أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسين أحمد - من الذي يضع العصي في عجلات السلطة في سوريا؟















المزيد.....

من الذي يضع العصي في عجلات السلطة في سوريا؟


حسين أحمد
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 00:05
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


منذ أشهر، لا يكاد يمر أسبوع دون أن يخرج علينا أحد غاضباً من "المعرقلين"، أو محذراً من "الذين يضعون العصي في عجلات السلطة"، أو متحدثاً عن "الحملة المنظمة لإفشال التجربة الجديدة".

وفي الحقيقة، يشبه هذا قصة رجل وقف في ساحة القرية يصرخ مستنجداً بالناس:
ـ الحقوا! لقد خربوا منزلي!
فهرع أهل القرية إليه وسألوه:
ـ أين المنزل؟
فقال:
ـ لم أبنه بعد، لكنهم يخططون لتخريبه.
وكلما حاول أحد أن يشرح له أن المشكلة ليست في المخربين بل في غياب المنزل نفسه، اتهمه بأنه جزء من المؤامرة.
هذا المشهد الساخر يلخص جانباً مهماً من النقاش السوري الحالي.

فكثير من الناس يتحدثون عن حماية الإنجازات أكثر مما يتحدثون عن صناعة الإنجازات، ويتحدثون عن المعرقلين أكثر مما يتحدثون عن أسباب التعثر، ويتحدثون عن العصي أكثر مما يتحدثون عن العجلات.

لكن إذا وضعنا العواطف جانباً، ونظرنا إلى الأمور بقدر من البرودة، فسنجد أن أكبر التحديات التي تواجه السلطة اليوم ليست خارجة عن دائرتها، بل داخلية بالدرجة الأولى.

فحين تسقط دولة حكمها نظام استبدادي لعقود طويلة، لا يكون التحدي الأول هو مواجهة الخصوم، بل بناء المؤسسات.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذه الأشهر:
أين هي المؤسسات التي أُعيد بناؤها فعلاً؟
لا أقصد البيانات الرسمية، ولا المؤتمرات الصحفية، ولا التصريحات المتفائلة.
بل المؤسسات الحقيقية التي يشعر المواطن بوجودها في حياته اليومية.

خذ الإدارة العامة مثلاً:
حتى الآن لا يبدو أن هناك نموذجاً إدارياً مستقراً وواضحاً للدولة الجديدة. كثير من المؤسسات ما تزال تعمل بعقلية مؤقتة، وكثير من الملفات تُدار بطريقة أقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى إدارة الدولة.

وفي بلد خرج من حرب طويلة وانهيار اقتصادي عميق، كان يفترض أن تكون الأولوية المطلقة هي بناء جهاز إداري محترف وقادر على العمل، لأن الدولة لا تقوم على النوايا الحسنة، بل على الموظف الذي يعرف ماذا يفعل، ولمن يرفع تقريره، ومن يحاسبه إذا أخطأ.

لكن ما زال السوري يرى قرارات مرتبكة، وصلاحيات غير واضحة، وإجراءات تختلف من مؤسسة إلى أخرى، وكأن الدولة ما تزال تبحث عن شكلها النهائي.

ثم نأتي إلى ملف التعيينات، وهنا تبدأ الأسئلة الحساسة، فلا أحد يعترض على حق أي سلطة جديدة في اختيار الأشخاص الذين تعمل معهم، فهذا أمر طبيعي في كل دول العالم، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح معيار الثقة أهم من معيار الكفاءة.
وعندما تصبح الخلفية السياسية أو التنظيمية أو الشخصية أقوى من السيرة المهنية.
وعندما يشعر أصحاب الخبرة أن أبواب الدولة لا تُفتح لهم بالقدر نفسه الذي تُفتح به لأشخاص آخرين.

فالدولة لا تُدار بالأصدقاء، ولا تُدار بالمحبين، ولا تُدار بالمخلصين فقط، الدولة تُدار بالكفاءات، وقد أثبت التاريخ السوري، قبل الثورة وبعدها، أن الكفاءة وحدها هي التي تصنع المؤسسات القادرة على البقاء.

أما الولاءات، مهما كانت صادقة، فلا تصنع إدارة ناجحة.
والأخطر من ذلك أن بعض التعيينات أثارت نقاشاً واسعاً ليس بسبب الأشخاص أنفسهم، بل بسبب الرسالة التي تحملها.
فالناس لا تنظر فقط إلى من تم تعيينه، بل تنظر أيضاً إلى من لم يُعيَّن، وتسأل نفسها: هل الدولة الجديدة تستوعب جميع الكفاءات السورية؟ أم أنها تتحرك ضمن دائرة ضيقة نسبياً؟
وهذا سؤال مشروع في بلد متنوع ومعقد كسوريا.

ثم يأتي ملف التواصل مع الناس.
ففي كثير من الأحيان يبدو أن السلطة تتحدث عن نفسها أكثر مما تتحدث مع الناس.
هناك فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي وبين المزاج الشعبي.
فالسلطة ترى تقدماً في ملفات عديدة، بينما المواطن ما يزال منشغلاً بأسئلة أكثر بساطة: أين فرص العمل؟ أين تحسن الخدمات؟ أين الاستقرار الاقتصادي؟ أين نتائج كل هذا الجهد؟

وهنا تظهر مشكلة خطيرة، فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والواقع، ازداد الميل إلى تفسير النقد باعتباره استهدافاً سياسياً بدلاً من اعتباره ملاحظة تستحق المراجعة، وهذه إحدى أقدم أمراض السلطة في العالم.

