أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد الصفار - كارل ماركس واستغلال الطبيعة: قراءة إيكولوجية معاصرة














المزيد.....

كارل ماركس واستغلال الطبيعة: قراءة إيكولوجية معاصرة


فؤاد الصفار

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 14:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة واعداد : فؤاد الصفار

تتزايد في العقود الأخيرة أهمية القضايا البيئية، حتى باتت تشكّل إطارًا جديدًا لإعادة قراءة التراث الفكري العالمي. وفي هذا السياق، لم يسلم فكر كارل ماركس من الجدل: فبين من يرى أن تحليلاته أصبحت متجاوزة في ظل الأزمة البيئية، ومن يعتبره أحد المؤسسين الأوائل لنقد بيئي جذري للرأسمالية. وقد ساهمت النزعة الإنتاجية التي اتسمت بها أنظمة ادّعت الانتساب إلى فكره في تعزيز الاتهام بأنه أهمل الطبيعة، بينما يدافع مفكرون معاصرون، مثل جون بيلامي فوستر، عن قراءة مغايرة ترى في الماركسية مشروعًا يجمع بين الاشتراكية والبيئة.
برز هذا الجدل بوضوح مع محاولات إعادة تفسير أعمال مفكرين كبار من منظور إيكولوجي، من أفلاطون إلى المهاتما غاندي. غير أن ماركس ظل حالة استثنائية من حيث حجم النقاش الذي أثاره. فقد رأى أنطوني غيدنز أن ماركس، رغم وعيه البيئي المبكر، تبنّى لاحقًا موقفًا “بروميثيوسيًا” يميل إلى إخضاع الطبيعة. وذهب مايكل ريد كليفت إلى أن الطبيعة، في تحليله، ليست سوى شرط لإمكان الإنتاج، بينما تظل القيمة مستمدة من العمل وحده. أما أليك نوف، فاعتبر أن ماركس افترض ضمنًا حلّ مشكلة الإنتاج، بما يجعل أي وعي بيئي في المجتمع الاشتراكي غير ضروري. لكن هل تصمد هذه الانتقادات أمام قراءة دقيقة لنصوصه؟
للإجابة عن ذلك، ينبغي وضع فكر ماركس في سياقه التاريخي. فقد كان القرن التاسع عشر يشهد قلقًا متزايدًا بشأن تدهور خصوبة التربة، نتيجة الاستغلال الزراعي المكثف، إلى جانب تفاقم التلوث الحضري وإزالة الغابات. وقد دفع هذا الوضع إلى البحث المحموم عن الأسمدة، حتى وصلت شحنات ضخمة من ذرف الطيور من بيرو إلى أوروبا، فيما لجأ المزارعون إلى نبش ساحات المعارك القديمة لاستخراج العظام واستخدامها في تسميد الأراضي.
في هذا السياق، لعب الكيميائي الألماني جوستوس فون ليبيغ دورًا حاسمًا في فهم أزمة التربة، إذ بيّن أن نقل المحاصيل لمسافات طويلة يؤدي إلى استنزاف العناصر الغذائية دون تعويضها. وقد تأثر ماركس بهذه التحليلات، وطور على أساسها نقدًا عميقًا للزراعة الرأسمالية، معتبرًا أنها لا تستنزف العمال فحسب، بل تستنزف الأرض أيضًا.
يتجلّى هذا النقد في مفهوم ما يُعرف اليوم بـ“الشق الأيضي”، أي اختلال التبادل الطبيعي بين الإنسان والطبيعة. فالرأسمالية، بحسب ماركس، تفصل بين مواقع الإنتاج والاستهلاك: تُستخرج المغذيات من التربة في الريف، وتُنقل إلى المدن، حيث تتحول إلى نفايات ملوِّثة بدل أن تعود إلى الأرض. وهكذا ينشأ خلل بنيوي يطال في آنٍ واحد خصوبة التربة وصحة الإنسان.
هذا التحليل لا يقتصر على الزراعة، بل يمتد إلى العلاقة بين المدينة والريف، التي رأى فيها ماركس تناقضًا أساسيًا في التنظيم الرأسمالي للمجتمع. فالمدن تكدّس السكان والنفايات، بينما يُترك الريف في حالة استنزاف دائم. وقد لاحظ أيضًا أن هذا الاختلال يتخذ بعدًا عالميًا، حيث تُستنزف موارد المستعمرات لدعم التصنيع في المراكز الرأسمالية، في عملية وصفها بأنها “تصدير للتربة” بشكل غير مباشر.
في قلب هذا التصور يكمن مفهوم “الأيض الاجتماعي”، الذي استخدمه ماركس لوصف التفاعل المستمر بين الإنسان والطبيعة عبر العمل. فالعمل، في نظره، ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو عملية حيوية ينظّم من خلالها الإنسان تبادله المادي مع البيئة. ومن ثم، فإن أي خلل في هذا الأيض ينعكس مباشرة على استدامة الحياة البشرية.
ومن هنا، يصل ماركس إلى فكرة قريبة مما نعرفه اليوم بالتنمية المستدامة. فهو ينتقد منطق الإنتاج الرأسمالي القائم على الربح الفوري وتقلبات السوق، معتبرًا أنه يتعارض مع طبيعة الزراعة التي تتطلب نظرة طويلة الأمد تأخذ في الحسبان حاجات الأجيال المتعاقبة. كما يؤكد أن الأرض لا ينبغي أن تُعامل كملكية خاصة مطلقة، بل كشرط دائم لوجود المجتمع، ومسؤولية مشتركة تجاه المستقبل.
يبقى السؤال: ماذا عن اتهامه بتجاهل دور الطبيعة في خلق القيمة؟
هنا يميّز ماركس بوضوح بين “القيمة” كما تُفهم داخل النظام الرأسمالي، و“الثروة” بمعناها الأوسع. فصحيح أن قيمة السلع، في السوق، تُقاس بالعمل، لكن هذا لا يعني أن الطبيعة بلا دور. على العكس، يؤكد ماركس أن الثروة الحقيقية تتكوّن من القيم الاستعمالية، التي تسهم الطبيعة في إنتاجها بقدر ما يسهم العمل. وقد انتقد في نقد برنامج غوتا أولئك الذين ينسبون للعمل وحده قدرة خلق الثروة، متجاهلين دور الطبيعة.
هكذا يتبيّن أن ماركس لم يكن غافلًا عن المسألة البيئية، بل قدّم أدوات نظرية لفهمها قبل أن تتبلور بصيغتها المعاصرة. صحيح أنه لم يستخدم مفاهيم “البيئة” و“الاستدامة” بالمعنى الحديث، لكن تحليله للعلاقة بين الرأسمالية والطبيعة يكشف عن وعي مبكر بالأزمات التي نعيشها اليوم.
لذلك، فإن إعادة قراءة ماركس من منظور إيكولوجي لا تعني إسقاط أفكار جديدة على نصوصه، بقدر ما تعني الكشف عن أبعاد كانت كامنة فيها منذ البداية. وفي زمن تتفاقم فيه الأزمات البيئية، قد يكون هذا التراث النقدي أحد المفاتيح الضرورية لإعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة، خارج منطق الاستغلال قصير النظر، ونحو أفق أكثر توازنًا واستدامة
جون بيلامي فوستر
رئيس تحرير مجلة " مونثلي ريفيو" نيويورك، هذا النص مقتبس من كتاب " ماركس البيئي"
لوموند دبلوماتيك.



