أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - دارا محمد حصري - متلازمة أحمد الشرع وسيكولوجيا الجلاد الجديد: الواقع السوري تحت مقصلة المظلومية العقائدية















المزيد.....

متلازمة أحمد الشرع وسيكولوجيا الجلاد الجديد: الواقع السوري تحت مقصلة المظلومية العقائدية


دارا محمد حصري

الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 13:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


​مقدمة: نبوءة نيتشه وفخ البديل المستبد
​في كتابه الشهير «جينالوجيا الأخلاق»، فكّك الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه مفهوم "ضغينة العبيد"، محذراً من تلك اللحظة التاريخية الحرجة التي تنتقل فيها الضحية من موقع المعاناة إلى سدة الحكم دون تطهير وعيها داخلياً؛ إذ لا ينتج عن ذلك عدالة، بل "انتقام مُقسّس" يرتدي ثوب الفضيلة. هذه الأطروحة الفلسفية تجد تجسيدها الأوضح في المشهد السوري الحالي، وتحديداً مع صعود رئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع (الذي عُرف طويلاً بلقبه العسكري أبو محمد الجولاني).
​إن المعضلة السورية اليوم تجاوزت مرحلة إسقاط الدكتاتورية السابقة، لتدخل في فخ أخطر: صعود "مستبد محلي جديد" يحتمي بـ"الهوية السنية الجريحة" ويدّعي الثورة على الظلم، ليتم رفعه من قِبل الجماهير الحاضنة إلى حد التقديس والتحصين. هنا تتجلى الإشكالية: إن استبدال لباس العسكر بعباءة "المظلومية العقائدية" لا يعني ولادة الحرية، بل بداية لظهور طاغية جديد ينمو في بيئة خصبة لم تتغير عقليتها الرعوية، بل كل ما تغير فيها هو استبدال وثن بآخر.
​أولاً: فلسفة "حسد السلطة".. السجّان الجديد باللباس المدني
​عند تفكيك السلوك السياسي للعهد الجديد في دمشق، نكتشف حقيقة فلسفية مريرة:
​إن أدوات القمع بحد ذاتها لم تكن هي المستهدفة بالإسقاط، بل إن احتكار النظام السابق لها هو ما كان يزعج الطامحين الجدد.
​تاريخياً، يُصطلح على هذا السلوك بـ"حسد السلطة"؛ حيث لا يكون الدافع الفلسفي والأخلاقي للبديل هو تدمير السجن، بل الاستحواذ على مفاتيح الزنزانة. ورغم محاولات أحمد الشرع تسويق نفسه بلبوس مدني منفتح، وبدلات رسمية معاصرة، وإجراء إصلاحات هيكلية شكلية، إلا أن العقلية الأمنية التي أدار بها إدلب لسنوات (من تكميم للأفواه، واعتقال تعسفي للمعارضين، وإخفاء قسري) لا تزال هي المحرك الفعلي خلف الكواليس. لقد تبدل خطاب الجلاد، لكن بنية الإخضاع السورية ذاتها بقيت حية، وتُدار هذه المرة بحصانة "الشرعية الثورية" التي تجعل كل نقد بمثابة طعن في مسار الخلاص.
​ثانياً: الهبات العقائدية والتوظيف السياسي لـ"الأكثرية"
​تتجلى خطورة "عقلية الضحية حين تحكم" في التعبئة العاطفية التي تمارسها الحاضنة الشعبية تحت شعار "الحكم للسنة باعتبارهم المكون الذي دفع الثمن الأكبر". هذه "الهبة العقائدية" التي تدعو للوقوف المطلق مع أحمد الشرع والدفاع عنه لمجرد كونه يمثل الغالبية الطائفية، تمنحه شيكاً على بياض لممارسة الدكتاتورية والهروب من المساءلة السياسية والمؤسساتية.
​إن حصر شرعية الحاكم في هويته المذهبية وليس في كفاءته، والتزامه بالقانون، وبنائه لدولة المواطنة، هو برميل البارود الحقيقي الذي يهدد الجغرافيا السورية. هذا الاصطفاف الأعمى يخلق حاكماً مطمئناً إلى حصانته الشعبية، مدركاً أن بيئته مستعدة للتعامي عن تجاوزاته الأمنية والاقتصادية لمجرد الحفاظ على "مكاسب المكون".
​ثالثاً: استهداف المكونات وديناميكيات المظلومية المرتدة
​تُرجمت هذه العقلية الإقصائية على الأرض من خلال تصاعد الجرائم، والانتهاكات، والهبات العشائرية والفصائلية المسلحة التي استهدفت المكونات السورية الأخرى (الكورد، الدروز، والعلويين) خلال العام ونصف الأخير:
​المكون الكردي: وجد نفسه مجدداً بين فكي كماشة؛ قمع الإدارة الذاتية المحلية من جهة، والانتهاكات والجرائم الجسيمة وعمليات التغيير الديمغرافي المستمرة التي ترتكبها الفصائل المدعومة إقليمياً في الشمال من جهة أخرى، تحت غطاء ملاحقة "الانفصاليين"، وهي ذات الذريعة التي كان يستخدمها النظام السابق.
​الدروز والعلويون وسورنة الجوع: واجه حراك السويداء المدني والسلمي المطالب باللامركزية الإدارية والعدالة محاولات تهميش وشيطنة من قوى عقائدية ترى في أي خصوصية مناطقية خروجاً عن سيطرة "المركز السني الجديد". أما المكون العلوي، الذي يعيش انهياراً معيشياً واقتصادياً يضاهي سنوات الحرب، فيتم التعامل معه بعقلية "العقاب الجماعي الارتدادي". فالخطاب السائد لدى السلطة الجديدة وقواعدها لا يرى في العلويين مواطنين سحقتهم الدكتاتورية السابقة واستخدمتهم كوقود لحروبها، بل يراهم "كتلة مرتبطة بالجلاد الأول" يجب إقصاؤها وتهميشها لتعويض سنوات حرمان الضحايا الجدد.
​رابعاً: عقلية الضحية وسط سحق الحالة المعيشية
​بينما تنشغل السلطة بترتيب أوراقها الأمنية وتثبيت شرعيتها، يغرق المواطن السوري في مستنقع تدهور اقتصادي غير مسبوق؛ حيث غدت لقمة العيش والدواء ترفاً بعيد المنال. وهنا يبرز الفشل البنيوي لـ"عقلية الضحية في الحكم" عبر ثلاث ميكانيكيات رئيسية:
​الهروب من المسؤولية: تُبرر حكومة الشرع الانتقالية عجزها الاقتصادي المرعب وتجويع الشعب بـ"إرث الخراب الهائل" الذي تركه النظام السابق، والظروف الدولية الصعبة. منطق الضحية يفترض أنها لا تخطئ، وبالتالي فهي فوق المحاسبة على سوء الإدارة الحالية.
​تحويل الدولة إلى غنيمة: بدلاً من بناء مؤسسات لامركزية عادلة ومستقلة، يجري تقاسم موارد البلاد ومفاصلها الاقتصادية كغنائم حرب بين أمراء الحرب والمتنفذين الجدد لتعويض سنوات حرمانهم السابقة، على حساب أفواه الجياع.
​شيطنة الاحتجاج المعيشي: أي حراك شعبي أو نقد إعلامي يخرج اليوم للاحتجاج على الفقر والجوع والاعتقال في دمشق أو ريفها أو في حلب وإدلب، يتم قمعة فوراً وتخوينه باعتباره "مؤامرة لطعن العهد السني الجديد" أو خدمة لأجندات بقايا النظام، لأن دكتاتورية الضحية لا تقبل بوجود مواطن جائع ينتقد فضيلتها المزعومة.
​ نحو تدمير الكرسي والسجن معاً
​إن القراءة السياسية الفلسفية للواقع السوري في عهد أحمد الشرع تؤكد أن استبدال بذلة الجنرال بلباس الرمز المدني أو العقائدي، ليس انتقالاً نحو ديمقراطية حقيقية، بل هو تحديث مرعب لأدوات القمع وسفك الدماء على الهوية.
​لن تخرج سوريا من قاع هذا الجحيم ما لم ينتقل السوريون من "ثقافة تقديس المظلوميات الطائفية" إلى "ثقافة تقديس العقد الاجتماعي والمؤسسات والقانون". الثورة السورية الحقيقية المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لا يمكن أن تنجح إذا وضعت ضحية الأمس على كرسي الحكم ليمارس دور الجلاد بحق شركائه في الوطن.
​الحل يبدأ بتحطيم الكرسي والسجن معاً، وبناء وعي جمعي يدرك أن سوريا لن تكون مستقرة، ما لم تكن لجميع أبنائها -بمختلف مكوناتهم وطوائفهم- على قاعدة المواطنة المتساوية، وحيث يكون الحاكم موظفاً عاماً خاضعاً للمساءلة والعزل، لا بطلاً عقائدياً فوق النقد والمساءلة.



