أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليات الأسطورة – قراءة سوسيو-سيكولوجية في رواية «بيادة قفز» للسيد حمزة















المزيد.....



بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليات الأسطورة – قراءة سوسيو-سيكولوجية في رواية «بيادة قفز» للسيد حمزة


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 09:54
المحور: الادب والفن
    




أولًا: المقدمة
تُعَدّ الرواية الحديثة من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على تمثيل الخبرة الإنسانية حين تتعرض للاهتزازات التاريخية والاجتماعية العنيفة، لأنها لا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل تعيد تشكيلها في صورة عالم فني يكشف ما تتركه الأحداث الكبرى من آثار في النفس، واللغة، والذاكرة، والعلاقات اليومية.
وينتمي الكاتب السيد حمزة إلى جيل الكُتاب الذين جمعوا بين الخبرة الميدانية والإبداع الأدبي فهو عضو اتحاد كتاب مصر، قاص وروائي غزير الإنتاج، له أعمال عديدة منها: «بدويات» و«قصور الثقافة» (مجموعات قصصية)، وروايات «التيهة»، و«هذيان جندي ميت» (التي فازت بجائزة منف للإبداع العربي)، بالإضافة إلى مجموعة من الروايات الموجهة للطفولة واليافعين..
ولانه خريج كلية التربية بجامعة حلوان، فقد عمل مدرسًا في سيناء لمدة سنتين، وهي تجربة تركت أثرًا واضحًا في وعيه بالهامش الصحراوي، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وبين العسكري والمدني، وبين الذاكرة الرسمية والذاكرة الشعبية.
تأتي رواية «بيادة قفز – خراريف»[1] كثمرة طبيعية لهذه التجربة المعيشية، حيث يستلهم الكاتب فضاء سيناء والبادية ليصوغ نصًا يقع في تخوم أدب الحرب وما بعد الحرب، بصورة غير تقليدية.
وإذا كانت الحروب تُقرأ في كتب التاريخ بوصفها معارك وحدودًا وتحولات سياسية، فإن الرواية تقرؤها من زاوية أخرى أكثر عمقًا: زاوية الإنسان العادي الذي تستمر الحرب في حياته حتى بعد انتهائها رسميًا.
ومن هذا المنظور ارتبطت السوسيولوجيا الأدبية منذ مراحل مبكرة بتحليل النصوص التي نشأت في سياقات الاضطراب الجماعي، مثل الحروب، والهزائم، والاحتلالات، والتحولات القسرية التي تصيب المجتمعات.
فالحرب لا تُنتج خرابًا ماديًا فحسب، بل تُعيد ترتيب البنى الاجتماعية، وتخلخل منظومات القيم، وتخلق صورًا جديدة من الخوف، والتهميش، والاقتصاد الموازي، واضطراب العلاقة بين المركز والأطراف.
ولهذا لم تعد رواية الحرب تعني فقط السرد المباشر للمعارك، بل اتسع المفهوم ليشمل النصوص التي ترصد الأثر البعيد للحرب في الوعي الجمعي والحياة اليومية.
وفي هذا السياق يمكن قراءة رواية “بيادة قفز – خراريف” للكاتب السيد حمزة، بوصفها نصًا يتحرك في تخوم أدب الحرب وما بعد الحرب، وإن جاء ذلك بصورة غير تقليدية.
فهي لا تنشغل بتفاصيل الجبهة أو وصف الاشتباكات، ولا تسعى إلى إنتاج خطاب بطولي مباشر، بل تلتفت إلى ما يبقى بعد انصراف الجيوش: بقايا الأدوات العسكرية، وامتداد الخوف، وتشوش الذاكرة، وتحول الحادثة التاريخية إلى حكاية شعبية، واستمرار السلطة في صور رمزية داخل المخيلة المحلية.
ويُزداد هذا البعد أهمية إذا وُضع النص في سياق التوترات الحدودية والاحتلالات التي شهدتها المناطق الصحراوية في الستينيات وما بعدها، حيث أصبحت هذه المناطق الطرفية مسرحًا لتحولات حادة مست العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وبين العسكري واليومي.
وقد خلّفت تلك المرحلة آثارًا نفسية واجتماعية تجاوزت زمن الحرب ذاته، لتدخل في نسيج الحكايات الشعبية، وصور الخوف، وذاكرة المكان.
ومن هنا يمكن النظر إلى الرواية بوصفها نصًا يلتقط صدى تلك المرحلة، لا بوصفه توثيقًا مباشرًا، بل بوصفه إعادة تخييل لأثرها الممتد.
ولا يقل المكان في هذه الرواية أهمية عن الحدث؛ إذ لا تُقدَّم الصحراء بوصفها خلفية محايدة، بل بوصفها نمطًا وجوديًا وثقافيًا خاصًا. فالمكان الصحراوي، بما ينطوي عليه من اتساع وعزلة، وقسوة وانكشاف، يخلق وعيًا مختلفًا بالعالم، ويؤثر في أنماط السلوك والإدراك.
كما أن البيئة البدوية، بما تتسم به من حضور الشفاهية، وقوة الروابط الجماعية، والاعتماد على الذاكرة المتناقلة، والحذر من المركز البعيد، تسهم في تشكيل منطق الرواية نفسه.
ففي المجتمعات الشفاهية، لا يُحفظ التاريخ دائمًا في الوثائق، بل في القصص والروايات الشعبية. ولا تُفسَّر الظواهر الغامضة دائمًا بالعلم المجرد، بل بالحكاية والرمز والخراريف.
