فؤاد الصفار
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هجّر الجيش الاسرائيلي و المستوطنون، منذ بداية هذا العام ، خمسين الف فلسطيني من الضفة الغربية قسراً . وتواصل تل ابيب سياسة فرض قوانين ظالمة وممارسة عنف يومي ، كما تقوم بحملة مصادرة وضم تدريجية للأراضي الزراعية وبناء مستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي .
علي م. يبحث بين انقاض منزل دمّرته الجرافات الإسرائيلية في شتاء 2024 لاستخراج قضبان الحديد التي سيستخدمها في تدعيم حظيرة الماعز الخاصة به ، علي، البالغ من العمر عشرين عاماً ، توقف عن البحث بسبب وصول شاحنة المياه : شاحنة (سيترون) قديمة صدئة تحمل صهريج ضخما يهتز وهي قادمة على الطريق ، يرحب على بالسائق ، الذي يقسم وقته بين عمله كأستاذ أحياء في أريحا وعمليات التوصيل هذه ، الضرورية لعائلات المنطقة . نحن في قرية المالح في اقصى شمال الضفة الغربية ، القريبة من وادي صخري صغير ينحدر الى نهر الاردن , أسفل المنطقة توجد طبقة من الحصى تشهد على وجود مجرى نهري كان يجري هناك قبل عشرين عاماً . الان ، فقط تهب الريح المحملة بالغبار على الوادي . وصل المستوطنون عام 1967 وبدؤوا بضخ المياه في وقت مبكر من عام 1973 وعلى عمق يزيد عن 100 متر . يقول على ، جفت الينابيع الخمسة التي كانت تغذي النهر تدريجياً ، هذا الصهريج يكفي لاستهلاك القرويين والماشية ، ولكنه للأسف لن يكفي لري قطعة الارض صغيرة .
يؤثر الاستعمار الإسرائيلي تأثيراً بالغاً على الزراعة الفلسطينية ، يوضح طاهر اللبدي ، الباحث الاقتصادي في المعهد الفرنسي للشرق الادنى في القدس " لقد انخفضت مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الاجمالي للضفة الغربية بشكل مطرد منذ عام 1967 وبداية الاحتلال " مع ذلك للزراعة الفلسطينية تاريخ قديم وعريق ، وتتميز الزراعة هناك بهيمنة المزارع العائلية الصغيرة ، التي تقل مساحتها عن هكتار واحد والتي تمثل اكثر من 70% من الأراضي الزراعية .(1) ويُخصّص إنتاجها بالدرجة الاولى للاستهلاك الذاتي ، ثم للسوق المحلية . في منطقة شبه قاحلة وجبلية، تُعد المحاصيل المتدرجة جزءاً من تراث زراعي غني ،وتمثل شجرة الزيتون رمزه (2) " تعتمد مئة الف عائلة على اشجار الزيتون جزئيا أو كليا ، مما يخلق علاقة مميزة بين الفلسطينيين وأرضهم . أنها هوية وطنية وفي نفس الوقت هوية اقتصادية " .كما يوضح السيد بشارات، منسق المشاريع في اتحاد لجان العمل الزراعي
عند حلول المساء، علي لم يستطع توفير منام لضيوفه، لقضاء ليلتهم بسبب الدمار الذي لحق ببيته، اضطرت العائلة للعيش في الخيام . تعود قرية المالح بتاريخها الى العهد العثماني ،وقد دمرها الجيش الاسرائيلي عام 1967 ، واضطر جميع سكانها الى تركها ، عادت لاحقا حوالي ستين عائلة ولكن القرية لم تستعيد حجمها السابق ، وتشير بعض شظايا الرخام المدفونة في الارض إلى أن الشوارع كانت مرصوفة في السابق . يُطلق غلى المزارعين من امثال علي الذين اختاروا البقاء وفلاحة أرضهم أو تربية الماشية اسم " الصامدين" : أولئك الذين صمدوا رغم تزايد صعوبات الحياة الريفية ،لكن بوجودهم يحمون الارض من ضم المستوطنين لها ، وهي قضية جوهرية للمقاومة الفلسطينية ، ويذكر علي ، عندما يتم بناء منزل في هذه المنطقة يتم تدميره من قبل القوات الاسرائيلية .