#دارا_محمد_حصري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سجون الأيديولوجيا
- غواية التبعية
- محطة ضائعة
- 37 جديلة
- هل الPKK عدوّك؟؟
- عامان على عفرين
- تبعية عمياء
- سياسة
- سقوط العراق 2017
- محكمة دستورية أم سياسية؟
- هل اعترف الجميع بالاستفتاء؟ نعم! كيف؟


المزيد.....




- رحيل سائق ناسكار الأسطوري كايل بوش عن عمر يناهز 41 عامًا
- -لا أريد المبالغة-.. روبيو يوضح آخر تطورات المفاوضات مع إيرا ...
- قطعة أثرية من سلم برج إيفل تجذب هواة التحف وتباع بأكثر من 45 ...
- استدراج واغتيال وخطوط تجميع سرّية.. كتاب إسرائيلي يكشف أسرار ...
- تقرير: أميركا اعترضت صواريخ إيرانية كانت تستهدف إسرائيل أكثر ...
- 42 طائرة أميركية مفقودة أو متضررة.. تقرير يسلّط الضوء على كل ...
- وسط تشكيك بجدوى الدبلوماسية.. ترامب وروبيو يجددان التلويح با ...
- وزير الخارجية الألماني يتحفظ على مشاركة الناتو في مهمة بمضيق ...
- كيف يمكن وقف تدفق السلاح والأموال التي تغذي حرب السودان؟
- تركيا: فيضانات مميتة في الجنوب


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - دارا محمد حصري - متلازمة أحمد الشرع وسيكولوجيا الجلاد الجديد: الواقع السوري تحت مقصلة المظلومية العقائدية