ومن ثمّ فإن حضور الخراريف في العنوان لا يبدو تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل يعكس بنية ثقافية كاملة، ترى العالم من خلال السرد الشعبي، وتحوّل الخبرة المربكة إلى قصة قابلة للتداول.
وفي مقابل ذلك تحضر البيادة، بوصفها رمزًا مضادًا: أداة تنتمي إلى العالم العسكري النظامي، عالم الانضباط، والقوة، والاقتحام، والأثر الخشن للسلطة.
ومن ثم يقوم العنوان ذاته على توتر دلالي بين عالمين:
· عالم المؤسسة والقوة المادية
· وعالم الجماعة والحكي الشفاهي
وهذا التوتر ينسحب على الرواية كلها، حيث تتجاور الدولة والهامش، والخوف الشعبي والسلطة الرسمية، والذاكرة المحلية والأثر العسكري.
الفرضية النقدية المركزية التي تقوم عليها الدراسة[2] مؤداها أن
الرواية تُصوّر كيف تتحول آثار الحرب والسلطة والعزلة المكانية إلى بنى نفسية ورمزية داخل الوعي الجمعي، بحيث تسعى الشخصيات والجماعة إلى التكيف مع واقعها عبر أشكال متعددة من التعويض: الحكاية الشعبية، والخوف المؤسطَر، والرغبة المكبوتة، وآليات الهروب المختلفة.
وبذلك لا تظهر الحرب في النص بوصفها حدثًا منتهيًا، بل بوصفها حضورًا مستمرًا داخل الأشياء والنفوس واللغة.
وتعتمد هذه الدراسة منهجًا تحليليًا–تأويليًا متعدد المداخل، يستند إلى مركزية النص، وينفتح على ستة مستويات مترابطة:
أولًا: المدخل البنيوي السردي
ويُعنى بتحليل بناء الرواية من حيث الراوي، وتوزيع الأصوات، والزمن الروائي، وإيقاع السرد، وبنية المكان، وحركة الشخصيات، وأنماط التوتر الحكائي.
ثانيًا: المدخل الدلالي
ويهدف إلى الكشف عن العقدة المركزية للنص، وتحليل شبكة الرموز، وفي مقدمتها البيادة، والجد، والصحراء، والحيوان، والخراريف، بوصفها وحدات منتجة للمعنى.
ثالثًا: المدخل السوسيولوجي–الجمالي
ويتناول الرواية بوصفها بناءً فنيًا يتفاعل مع سياقه الاجتماعي، من خلال تحليل تمثيل الهامش، والعلاقة بين المركز والأطراف، وأثر الحرب، وتحول البنى الاجتماعية إلى صيغ جمالية داخل النص.
رابعًا: المدخل النفسي
ويُعنى بدراسة الخوف، والصدمة، واللاوعي الجمعي، وآليات الدفاع، والحرمان، وكيفية تشكل الذات داخل بيئة معزولة ومتوترة.
خامسًا: قراءة تفكيكية
انزياح المعنى بين البيادة والخراريف
سادسًا: مدخل المناطق الحساسة في الخطاب السردي
ويُستدعى لتحليل حضور عناصر مثل الجنس والمخدرات، بوصفها علامات على الكبت، وأشكالًا للتعويض والهروب، لا بوصفها موضوعات صادمة منفصلة عن بنية النص.
ومن خلال هذا التكامل بين المداخل الستة، تسعى الدراسة إلى الكشف عن أن “بيادة قفز – خراريف” ليست مجرد رواية عن فضاء صحراوي أو حادثة تاريخية بعينها، بل نصٌّ يتأمل الإنسان حين يعيش طويلًا تحت ظل أثر الحرب، وحين يحاول أن يصنع من الخوف حكاية، ومن الحكاية وسيلة للبقاء.
تحليل العتبات النصية
1. العنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًا
لا يأتي عنوان الرواية على نحو بريء أو محايد، بل يتشكل من تركيب صادم نسبيًا: “بيادة قفز – خراريف”.
فـ البيادة ليست حذاءً عاديًا، بل جزء من الجسد العسكري. إنها ما يلامس الأرض، وما يترك الأثر، وما يقتحم المكان. وهي تحيل إلى الحركة، والسيطرة، والخشونة، والسلطة المادية.
أما خراريف فهي لفظة شعبية، ذات نبرة شفاهية، تبدو أقرب إلى التداول البدوي أو الريفي من اللغة الفصيحة المعيارية. وتحيل إلى الحكايات التي يتناقلها الناس، وقد تختلط فيها الوقائع بالخوف، والأسطورة بالتجربة اليومية.
ومن ثم فإن العنوان يقوم على جمع عالمين متباعدين:
· العالم الصلب المادي (البيادة)
· العالم السائل الحكائي (الخراريف)
وهذا الجمع لا يصف موضوع الرواية فقط، بل يعلن بنيتها الداخلية: أثرٌ عنيف يتحول إلى حكاية، وحكاية تُعيد إنتاج أثره.
2. الغلاف (الصورة المرفقة)
يقدّم الغلاف شيخًا بدويًا في مركز الصورة، وخلفه فضاء صحراوي مفتوح. يغيب العنصر العسكري بصريًا، رغم حضوره في العنوان.
هذا الغياب ذو دلالة؛ إذ يشير إلى أن العنف قد لا يظهر دومًا في صورته المباشرة، لكنه يستمر في الذاكرة والوجوه واللغة.
والشيخ هنا يمكن قراءته بوصفه:
· شاهدًا على زمن سابق
· حاملًا لذاكرة الجماعة
· وسيطًا بين الماضي والحاضر
· صانعًا للخراريف ذاتها
وبذلك يتكامل الغلاف مع العنوان: ما يغيب بصريًا يحضر رمزيًا.