منذ اتفاقيات أسلو 1993، قُّسمت الضفة الغربية الى ثلاث مناطق أ،ب،ج، المنطقة (أ )، تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية ، المنطقة (ب) ، لسيطرة مشتركة ، والمنطقة (ج)، (62%من مساحة الضفة الغربية) فتخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة ، ولا يمنح الجيش أى تصاريح بناء في المنطقة (ج) ، وينفذ فيها بانتظام عمليات هدم عديدة للمنازل . في شهر مايو/ايار، أدى إصدار لائحة جديدة بشأن تعداد الأراضي وأنشاء سجل للأراضي من قبل تل ابيب إلى تعزيز هذه السيطرة مما سهل بشكل اكبر استيلاء المستوطنين على الأراضي الفلسطينية . في وادي الاردن مثلا، يتعرض الفلسطينيون لضم حقيقي مع مصادرة منتظمة لأراضيهم ، بينما 80% من الأراضي واقعة بالفعل في أيدي المستوطنين أو الجيش ، يقول انس خ. مراقب حقوق الانسان في المنطقة " الحرب في غزة تثير ضجة ، ولكن هنا حرب صامتة تشن علينا " .
أضعفت هذه "الحرب" السيادة الفلسطينية التي تقوضت بالفعل بسبب التحول من الزراعة المعيشية الى الزراعة الموجهة للتصدير منذ تسعينيات القرن الماضي ، فقد شجعت السلطة الفلسطينية والجهات الدولية المانحة ، زراعة المحاصيل الموجهة للأسواق الخارجية ، مثل اشجار النخيل في وادي الاردن ، خير مثال على ذلك ، وشعارها " يمثل هذا التمر بزوغ فجر الزراعة في الساحة الفلسطينية " وتلخص جولي تروتيه ، باحثة في المياه في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والتي تعمل في الضفة الغربية ، نحن نرى على الطريق رقم 90 الممتد على طول نهر الاردن باتجاه قرية بردلة : مساحات شاسعة مزروعة بأشجار النخيل وتمدد لعدة كيلومترات ومن الصعب التميز بين البساتين الفلسطينية عن الاسرائيلية وتضيف تروتيه أن 70% من البساتين تعود الى المستوطنين .
" حالة نموذجية للاقتصاد الاستعماري "
في تلك الفترة، كانت هناك أسباب عديدة تبرر اختيار شجرة النخيل ، فهي تستهلك القليل من المياه وتتحمل نسبيا الملوحة ، وبفضل تكيفها مع الظروف المناخية حققت ارباحا عالية وسريعة من خلال التصدير ، بعد أن وقع ملاك الأراضي الاسرائيليون وبعض الملاك الفلسطينيون عقوداً مع شركات الاغذية " في بداية مشروع زراعة النخيل ، تمت زراعة قطع اراضي مساحتها ستين هكتار ، وهو أمر غير مسبوق في فلسطين" كما تشهد الباحثة جولي تروتيه . لكن هذه الاموال الكثيرة عمقت التفاوتات داخل المجتمع الفلسطيني ، إذ إن سهول الاردن كانت سابقا مهيأة للزراعة المعيشية والسوق المحلية . وتوضح الباحثة تروتيه ، "كان ملاك الاراضي يقيمون في المدن : وكانت مساحة دونم واحد يكفي لمعيشة عائلة من خلال نظام المزارعة بالمشاركة "اما اليوم،فقد استُبدل المزارعون بالمشاركة بالعمال الموسميين وعمال المصانع ، وفي العادة يحصد المزارعون المستأجرون شهرانً، بينما يعمل الموسميين خمسة اشهر في التعبئة والتغليف ، هذا السياق الاقتصادي مقترنا بعنف المستوطنين بفسر حجم الهجرة الريفية . وقد انخفضت نسبة العاملين في القطاع الزراعي من 37% في عام 1975 الى 5% في عام 2023 (3)
الغذاء الذي يحتاجه الفلسطينيون ، لن يعد يُنتج محليا ، لذا يستورد معظم ما يستهلكه عبر اسرائيل ،التي تستطيع منع دخول البضائع ." هذه حالة نموذجية للاقتصاد الاستعماري : حيث يوجه الانتاج نحو الصادرات، ويصبح اقتصاد الأراضي المحتلة أسيراً تماما ويعتمد على الدولة المِستعمرة " .