#فؤاد_الصفار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صمود مزارعو الضفة الغربية
- التواطؤ العربي
- معاداة الصهيونية ومعاداة السامية
- ابو محمد الجولاني ، الزعيم الاسلامي الذي اسقط بشار الاسد
- المهنة : رقابة مؤيدة لإسرائيل ..... اعداد : فؤاد الصفار
- -نحتاج الى تحرك خارجي - الالاف الاسرائيليون يطالبون بفرض عقو ...
- بعد مجزرة رفح ، اليسار الفرنسي يضغط على ماكرون -- اعدد: فؤاد ...
- - صندوق العار- دعم الشرطي الذي قتل الشاب نائل
- اسرائيل: حذار’’ البيت يحترق’’ رينية باكمان -ترجمة واعداد : ف ...


المزيد.....




- حصري.. ما أسباب ارتفاع الوفيات في مراكز احتجاز إدارة الهجرة ...
- كأنها تطفو بين الغيوم..لقطات جوية تكشف أبراج أبوظبي وسط الضب ...
- قرقاش: هناك خلط محيّر للأدوار في ظل العدوان الإيراني.. والمو ...
- روسيا تحرك قوتها النووية قرب حدود الناتو.. ومناورات مشتركة م ...
- بعد 15 عاما من الإطاحة بالنظام: القضاء الليبي يبرئ 31 من رمو ...
- فريق بلدة ألمانية مغمورة يصنع التاريخ ويصعد إلى البوندسليغا ...
- أرسنال على بعد خطوة واحدة من التتويج بلقب الدوري الإنكليزي
- -استشيطوا غضبا من أجل فلسطين-.. كيت بلانشيت توبخ العالم من - ...
- هل أُجبر الألمان على الانضمام للحزب النازي؟.. خبير في الحركة ...
- صحفيون وهميون.. كيف صنع الذكاء الاصطناعي إعلاما مضللا في أمر ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فؤاد الصفار - كارل ماركس واستغلال الطبيعة: قراءة إيكولوجية معاصرة