ثانيًا: التحليل السردي
1. الراوي وتعدد مستويات الوعي
تعتمد الرواية في مواضع كثيرة على راوٍ مشارك يروي من داخل التجربة، كما في قوله:
“جلست... كان عطية جالسًا وحده في المقعد"... "صبّ لي الشاي من الأبريق الممتلئ دائمًا”[3]
هذا القرب من الحدث يمنح السرد حرارة معيشة، ويجعل القارئ شريكًا في العالم الروائي لا مجرد متلقٍ خارجي.
لكن الرواية لا تكتفي بصوت واحد؛ إذ يتسلل إليها صوت الجد، وصوت الجماعة، وأصوات الجنود، فتتشكل طبقات من الإدراك:
· إدراك حديث/وظيفي
· إدراك شعبي/شفاهي
· إدراك خائف/مرتبك
وهذا التعدد لا يصل إلى الفوضى، بل ينتج اهتزازًا معرفيًا مقصودًا، حيث لا يعود الواقع ثابتًا، بل موضوعًا لتفسيرات متنافسة.
2. الزمن الروائي
الزمن في الرواية ليس خطًا مستقيمًا يبدأ وينتهي، بل شبكة من الأزمنة:
· حاضر يومي رتيب
· ماضٍ يعود عبر الحكي
· زمن نفسي يتضخم فيه الخوف
يقول النص: “ أوقد الآباء النار في الرّكي البردانة، برماد الليل الصاقع، انتشرت دموعها دخانا غسل وجه الصبح”[4]
فالليل هنا ليس وقتًا فلكيًا، بل كتلة نفسية ضاغطة.
والزمن يُقاس بوطأة الإحساس، لا بعقارب الساعة.
3. المكان بوصفه قوة فاعلة
منذ الافتتاحية نقرأ: “ من نومها قامت الشمس، صّحت الجبل حتى تمر إلى الدنيا، لم يقم من مرقده كسلان، هزّت سرير سفحه من تحته بالضياء، لم يصح”[5]
إن تشخيص الطبيعة يمنح المكان طاقة درامية. الصحراء ليست فراغًا، بل كائنًا يتنفس ويهدد ويراقب.
وتنقسم الأمكنة إلى:
أ. الاستراحة العسكرية
مكان شبه مغلق، يمثل الدولة في أقصى حدودها، لكنه يبدو هشًا ومعزولًا.
ب. المقعد البدوي
مكان مفتوح للحكي والضيافة وتبادل الرموز.
ج. الفضاء الصحراوي
مكان شاسع ظاهريًا، خانق نفسيًا، لأن الاتساع حين يقترن بالعزلة يصبح مصدر تهديد.
4. الإيقاع السردي
يتسم الإيقاع بالتراوح بين البطء والتوتر. ففي المقاطع اليومية نقرأ:
“ تناولنا العشاء ، وشربنا الشاى، تبوّل صالح وس ّخن الماء، وخرج.. استحم بجوار الصخرة، امتطينا أسرّتنا، وشددنا البطاطين، تناومنا “[6]
هذا البطء لا يمثل ضعفًا، بل استراتيجية فنية لتوليد الملل الوجودي والانتظار، قبل لحظات الانفجار أو الخوف.
ثالثًا: المدخل الدلالي
1. البيادة: من الشيء إلى الرمز
تصل البيادة إلى ذروة حضورها الرمزي في المشهد التالي:
“ الرقد بمحازة فردة بيادة القفز األمريكية جيدة الصنعة بجوار باب الكوخ... واقفة تهز رقبتها، ترمق بعيونها الكثيرة الداخل الى الجد، والطالع من عنده، ترد تحيتهم جميعا !!!!! وتبتسيم”[7] .
اللغة هنا تمنح الجماد صفات الكائن المتفاخر، وكأنها سلطة لم تمت.
فالبيادة تتحول من أداة عسكرية
· إلى أثر مادي
· إلى موضوع جماعي
· إلى مركز أسطوري
ثم تصبح محل نزاع:
“ ان الرجال يتباطحون، ليثبت كل منهم صحة رأيه , الفرقةالألولى رأت دفن البيادة مع الجد , الذى لم يترك وصيّة صارمة بخصوصها , والفرقة الثانية , كان رأيها أن توضع البيادة , بجوار كوخ أصغر حفيد له “[8]
وهنا يتضح أن الجماعة لم تعد تتعامل مع البيادة كغرض، بل كقيمة رمزية.
2. الضبعة: الخوف المتجسد
تحضر الضبعة بوصفها خطرًا مضخمًا: “والله بالسماع تخافوا منها “[9]
إنها ليست حيوانًا فحسب، بل صورة لكل ما لا يُفهم ويُخشى.
3. الجد: جهاز الذاكرة
كان الجد يلتف حوله الصغار، يحكي لهم عن أيام الاحتلال... وفردة البيادة... والأفعى والعقرب
“خرفنا عن الضبعة يا جد”[10]
الجد هنا لا يحكي فقط، بل يصوغ ذاكرة الجماعة، وينقل الخوف في صورة قصة قابلة للتكرار.
رابعًا: المدخل السوسيولوجي–الجمالي
1. الهامش بوصفه مركزًا
تكشف الرواية هشاشة البنية المؤسسية:
“كان الصفان الأول والثاني يجلسان في الفصل الوحيد بالمدرسة، والثلاثة الباقون يجلسون بالخارج تحت مظلة”[11]
هذه الصورة لا تصف مدرسة فحسب، بل تصف علاقة الدولة بالمكان: حضور ناقص، ومؤسسات مبتورة.
