أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حسين أحمد - حسين عيسو... الرجل الذي أصبحنا ظلالاً له















المزيد.....

حسين عيسو... الرجل الذي أصبحنا ظلالاً له


حسين أحمد
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 14:49
المحور: سيرة ذاتية
    


ليست المأساة في أن يغيب الإنسان.

المأساة الحقيقية أن يمر الزمن، وتتغير البلاد، وتتبدل الأنظمة والخرائط والوجوه، ويبقى الغياب نفسه ثابتاً في مكانه، كأنه حدث بالأمس.

وحين أفكر في حسين عيسو اليوم، لا أراه مجرد معتقل اختفى في دهاليز السجون السورية، ولا مجرد اسم أضيف إلى قوائم المختفين قسراً التي امتلأت بها البلاد. أراه جزءاً من زمن كامل، ومن أجيال كاملة، ومن قصة أكبر بكثير من قصة فرد واحد.

لم يكن خطيباً جماهيرياً، ولم يكن صاحب طموح سلطوي، ولم يكن من هواة الظهور. كان أقرب إلى صورة المثقف القديم؛ رجل يقرأ كثيراً، ويفكر كثيراً، ويمنح الأفكار وقتها الطبيعي لكي تنضج.

في مجتمع اعتاد أن يقيس الأشخاص بارتفاع أصواتهم، كان حسين ينتمي إلى مدرسة أخرى، مدرسة الذين يتركون للأفكار أن تتحدث عنهم.

ولهذا ربما لم يعرفه السوريون جميعاً، لكنه ترك أثراً عميقاً لدى الذين عرفوه.

كان ابن الجزيرة السورية بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى.

ابن تلك الأرض التي لم تكن مجرد جغرافيا، بل خلطة بشرية نادرة؛ كرد وعرب وسريان وآشوريون وأرمن وشركس وغيرهم، عاشوا لعقود طويلة في مساحة واحدة، يتشاركون الأسواق والمواسم والأفراح والأحزان.

وفي تلك البيئة تشكل وعي حسين، وعمل من أجلهم.

فلم يكن يرى الهوية بوصفها سلاحاً، بل بوصفها حقيقة إنسانية ينبغي الاعتراف بها واحترامها.

كان كردياً، ولم يحاول يوماً إنكار ذلك أو التخفيف منه.

بل كان يرى أن القضية الكردية في سوريا قضية عادلة، وأن عقوداً طويلة من التهميش والحرمان والتمييز لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها.

كان يعرف جيداً مأساة الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، وما نتج عنه من تجريد عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية.

وكان يعرف آثار مشروع الحزام العربي، وسياسات الإنكار الثقافي واللغوي التي مورست لعقود.

وكان مقتنعاً بأن أي دولة حديثة لا يمكن أن تستقر ما لم تعترف بجميع مكوناتها على قدم المساواة.

لكن ما ميّزه عن كثيرين أنه لم يرَ العدالة القومية بديلاً عن العدالة الوطنية.

لم يكن يعتقد أن حل المشكلة الكردية يمكن أن يتم عبر الانعزال عن بقية السوريين.

ولم يكن يعتقد أن المظلومية الكردية تمنح أصحابها حق تجاهل مظالم الآخرين.

كان يرى أن العرب والكرد في سوريا ليسوا خصمين تاريخيين، بل شركاء في مصير واحد، وأن الاستبداد أضر بالجميع وإن بدرجات وأشكال مختلفة.

لهذا السبب كانت لغته السياسية مختلفة.

لم تكن لغة تعبئة قومية مغلقة، ولا لغة إنكار للهوية.

كانت محاولة دائمة للجمع بين الانتماء الكردي والانتماء السوري.

وربما لهذا السبب وجد احتراماً لدى كثير من المثقفين العرب والكرد معاً، ولهذا السبب أيضاً شعر النظام بخطورته.

كان من جيل عاش التحولات الكبرى في تاريخ المنطقة.

شهد الانقلابات العسكرية.

وشهد صعود الدولة الأمنية.

وشهد تراجع الحياة السياسية.

وشهد كيف تحولت سوريا تدريجياً من دولة مليئة بالحياة الحزبية والفكرية إلى دولة يخاف الناس فيها من السياسة كما يخافون من المرض.

وخلال تلك العقود الطويلة لم يتخلَّ عن اهتمامه بالشأن العام.

لم يكن محترف سياسة بالمعنى الحزبي الضيق، لكنه كان مواطناً يرفض أن يتحول إلى متفرج.

وكان يرى أن المثقف الذي ينعزل عن مجتمعه يفقد جزءاً أساسياً من وظيفته.

