفها فتصيبين بها أرباحاً وبعض ما لا غناء للملوك عنه. حتى سار وأتى إلى عمرو بن عدي متخفياً وقال: جهزني بالبز والطرف لعل الله يمكننا من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك، فأعطاه حاجته ورجع إلى الزباء فأعجبت بما حمل إليها وزادت ثقة به.

وكررها ثانيةً، وفي المرة الثالثة جاء إلى عمرو وقال : اجمع لي ثقاة اصحابك وجندك وهيء لهم الغرائز – وهو أول من عملها- واحمل كل رجلين على بصير في غزارتين واجعل مقعد رؤسهما من باطنهما وإذا دخلت مدينة الزباء اقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قاتلوه.
واقبلت الزباء تريد الخروج من النفق فأبصرت عمراً قائماً على باب النفق فعرفته، فمصت سماً كان في خاتمها فقالت:
"بيدي لا بيد عمرو"! فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة وغرس قصير سيفه في فرجها وهو يقول :
ولو رأوني وسيفي يوم أدخله
في جوف زباء ماتوا كلهم فرحا
ثما عاد عمرو إلى الحيرة فكان الملك بعد خاله جذيمة وعمرو هذا هو جد النعمان بن امريء القيس اشهر ملوك المناذرة.
نهاية مملكة الحضر:
ازدهرت مملكة الحضر لاسباب عدة واحدة منها الموقع الجغرافي مما أتاح لاهلها السيطرة على طرق القوافل التجارية المارة بباديتها كقوافل الحرير والتوابل والاخشاب والبخور وسواها، والسبب المهم الاخر هو نمو المملكة الديني الذي ميزها اقتصادياً، إذ تواردت عليها الأموال والنذور والهدايا والتبرعات لكثرة وتنوع معابدها حتى قيل انها تتلقى النذور والهدايا بشكل يومي مما جعلها مطمع كثير من الحكام المجاورين.
وفي عام (94) بعد الميلاد حرر آخر ملوك الحضر أقاليم السواد من سلطة الاحتلال الساساني، ولهذا اعد الامبراطور الساساني سابور الأول العدة للهجوم على الحضر بعد أن فشل والده في احتلالها سابقاً، ففرض عليها حصاراً امتد حتى ابريل/ نيسان 241م، وتمكن بعد ذلك من اختراقها واحتلالها بعد ما ساعده في ذلك أشخاصا من داخل المملكة.
وبعد ذلك انتشرت الديانة الزرادشتية وهي ديانة الساسانيين والشعوب الخاضعة لها، وفي السابع من آذار/ مارس 2015 هدم مسلحوا تنظيم داعش مبانٍ كثيرة بالجرافات وحطموا كثير من التماثيل فيها باستخدام الفؤوس والقنابل وازالوا بواباتها الشرقية.

المصادر:
- سفر، فؤاد و د. مصطفى محمد علي، الحضر مدينة الشمس، بغداد، مديرية الاثار العامة، وزارة الثقافة والاعلام 1974
- المصري، جمال الدين مكرم، لسان العرب، ج4، بيروت، دار صادر.
- باقر، طه، مجلة سومر، المجلد الثالث، ج1، مديرية الآثار، 1947.
- حسن، عزيز كريم، المعابد الصغيرة الخاصة بمدينة الحضر، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1994.
- عبد الواحد، فاضل، المفتقدات الدفينة، موسوعة حضارات الموصل، ج1، دار الكتب للطباعة والنشر، 1991، ص307.
- الأسود، حكمة بشير، دليل آثار الحضر، بغداد، دائرة الاثار والتراث العامة، 1994.
- الأسود حكمة بشير، المعبد الحضري وطقوسه الدينية، مجلة ما بين النهرين، العدد 79، بغداد، مطبعة الاديب، 1993، ص206.
- لايارد، اوستن هنري، نينوى وآثارها، المجلد الأول، ترجمة: خضر علي سويد، دار الرافدين، بيروت- بغداد، 2018.
- الشمس، ماجد عبد الله، الحضر العاصمة العربية، بغداد، مطبعة التعليم العالي- جامعة بغداد، 1988.



#نصير_الحسيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أدب الرحلات
- انا وغربتي قراءة في مذكرات أحمد الزبيدي...
- قراءة في كتاب نبيل الربيعي (تاريخ الأكراد في العراق 2230 ق.م ...
- قراءة في كتاب (الكاكائية) للكاتب نبيل الربيعي
- المهن الطبية في العراق إلى أين؟
- قراء في رواية (ساعات اغتصاب شهرزاد)
- قراءة في رواية قيلولة للقاص والروائي سلام حربة
- قراءة في رواية (افاعي الشيطان) للروائي البحريني ناجي جمعة
- قراءة في كتاب التاج.. تجليات حلية
- قراءة في كتاب بواكير النهضة النسوية في العراق
- قراءة في كتاب (الشبك، أصلهم، لغتهم، عاداتهم) للكاتب نبيل الر ...
- قراءة في كتاب نبيل الربيعي (المسيحيون في العراق بين عراقة ال ...
- نبيل الربيعي واضواء على كتابه الموسوم (البابية والبهائية في ...
- هادي جبارة الحلي رائد المسرح الشعري الشعبي في العراق
- تاريخ الصابئة المندائيين للكاتب نبيل الربيعي
- يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره.


المزيد.....




- شاهد.. العثور على جثة ممثل أمريكي شهير بعد مكالمة طوارئ غريب ...
- شاهد.. أمواج عاتية تضرب مطعمًا وتغمر الشوارع في هاواي
- أبرز ما كشفه مستشار خامنئي من خبايا دوائر صنع القرار وما سيح ...
- صوب دول خليجية.. فيديو وتقديرات أولية لاعتراض أمريكا هجوما إ ...
- أول بيان من الحرس الثوري بعد استهداف مناطق ساحلية إيرانية بض ...
- -أنقذ بلادك سيادة الرئيس-.. وزير خارجية إيران يرد على رئيس ل ...
- مباشر: الجيش الأمريكي يعلن اعتراض 7 صواريخ إيرانية أطلقت على ...
- كيم يزور مدمرة ويتحدث عن -الردع النووي والضربة القاضية-
- رصد الدودة آكلة اللحم الحي مجددا في ولاية أميركية
- المليارات المجمدة.. كيف تعرقل اتفاق واشنطن وطهران؟


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نصير الحسيني - مملكة الحضر