2. السلطة المرتبكة
“جاءت سيارات الشرطة محمّلة بالبانجو إلى القرية... والجنود معهم الولد سلمى”[12]
السلطة هنا ليست نظامًا عقلانيًا مستقرًا، بل جهاز مداهمة وعقاب، يعمل بمنطق الاقتحام.
3. الطقوس اليومية
“حا ياجي.. يتك إهنه.. س وّوا لنا شاي”[13]
الشاي والقهوة ليسا تفصيلًا ثانويًا، بل شكلًا من أشكال ترميم الجماعة، واستعادة الإحساس بالتواصل.
4. العلاقة بين العسكر والبدو
لا تقوم العلاقة على صدام مباشر، بل على مسافة حذرة. كل طرف يراقب الآخر، ويحاول فهمه من خلال قوالبه الخاصة. وفي هذا الالتباس تنشأ الكوميديا أحيانًا، والخوف أحيانًا أخرى.
خامسًا: قراءة تفكيكية - انزياح المعنى بين البيادة والخراريف
إذا كانت القراءة السابقة قد سعت إلى تثبيت دلالة البيادة بوصفها رمزًا للسلطة، فإن مقاربة تفكيكية (في أفق Jacques Derrida ) تدفعنا إلى زحزحة هذا التثبيت.
فالبيادة في النص لا تستقر على معنى واحد، بل تنزلق بين دلالات متعارضة:
· أثر قوة
· موضوع سخرية ضمنية
· عنصر شبه أسطوري
· شيء يومي عادي
وكذلك الحال في الخراريف، التي لا يمكن حسمها بين:
· كونها جهلًا
· أو معرفة بديلة
· أو آلية دفاع
· أو خطابًا جماليًا
ومن ثمّ فإن العلاقة بين البيادة والخراريف ليست علاقة تضاد ثابت (واقع/وهم)، بل علاقة تبادلية؛ إذ تتحول البيادة نفسها إلى خرافة، بينما تكتسب الخراريف وظيفة تفسيرية للواقع.
وبهذا المعنى، يفكك النص ذاته ثنائية (الحقيقة / الوهم) ليُظهر أن كليهما يُنتج الآخر.
سادسًا: المدخل النفسي
1. الخوف كبنية مستقرة
الخوف في الرواية لا يظهر بوصفه انفعالًا طارئًا، بل كحالة إقامة دائمة. الليل، الصحراء، الأصوات، الحكايات، كلها تصب في تشكيل نفس قلقة.
2. الخرافة كآلية دفاع
حين يقول الجد: “ ياولدى أنت صرت منّا، وقلت لك إحرق ثوبك عندنا.. تصير منا.. ونصير منك.. لكنك فلاح أصيل ما تود تصير .بدوى “[14]
فإن الجماعة تُدخل الفرد في نظامها الرمزي عبر طقس لا عبر منطق. وهذه سمة من سمات الدفاع الجمعي ضد المجهول.
3. الصدمة المؤجلة
إن استدعاء البيادة مرارًا يدل على أن الماضي لم يمرّ، بل ظل عالقًا في الذاكرة.
الصدمة هنا لا تظهر في خطاب مباشر، بل في تكرار الرمز.
4. اللاوعي الجمعي
الحكايات المتداولة عن الحيوانات، والموت، والاحتلال، ليست قصصًا للتسلية، بل خزّانًا نفسيًا مشتركًا، تُخزَّن فيه المخاوف والرغبات غير المعترف بها.
5. من اللاوعي الجمعي إلى البنية اللاكانية للرغبة
وإذا كان تحليل اللاوعي الجمعي يفسّر حضور الخرافة بوصفها مخزونًا رمزيًا مشتركًا، فإن تعميق القراءة يستدعي الاستفادة من التصور الفرويدي–اللاكاني للاوعي، بوصفه بنية لغوية ورمزية تتجلى في الانزياحات والتكرار والبدائل.
فوفق تصور Sigmund Freud، لا تظهر الرغبات المكبوتة في صورتها المباشرة، بل عبر الإزاحة والتكثيف، أي انتقال المعنى من موضوعه الحقيقي إلى موضوع بديل. ومن هذا المنظور يمكن قراءة البيادة لا بوصفها مجرد أثر عسكري، بل بوصفها موضوعًا بديلاً (Substitute Object) تختزن فيه الجماعة توترها تجاه السلطة والعنف. فبدل مواجهة الأصل (العسكر/الحرب)، يتم تحويل التوتر إلى الشيء (البيادة).
أما في ضوء تصور Jacques Lacan، فإن الرغبة لا تتجه إلى موضوع مكتمل، بل إلى موضوع ناقص دائمًا (objet petit a)، أي موضوع يستحيل امتلاكه تمامًا. وهنا يمكن فهم إصرار الجماعة على الاحتفاظ بالبيادة أو التنازع حولها:
“الفرقة الأولى رأت دفن البيادة مع الجد... والفرقة الثانية رأت أن توضع بجوار كوخ أصغر حفيد له” [15]
فالبيادة لا تُحسم دلالتها، لأنها تمثل موضوع رغبة مؤجلًا هي أثر سلطة وهي أيضًا موضوع افتتان
وهي كذلك مصدر خوف وبذلك تتحول إلى مركز رغبة جماعية لا يمكن إشباعها أو التخلص منها.
كما يمكن قراءة الخراريف نفسها بوصفها، في التحليل اللاكاني، خطابًا رمزيًا يغطي نقصًا في الواقع؛ فالحكاية لا تفسر العالم، بل تسد فجوة في فهمه.