لذلك ظل قريباً من الناس.

قريباً من مشاكل المزارعين في الجزيرة.

قريباً من قضايا التنمية والإهمال الاقتصادي.

قريباً من هموم الشباب.

وقريباً من النقاشات التي كانت تدور في البيوت والمقاهي أكثر مما كانت تدور لدى الطبقات المنفصلة عن الواقع.

ولعل أهم ما ميّزه أنه لم يكن أسير الأيديولوجيا.

كانت لديه قناعات واضحة، لكنه لم يتحول إلى سجين لها.

كان قادراً على مراجعة أفكاره.

وقادراً على الاستماع لمن يختلف معه.

وقادراً على الاعتراف بأن الحقيقة أكبر من أي حزب أو تيار أو جماعة.

وهذه خصلة نادرة في بيئة سياسية اعتادت اليقين المطلق.

ثم جاءت الثورة السورية، وجاء معها ذلك الاختبار الذي كشف معادن الناس.

كان كثيرون يترددون.

وكثيرون يخافون.

وكثيرون ينتظرون ليروا إلى أين ستتجه الأمور.

أما حسين فقد تعامل مع الحدث باعتباره امتداداً طبيعياً لكل ما آمن به سابقاً.

فحين يطالب الناس بالحرية، لا يستطيع من قضى عمره يتحدث عن الحرية أن يقف محايداً.

وحين يطالب الناس بالكرامة، لا يستطيع من قضى عمره ينتقد الإذلال أن يصمت.

كان يرى الثورة لحظة مطالبة شعبية بالتغيير والحقوق والكرامة، لحظة كرس حياته من أجلها.

لكن المفارقة أن الرجل الذي اعتُقل في الأشهر الأولى للثورة لم يشهد كثيراً مما حدث بعدها.

لم يشهد عسكرة الصراع.

ولم يشهد صعود التنظيمات المتطرفة.

ولم يشهد التدخلات الإقليمية والدولية.

ولم يشهد الخراب الذي أصاب البلاد.

لقد اختفى في وقت مبكر جداً.

كأن الزمن توقف بالنسبة إليه عند لحظة معينة، بينما استمرت البلاد في الانهيار من حوله.

ومن أكثر الأمور إيلاماً أن كثيراً من الذين عرفوه كانوا يعتقدون أن أمثاله سيكون لهم دور مهم لو بقوا أحراراً.

فالثورات لا تحتاج فقط إلى الشجعان.

بل تحتاج أيضاً إلى العقلاء.

تحتاج إلى من يبنون الجسور حين يبدأ الآخرون ببناء المتاريس.

وتحتاج إلى من يذكرون الناس بالمشترك الوطني حين ترتفع أصوات الانقسام.

ولذلك يبدو غيابه اليوم أشبه بغياب جيل كامل من الوسطاء والعقلاء والمثقفين المدنيين الذين سُحقوا بين استبداد السلطة وتطرف الواقع اللاحق.

ومع مرور السنوات، لم تعد قضية حسين عيسو قضية شخصية تخص عائلته أو أصدقاءه فقط.

أصبحت رمزاً لمأساة أكبر.

مأساة آلاف السوريين الذين ابتلعتهم السجون ولم يخرجوا منها.

ومأساة آلاف العائلات التي استيقظت ذات صباح لتجد أن أحد أفرادها اختفى من الحياة دون أثر.

في التاريخ السوري الحديث أسماء كثيرة ارتبطت بالاعتقال.

لكن جيلاً كاملاً من السوريين سيبقى يتذكر أيضاً أسماء الذين لم يُعرف مصيرهم حتى اليوم.

لأن المفقود لا يتحول إلى ذكرى كاملة.

يبقى معلقاً بين الحضور والغياب.

بين الأمل واليأس.

بين الماضي والحاضر.

وحسين واحد من هؤلاء.

وحين أستعيد صورته الآن، بعد كل هذه السنوات، لا أفكر فقط في الرجل الذي غاب.

أفكر أيضاً في الرجل الذي كان يمكن أن يبقى.

في النقاشات التي كان يمكن أن يشارك فيها.

في الكتب التي كان يمكن أن يكتبها.

في المقالات التي كان يمكن أن ينشرها.

في النصائح التي كان يمكن أن يقدمها لنا.

وفي الدور الذي كان يمكن أن يؤديه في زمن أصبحت فيه الحكمة أكثر ندرة من أي وقت مضى.

لقد اعتادت السجون أن تصادر أعمار أصحابها.

لكنها لا تصادر فقط ما عاشوه.

بل تصادر أيضاً ما كان يمكن أن يعيشوه.

تصادر المستقبل كله.