أما الاقتصاد، فهو القاضي الأكثر قسوة بين جميع القضاة.
لأنه لا يقرأ البيانات السياسية، ولا يهتم بالخطب، ولا يصفق في المؤتمرات، الاقتصاد ينظر فقط إلى النتائج، إلى الأسعار، إلى فرص العمل، إلى الاستثمار، إلى حركة السوق، إلى دخل الناس، ولهذا فإن المواطن العادي لا يسأل عن عدد المؤتمرات التي عُقدت، بل عن عدد المشكلات التي حُلّت، ولا يسأل عن عدد الخطط، بل عن عدد النتائج.

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى، فبدلاً من أن يكون السؤال:
لماذا لم تنجح بعض المؤسسات؟
أصبح السؤال:
من الذي يمنع نجاحها؟
وبدلاً من أن يكون السؤال: لماذا لم تتحقق النتائج الموعودة؟
أصبح السؤال: من الذي يعرقل تحقيقها؟
وكأن مجرد تغيير صيغة السؤال كافٍ لحل المشكلة، لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.

فإذا كانت المؤسسة ناجحة فعلاً، فسيظهر المعرقلون.
وإذا كان الاقتصاد يتحسن فعلاً، فسيظهر المخربون.
وإذا كانت الإدارة تعمل بكفاءة فعلاً، فسيظهر من يحاول إيقافها.

أما إذا كانت المؤسسة لم تُبنَ بعد، والإدارة لم تستقر بعد، والاقتصاد لم يتعافَ بعد، فإن الحديث عن المعرقلين يتحول إلى نوع من القفز فوق الواقع.

ولهذا فإنني كلما سمعت حديثاً جديداً عن الذين يضعون العصي في عجلات نجاح السلطة، أجد نفسي مضطراً للعودة إلى السؤال الأول.
ليس: من يحمل العصا؟
بل: أين العجلة؟
لأن أكبر خطر يواجه أي سلطة ليس وجود خصوم لها، بل اقتناعها بأنها أنجزت ما لم تنجزه بعد.

وعندما تصل السلطة إلى مرحلة الدفاع عن إنجازات لم تتجسد على الأرض بصورة واضحة، فإنها تبدأ معركتها مع الوهم قبل أن تبدأ معركتها مع الخصوم، أما السوريون، فقد تعبوا من الأوهام القديمة كلها، وهم لا يريدون عجلات خيالية، ولا عصياً خيالية، ولا معارك خيالية.
هم يريدون مؤسسات تعمل، وعندما تعمل هذه المؤسسات حقاً، سنبحث جميعاً عن أصحاب العصي.

أما اليوم، فأخشى أن المتهمين بوضع العصا في العجلة ما يزالون يتجولون في البلاد منذ أشهر، حاملين عصيهم تحت إبطهم، باحثين عبثاً عن عجلة!



#حسين_أحمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حسين عيسو... الرجل الذي أصبحنا ظلالاً له
- عندما يهتز أكبر حزب معارض في تركيا: عزل أوزغور أوزيل بين الق ...
- الجندي كأداة في جرائم الحرب
- قسد بين أوجلان وأنقرة وتوم باراك: الطريق إلى الحرب معبَّد بس ...
- رحلة حزب العمال الكردستاني في متاهة الأيديولوجيا: من دولة كر ...
- الصراع الحراني - السرياني في رواية -الحراني-
- إسطنبول في عين العاصفة: أزمة حزب الشعب الجمهوري وتداعياتها ا ...
- بين الرسمي والتسريبات: قراءة في خطاب أوجلان ومآلات المسار ال ...
- ماهر تشايان: مسار من الفكر إلى العمل المسلح إلى إلهام أوجلان
- ​إبراهيم كايباكايا (إيبو): قائد ومنظر الماوية في تركيا
- توم باراك يضرب الأرض برجليه كطفلٍ فَقَدَ لعبته: صراع النفوذ ...
- خطاب أردوغان التاريخي: هل هو خطاب تاريخي أم دعاية للخطاب
- تبعات تدخل حزب العمال الكردستاني في الصراع السوري: خسائر جسي ...
- واقع عملية السلام في تركيا وآفاق الحل
- الحوار الكردي بعيون تركية: السياسة تقودها المصالح لا الأوهام
- قراءة في كتاب قبل حلول الظلام للمعتقل السابق معبد الحسون
- كتاب عملية ماموت
- قلم اللاجئ في مواجهة العنصرية
- محطات بارزة في راهن الكرد في سوريا
- مقتطفات من تاريخ الحركة الكردية في سورية


المزيد.....




- كارني وبراوبوو يناقشان تداعيات الحرب على الطاقة والتجارة الع ...
- من رماد الإبادة إلى قمة النمو.. كيف صاغت رواندا معجزتها الاق ...
- إياتا: تأجيل طلبيات الطائرات بسبب حرب إيران قرار مكلف لشركات ...
- انتحار بسبب الأقساط.. المخبر الاقتصادي يكشف فخ تطبيقات -الإق ...
- كيف تبني ثروة تتيح لك التقاعد قبل الموعد التقليدي؟
- روسيا تعلن عن إنتاج نموذج أولي للطيران من -سو-75-
- إغلاق هرمز يكشف حدود أوبك بلس في سوق النفط
- الحرب والتضخم يدفعان الإيرانيين نحو العقارات هرباً من تآكل ا ...
- أميركا تفرض عقوبات على شبكة لتهريب غاز البترول المسال الإيرا ...
- رؤساء شركات الطيران يجتمعون في ريو وسط صدمة الوقود


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حسين أحمد - من الذي يضع العصي في عجلات السلطة في سوريا؟