ومن ثمّ، فإن النص لا يعكس فقط خوفًا جمعيًا، بل يكشف عن بنية رغبة مضطربة، تتشكل عبر:
· الإزاحة (البيادة بدل السلطة)
· التكثيف (تعدد المعاني في رمز واحد)
· التعويض الرمزي (الحكاية بدل المعرفة)
سابعًا: “المناطق الحساسة في الخطاب السردي (الجنس والمخدرات)”
يُقصد بالمناطق الحساسة في الخطاب السردي تلك المساحات التي تتصل بما اعتادت الثقافة الاجتماعية أن تُحيطه بالصمت أو التحفّظ، مثل الجسد، والرغبة، والمخدرات، والعنف، والسلطة الخفية.
ولا تُستدعى هذه العناصر في الرواية الجادة من أجل الإثارة العابرة، بل لأنها تكشف (في الغالب) ما يعجز الخطاب الرسمي أو اليومي عن قوله مباشرة.
فكل مجتمع يُخفي بعض أزماته خلف جدار الأخلاق أو الخوف، بينما يأتي الأدب ليكشف ما وراء الجدار.
ومن هذا المنطلق، فإن حضور الجنس والمخدرات في رواية “بيادة قفز – خراريف” لا يبدو حضورًا منفصلًا عن العالم الروائي، بل جزءًا من بنيته النفسية والاجتماعية.
فالنص يتحرك في فضاء صحراوي هامشي، تسوده العزلة، والخشونة، والتفاوت بين السلطة والجماعة، وتثقل ذاكرته آثار العسكر والخوف.
وفي مثل هذا العالم، تظهر الرغبات الأساسية للإنسان غالبًا في صور ناقصة أو مشوشة، كما تظهر وسائل الهروب في صيغ بديلة أو مدمرة.
ومن ثم فإن قراءة هذه المناطق الحساسة تُسهم في تعميق فهمنا للرواية، لأنها تكشف أن الخوف لا ينتج الصمت وحده، بل ينتج كذلك أشكالًا من التعويض والانفلات.
الجنس بوصفه خطابًا عن الحرمان
1. الجسد الغائب والحضور التعويضي للرغبة
لا تقدّم الرواية علاقة إنسانية مستقرة بين الرجل والمرأة بوصفها جزءًا طبيعيًا من العالم السردي، بل يبدو الحضور النسائي محدودًا أو هامشيًا، بينما تظل الرغبة نفسها حاضرة في صورة تلميحات، أو نظرات، أو أحاديث جانبية، أو خيالات عابرة.
وهذه المفارقة مهمة؛ إذ كلما غاب الجسد الواقعي، تضخم الجسد المتخيَّل.
وتشير بعض المقاطع إلى هذا التوتر حين يُستدعى الحديث عن النساء في سياق أقرب إلى التمنّي أو الافتقاد أو المزاح الذكوري الخشن، لا في سياق علاقة متوازنة.
ومن ذلك ما يرد في بعض الحوارات التي تستبطن رغبة مكبوتة تتخفى خلف السخرية أو الفجاجة اللغوية. فالرغبة هنا لا تتكلم بلغة الحميمية، بل بلغة النقص.
وهذا يعني أن الجنس في الرواية لا يظهر بوصفه طاقة حياة، بل بوصفه أثرًا من آثار الحرمان الاجتماعي والعزلة المكانية.
2. البيئة الذكورية المغلقة وإنتاج الرغبة المرتبكة
يتحرك النص في فضاء يغلب عليه الحضور الذكوري: رجال، جنود، شيوخ، سائقون، مجالس، حكايات ليلية. أما المرأة فتظهر بوصفها موضوعًا للحديث أكثر من كونها ذاتًا فاعلة داخل العالم السردي.
وهذه السمة كثيرًا ما تنتج نمطًا من الرغبة المرتبكة، لأن المرأة تُستدعى بوصفها صورة لا بوصفها شريكًا إنسانيًا.
ومن ثم فإن أي إشارة جنسية في النص ينبغي فهمها داخل هذا السياق: سياق الجماعة الذكورية التي تتحدث عن الجسد أكثر مما تعيش العلاقة.
وتبدو هذه السمة متسقة مع طبيعة البيئات الطرفية التي تفرض الفصل الاجتماعي، وتجعل الرغبة شأنًا مسكوتًا عنه في الواقع، متداولًا في الخفاء أو التلميح.
3. الجسد بين الرغبة والخوف
تتخذ الرغبة في بعض المواضع صورة مرتبكة، إذ تختلط بالسخرية أو الخشونة أو التوتر.
وهذه سمة نفسية معروفة في البيئات القمعية: حين لا تجد الرغبة مسارًا طبيعيًا، قد تعود في صورة عدوان لفظي، أو مزاح فظ، أو افتتان مشوب بالخجل.
وهكذا يصبح الجسد في الرواية ساحة صراع بين:
· الحاجة الطبيعية
· الرقابة الاجتماعية
· الشعور بالذنب
· الخوف من الفضيحة
· الحرمان الممتد
ومن ثم لا يقدّم النص الجسد بوصفه نعمة مستقرة، بل بوصفه موضع أزمة.
المخدرات بوصفها اقتصادًا للهامش
1. حضور البانجو ودلالته الاجتماعية
من أكثر الإشارات المباشرة في هذا الباب ما يرد في النص من ذكر البانجو في سياق مرتبط بحركة الشرطة والملاحقة، حيث يرد: “جاءت سيارات الشرطة محمّلة بالبانجو...” [16]
وبصرف النظر عن السياق الحكائي الدقيق للجملة، فإن ورود المخدرات هنا ليس عرضًا لغويًا عابرًا، بل يفتح بابًا دلاليًا مهمًا؛ إذ يكشف وجود اقتصاد سفلي أو موازي داخل هذا العالم.