وهذا ما يجعل خسارة أمثال حسين أكبر من مجرد خسارة فردية.

إنها خسارة ثقافية وأخلاقية ووطنية.

وربما لهذا السبب ما يزال اسمه حاضراً لدى من عرفوه.

ليس فقط لأنهم يطالبون بمعرفة مصيره.

بل لأنهم يشعرون أن جزءاً من ذاكرتهم الشخصية ما زال محتجزاً معه في مكان مجهول.

بعد كل هذه السنوات، لا أعرف إن كان حسين يسمع شيئاً مما يُكتب عنه.

ولا أعرف إن كان ما زال حياً في مكان ما.

ولا أعرف إن كانت هذه الكلمات ستصل إليه يوماً.

لكنني أعرف شيئاً واحداً.

أن الإنسان لا يُقاس بطول حياته فقط.

بل بالأثر الذي يتركه خلفه.

وحسين عيسو، رغم كل سنوات الغياب، ما زال يترك أثراً يتجاوز حضوره الجسدي.

ولهذا لا يبدو الحديث عنه حديثاً عن الماضي.

بل حديثاً عن قيمة إنسانية ما زالت تستحق الدفاع عنها.

قيمة الإنسان الذي تمسك بالكلمة حين كان الصمت أسهل.

وتمسك بالحوار حين كان التحريض أكثر ربحاً.

وتمسك بفكرة العدالة حين كانت العدالة نفسها حلماً بعيد المنال.

لهذا كله، سيبقى حسين عيسو أكثر من مجرد معتقل مفقود.

سيبقى شاهداً على زمن.

ورمزاً لجيل.

وذكراً طيباً في قلوب أصدقائه.

ورجلاً سبق غيابه الطويل، بما تركه من أثر، وبما زرعه من احترام، وبما مثّله من معنى.



#حسين_أحمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يهتز أكبر حزب معارض في تركيا: عزل أوزغور أوزيل بين الق ...
- الجندي كأداة في جرائم الحرب
- قسد بين أوجلان وأنقرة وتوم باراك: الطريق إلى الحرب معبَّد بس ...
- رحلة حزب العمال الكردستاني في متاهة الأيديولوجيا: من دولة كر ...
- الصراع الحراني - السرياني في رواية -الحراني-
- إسطنبول في عين العاصفة: أزمة حزب الشعب الجمهوري وتداعياتها ا ...
- بين الرسمي والتسريبات: قراءة في خطاب أوجلان ومآلات المسار ال ...
- ماهر تشايان: مسار من الفكر إلى العمل المسلح إلى إلهام أوجلان
- ​إبراهيم كايباكايا (إيبو): قائد ومنظر الماوية في تركيا
- توم باراك يضرب الأرض برجليه كطفلٍ فَقَدَ لعبته: صراع النفوذ ...
- خطاب أردوغان التاريخي: هل هو خطاب تاريخي أم دعاية للخطاب
- تبعات تدخل حزب العمال الكردستاني في الصراع السوري: خسائر جسي ...
- واقع عملية السلام في تركيا وآفاق الحل
- الحوار الكردي بعيون تركية: السياسة تقودها المصالح لا الأوهام
- قراءة في كتاب قبل حلول الظلام للمعتقل السابق معبد الحسون
- كتاب عملية ماموت
- قلم اللاجئ في مواجهة العنصرية
- محطات بارزة في راهن الكرد في سوريا
- مقتطفات من تاريخ الحركة الكردية في سورية
- مقتل قاسم سليماني سيغير معادلات كثيرة في المنطقة


المزيد.....




- خاتمة لا تُنسى للموسم الثاني من مسلسل -المدينة البعيدة-
- شاهد.. ترامب يُشبّه -بركة الانعكاس- في نصب لنكولن بناطحات ال ...
- -استسلام-.. الأمين العام لـ-حزب الله- يعلق على اتفاق لبنان و ...
- معارك إقليم النيل الأزرق بالسودان تدفع الآلاف نحو المجهول
- مظاهرات في ألبانيا ضد مشروع عقاري فخم على صلة بصهر ترامب
- ليبيا: عمالة غير مدربة في الأفران والمطاعم تهدد سلامة الغذاء ...
- اغتالت الحروب غاباتها.. أشجار صغيرة تبعث آمالا كبيرة في أفغا ...
- العصيان المدني.. خيار الحريديم أمام -خيانة- نتنياهو
- في أفغانستان والعراق.. لماذا تعجز الطائرات الأمريكية عن الطي ...
- بعد صراع مع المرض.. رحيل إمام الأقصى الشيخ وليد صيام


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حسين أحمد - حسين عيسو... الرجل الذي أصبحنا ظلالاً له