فالمناطق الطرفية التي تعاني ضعف التنمية والرقابة المتوازنة، كثيرًا ما تنشأ فيها أنشطة غير رسمية: تهريب، تجارة ظل، مواد محظورة، أو شبكات انتفاع مرتبطة بالفراغ المؤسسي.
ومن هنا يصبح البانجو علامة على اختلال اجتماعي، لا مجرد سلعة محرمة.
2. المخدر كوسيلة للهروب من الواقع
في البيئات المثقلة بالخوف والفقر والفراغ، يتحول الوعي أحيانًا إلى عبء.
فحين تتراكم الضغوط ولا تتوفر قنوات سليمة للتنفيس أو العدالة أو الترفيه، يبحث الإنسان عن وسيلة لتخفيف الألم، ولو مؤقتًا.
وفي هذا السياق يمكن قراءة المخدرات في الرواية بوصفها:
· تخديرًا للقلق
· تعطيلًا للأسئلة الثقيلة
· نسيانًا مؤقتًا للهامشية
· بديلًا زائفًا عن الطمأنينة
أي أن المخدر يؤدي هنا وظيفة نفسية، لا اقتصادية فقط.
3. المفارقة بين الشرطة والمخدرات
ورود الشرطة في السياق نفسه يخلق مفارقة لافتة؛ فالمؤسسة المفترض أن تضبط المجال العام ترتبط سرديًا بالمادة المحظورة.
وهذه المفارقة قد تُقرأ على أكثر من مستوى:
· التباس العلاقة بين السلطة والظاهرة
· حضور الدولة بوصفها قوة اقتحام لا إصلاح
· إدارة الأزمة بدل حلها
· انتشار الفساد أو العجز
والرواية لا تحتاج إلى التصريح بكل ذلك؛ إذ يكفي أن تضع العنصرين في مشهد واحد كي يبدأ المعنى في التشكل.
العلاقة بين الجنس والمخدرات
قد يبدو العنصران منفصلين، لكنهما في العمق ينتميان إلى بنية واحدة: بنية التعويض.
فالجنس (في صورته المضطربة داخل النص) محاولة لتعويض الحرمان الجسدي والعاطفي.
والمخدرات محاولة لتعويض الحرمان النفسي والوجودي.
في الحالتين، تبحث الذات عن مخرج سريع من ضيق الحياة:
· عبر اللذة
· أو عبر الغياب المؤقت عن الوعي
لكن المخرجين معًا لا يقدمان خلاصًا حقيقيًا، بل استراحة قصيرة تترك الأزمة قائمة.
التابوهات وصلتها بالخرافة
من أعمق ما يمكن ملاحظته أن الرواية لا تطرح الخرافة والجنس والمخدرات كعناصر متجاورة فقط، بل كوسائل متوازية للتعامل مع عالم مضطرب:
الخرافة تمنح:
· تفسيرًا للمجهول
· معنى للخوف
· نظامًا رمزيًا للعالم
الجنس يمنح:
· وهم الامتلاء
· تعويض الحرمان
· لحظة نسيان للجفاف العاطفي
المخدر يمنح:
· تسكينًا مؤقتًا
· إرجاءً للألم
· غيابًا عن القلق
وهكذا تكشف الرواية أن الإنسان المحاصر لا يبحث عن النجاة في صورة واحدة، بل يبتكر منافذ متعددة للبقاء.
القيمة الفنية لهذا التناول
يُحسب للرواية أنها لا تتعامل مع هذه العناصر بوصفها زينة صادمة أو استعراضًا واقعيًا فجًّا، بل توظفها داخل شبكة المعنى الكبرى. فلا نجد مشاهد جنسية مجانية، ولا خطابًا دعائيًا عن المخدرات، بل إشارات محسوبة تفتح أفق التأويل.
وهذا دليل على وعي فني؛ لأن الكاتب يستخدم المنطقة الحساسة بوصفها أداة كشف، لا وسيلة ضجيج.
صلة هذا الفصل بالفرضية المركزية
تؤكد هذه القراءة التطبيقية أن الرواية تُصوّر مجتمعًا يعيش تحت أثر العنف والحرمان، ولذلك يطوّر أنظمة تعويض متعددة:
· الحكاية الشعبية لمقاومة الخوف
· الرغبة لمقاومة النقص
· المخدر لمقاومة الألم
· السخرية لمقاومة القهر
ومن ثم فإن الجنس والمخدرات ليسا تفصيلين جانبيين، بل حلقات في منطق النص نفسه.
ثامنا: التكامل بين المستويات
لا تعمل المداخل الستة في هذه الدراسة بوصفها وحدات منفصلة، بل بوصفها مستويات متداخلة يُضيء بعضها بعضًا. فالتحليل البنيوي السردي يكشف كيف شُيّد العالم الروائي تقنيًا، من حيث الأصوات والزمن والمكان والإيقاع. ثم يأتي المدخل الدلالي ليُبرز ما يتخفى داخل هذه البنية من رموز مركزية، وفي مقدمتها البيادة والجد والصحراء والخراريف.
بعد ذلك يوسّع المدخل السوسيولوجي–الجمالي أفق القراءة، فيربط هذه الرموز ببنية الهامش الاجتماعي، وبآثار الحرب والسلطة وتفاوت المركز والأطراف. ويعمّق المدخل النفسي هذا المسار، حين يقرأ الخوف والهلاوس والرغبات المكبوتة والصدمة بوصفها نتائج داخلية لما فرضه الواقع الخارجي.
أما مدخل المناطق الحساسة، فيكشف أن حضور الجنس والمخدرات لا يأتي معزولًا، بل بوصفه جزءًا من اقتصاد التعويض والهروب داخل عالم مأزوم، حيث تبحث الذات عن منافذ للجسد أو الوعي حين تضيق شروط الحياة.
وهكذا تتكامل المستويات الخمسة في معادلة واحدة:
· البنية السردية تصوغ العالم.
· الدلالة تمنحه عمقه الرمزي.
· الاجتماع والحرب يمدّانه بشروطه التاريخية.
· النفس تكشف أثره الداخلي.
· التابوهات تُظهر آليات التعويض والانفلات.
ومن ثمّ لا تُقرأ الرواية من زاوية واحدة، بل بوصفها نسيجًا مركبًا تتفاعل فيه الحرب والذاكرة، والسلطة والهامش، والخوف والرغبة، والواقع والحكاية الشعبية.
الخاتمة النقدية
تنتهي هذه الدراسة إلى أن رواية “بيادة قفز – خراريف” للكاتب السيد حمزة تتجاوز حدود الحكاية المحلية أو التسجيل البيئي المباشر، لتقدّم بناءً سرديًا كثيفًا يشتغل على العلاقة المعقدة بين الحرب والذاكرة، والسلطة والهامش، والخوف والرغبة، والواقع الشعبي وآليات التخييل الجمعي.
ومن ثمّ فإن قيمة الرواية لا تكمن في موضوعها الظاهر فحسب، بل في قدرتها على تحويل عناصر تبدو متفرقة أو بسيطة إلى شبكة رمزية ونفسية واجتماعية متماسكة.
لقد كشفت القراءة البنيوية أن النص لا يعتمد على حبكة تقليدية قائمة على التعاقب الحدثي الصارم، بل ينهض على بنية تراكمية تتقدم عبر المشاهد، والحوارات، واستدعاء الذاكرة، وتكرار العناصر الدالة، بحيث يتشكل المعنى تدريجيًا لا دفعة واحدة.
وهذا النمط البنائي يتلاءم مع طبيعة العالم الذي تصوره الرواية: عالم يبدو ساكنًا في ظاهره، لكنه يموج من الداخل بالقلق والتوتر والرواسب التاريخية. كما برز المكان (ولا سيما الفضاء الصحراوي) بوصفه عنصرًا فاعلًا لا خلفية محايدة، إذ يتحول إلى شريك في إنتاج العزلة والخوف والانكشاف الوجودي.
أما على المستوى الدلالي، فقد تبيّن أن البيادة تمثل العقدة الرمزية المركزية في النص. فهي ليست مجرد بقايا أداة عسكرية، بل أثر متبقي من زمن القوة والاقتحام والهيمنة، استمر حضوره بعد غياب أصحابه.
ومن خلال هذا الأثر المادي الصغير، ينجح النص في تمثيل كيفية تحوّل التاريخ إلى شيء، ثم تحوّل الشيء إلى ذاكرة، ثم تحوّل الذاكرة إلى حكاية متداولة.
وفي المقابل، تنهض الخراريف بوصفها استجابة الجماعة لهذا الأثر؛ أي بوصفها محاولة شعبية لإعادة تفسير ما لا يُفهم، أو ترويض ما ظلّ مخيفًا داخل الوعي الجمعي.
ومن زاوية سوسيولوجية–جمالية، أظهرت الرواية حساسية واضحة تجاه بنية الهامش الاجتماعي، حيث المؤسسات ضعيفة أو مبتورة، والحضور الرسمي للدولة يظهر غالبًا في صورته الأمنية أو العقابية أكثر من ظهوره التنموي أو الرعائي. وفي هذا الإطار لا تبدو الصحراء مجرد فضاء جغرافي بعيد، بل فضاءً اجتماعيًا تتجلى فيه الفجوة بين المركز والأطراف، وبين السلطة والمجتمع المحلي، وبين المعرفة الرسمية وأنماط الفهم الشعبي.
وقد نجح النص في تحويل هذه المعطيات الاجتماعية إلى تشكيل جمالي، دون الوقوع في المباشرة التقريرية أو الخطاب السياسي المسطح.
ومن أهم ما أفضت إليه الدراسة إمكان قراءة الرواية ضمن أفق أدب الحرب وما بعد الحرب، وإن على نحو غير تقليدي.
فهي لا تنشغل بسرد المعارك أو تمجيد البطولة أو توصيف الجبهة، بل تنصرف إلى ما تتركه الحرب بعد انقضائها: بقايا الأدوات، وامتداد الخوف، واضطراب العلاقة بالسلطة، واستمرار الماضي في النفوس والأشياء.
وبهذا المعنى فإن الرواية تمثل نموذجًا لأدب الأثر البعيد للحرب، أو أدب الارتداد النفسي والاجتماعي للعنف التاريخي، وهو مسار مهم في السرد العربي لم يحظ دائمًا بما يستحقه من عناية نقدية.
وعلى المستوى النفسي، كشفت الرواية عن عالم تسوده مشاعر القلق والترقب والانكشاف. فالخوف لا يظهر فيها بوصفه استجابة عابرة لخطر محدد، بل بوصفه مناخًا دائمًا يتخلل الليل، والحكايات، والأصوات، والأمكنة، والعلاقات الإنسانية.
كما تتجلى الصدمة في صورة غير مباشرة، عبر تكرار الرموز، واستدعاء الماضي، وتضخم المخاوف الصغيرة، واختلاط الواقعي بالمتخيل. ومن ثمّ فإن النص يصور كيف تعيش الجماعة تحت تأثير عنف مضى زمنه الواقعي، لكنه لم يمضِ من الوجدان.
وقد أضاف مدخل المناطق الحساسة في الخطاب السردي بعدًا آخر للقراءة، إذ تبيّن أن حضور الجنس والمخدرات لا يأتي في الرواية بوصفه مادة للإثارة أو التزيين الواقعي، بل بوصفه جزءًا من آليات التعويض التي تنتجها البيئات المأزومة. فالرغبة الجنسية تظهر في سياقات الحرمان والعزلة والكبت، بينما تظهر المخدرات بوصفها شكلًا من أشكال تخدير الواقع والهروب من وطأة القلق والفراغ. وبهذا يصبح الجسد والوعي مجالين للبحث عن منافذ حين تضيق شروط الحياة الطبيعية.
ومن خلال جمع هذه النتائج يمكن القول إن الرواية تقترح معادلة إنسانية عميقة مفادها أن المجتمعات حين تتعرض للعنف والتهميش الطويل لا تكتفي بحمل جراحها، بل تطوّر أنظمة متعددة للتكيف: الحكاية لتفسير المجهول، والرغبة لتعويض النقص، والمخدر لتسكين الألم، والذاكرة لإبقاء الماضي حاضرًا، حتى لو كان هذا الحضور مؤلمًا. وهذه الرؤية تمنح العمل بعدًا يتجاوز محليته الجغرافية، ليصبح نصًا عن الإنسان في شروط القلق التاريخي عمومًا.
أما من حيث القيمة الفنية، فيُحسب للرواية نجاحها في توظيف التفاصيل الصغيرة لإنتاج دلالات كبيرة، وقدرتها على خلق مناخ نفسي ضاغط دون افتعال، واستثمارها البيئة المحلية دون السقوط في فلكلرة سطحية، فضلًا عن حفاظها على قدر من الاقتصاد اللغوي الذي يتيح للرمز أن يعمل دون ضجيج. كما يُسجل لها أنها جعلت من عنصر بسيط – البيادة – محورًا تتجمع حوله أسئلة الذاكرة والسلطة والخوف.
ولا يمنع ذلك من الإشارة إلى أن بعض القراء قد يفضلون حبكة أكثر تصاعدًا أو حضورًا حدثيًا أشد كثافة، غير أن هذا الخيار الجمالي يبدو منسجمًا مع طبيعة النص نفسه، إذ هو رواية مناخ ووعي أكثر منه رواية مغامرة أو صدامات مباشرة. فالتوتر هنا داخلي ومتراكم، لا خارجي وصاخب.
وفي المحصلة النهائية، يمكن النظر إلى “بيادة قفز – خراريف” بوصفها رواية تُعيد التفكير في الحرب من خارج ساحتها، وفي السلطة من خارج خطابها، وفي الخوف من داخل النفس، وفي الهامش بوصفه مركزًا كاشفًا للحقيقة الإنسانية.
إنها رواية عن الأشياء التي تبقى بعد انصراف الضجيج: أثر الحذاء على الأرض، وصدى الحكاية في الذاكرة، والقلق الذي يسكن الناس حين يظنون أن الماضي انتهى بينما هو ما يزال يعيش بينهم.
وبذلك يقدّم السيد حمزة عملًا سرديًا جديرًا بالالتفات، لأنه لا يروي حدثًا فقط، بل يكشف كيف يستمر الحدث في البشر بعد أن ينتهي.
المراجع
(1) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. دار النسيم للنشر والتوزيع.
الهوامش
(1) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. دار النسيم للنشر والتوزيع.
(2) أعدت هذه الدراسة لتقديمها اثناء مناقشة الرواية فى ندوة الأحد (محمد عبد الوارث) بتاريخ 26 أبريل 2026
(3) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 100
(4) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 6
(5) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 5
(6) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 37
(7) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 12-13
(😎 السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 104
(9) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 10
(10) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 10
(11) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 57
(12) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 82
(13) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 8
(14) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 101
(15) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 104
(16) السيد حمزة. (2017). بيادة قفز - خراريف. ص 82



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- حين تحصد العصافيرُ المساميرَ: تمثلات الاغتراب وآليات التشكيل ...
- كساء الجمر: شعرية الصحراء بين صبابات الرمل ومتون دار بسيس لل ...
- سيكولوجية التبرير وسوسيولوجية القطيعة: الذات الأنثوية بين ال ...
- البيت بوصفه بنيةً للقهر والهيمنة: قراءة سوسيو–نفسية في رواية ...
- -الأنثى والمدينة والذاكرة: عوالم سردية وأنساق نفسية في أنثى ...
- تصميم الفقد .. قراءة سوسيو–سيكولوجية في عروس في علبة مخملية ...
- بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلا ...
- تأجيل الحلم واستنزاف الأمل: مقاربة سوسيولوجية–نفسية في قصة - ...
- “الوعد المعلّق: الذاكرة بوصفها فضاءً بديلاً في “وعد لم يكتمل ...
- حفيف أنثوي: بين الجسد والوطن .. قراءة تحليلية–تأويلية متعددة ...
- -والبنون- أو وهم الامتداد: قراءة تحليلية–تأويلية في سرد التل ...
- الامتنان الذي يتجاوز الموت مساءلة الحدّ الأنطولوجي في قصة “ع ...
- أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام
- صندوق الذاكرة المعتمة: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة صندوق نو ...
- “الفاترين”: سرد الزجاج والهشاشة قراءة تحليلية–تأويلية في الق ...
- “الابتسامة بوصفها قناعًا سرديًّا: قراءة تحليلية–تأويلية في ق ...
- سرديات التابو والعُريّ الرمزي في رواية عذارى أوراق التوت لسع ...
- تماثل الأسطورة والوعي: قراءة في تشكلات الفقد والبعث في قصة إ ...


المزيد.....




- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليات الأسطورة – قراءة سوسيو-سيكولوجية في رواية «بيادة قفز» للسيد حمزة