السيد بشارات ،في الاربعينيات من عمره، حاصل على تدريب زراعي ، كرس حياته لدعم المزارعين الصامدين ، له دراية واسعة بالمجتمعات الريفية في وادي الاردن ويواصل عمله مع المزارعين رغم ترهيب الجيش له . تضم منظمته الغير حكومية OMG، التي تأسست عام 1986، 120 لجنة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، يقدم برامج التدريب والدعم المادي والمشورة الفنية للأسر الزراعية لمساعدتها على التحرر من الاعتماد على الاسمدة الكيمياوية المستوردة والتكيف مع ندرة المياه ، اما اتحاد لجان العمل الزراعية فهي تعمل حصريا مع اصحاب المزارع الصغيرة ، وفي المقام الاول التي تديرها النساء
ويضيف السيد بشارات " على عكس السلطة الفلسطينية والجهات المانحة الغربية ، لا نريد التركيز على 5% من المزارعين الذين يملكون مزارع كبيرة ، ونترك الأغلبية التي ترغب في انتاج غذائها بنفسها ، لا نريد الانتاج فقط ، بل العدالة الاجتماعية " ومع ذلك فإن اقناع المزارعين بتبني الاساليب الصديقة للبيئة ، ليس بالأمر السهل ، ويضيف " نحن نخبر المزارعين ،أنهم إذا أرادوا زيادة إنتاجهم ،فإن الاساليب الصناعية تستنزف التربة بعد بضع سنوات " مستشهداً بالزراعة المكثفة لنخيل التمر، التي تنهك التربة وتزيد من ملوحتها .
الزراعة الايكولوجية كمسار نحو السيادة الغذائية هي ايضا عقيدة المنتدى الفلسطيني للزراعة الايكولوجية ،منذ أنشائه عام 2018 " لقد تغيرت علاقتنا بالأرض ، كانت أساليبنا التقليدية قريبة من مبادئ الزراعة الايكولوجية ، اليوم لا تعرف حتى ما هي المدخلات الكيمياوية الموجودة في تربتنا أو عدد انواع البذور المعدلة وراثيا التي تفرض علينا " توضح السيدة لينا اسماعيل عضو المنتدى الفلسطيني للزراعة البيئية . يفرض علينا الاحتلال الاسرائيلي بذوره . وقد اختفت اصناف زراعية عديدة من اسوقنا " ولمعالجة هذه المشكلة ، أنشا اتحاد لجان العمل الزراعي بنكا للبذور الزراعية عام 2003 في مدينة الخليل، وتم إكثار ستة وسبعين صنفا محليا وتخزينها وتوزيعها للمزارعين على مدار مواسم السنة ، ووفقا للسيد بشارات ، كان إنتاج التنوع البيولوجي أحد الفوائد العديدة لهذه المبادرة " البذور الصناعية لا تنتج إلا عند استخدامها مع المبيدات والأسمدة الكيمياوية ، وتتطلب ريها بغزارة ، فهي غير قابلة للتكاثر، لذلك يجب شراؤها سنويا . اما بذورنا فهي متينة ، قابلة للتكاثر واكثر قدرة على مقاومة الامراض وتغيرات المناخ ، كما انها تنتج غذائيا صحياً"
يقتلع الجيش الاسرائيلي أشجار الزيتون
تشكل السيادة الغذائية الفلسطينية ، بالنسبة الى الاسرائيل تهديداً . ففي 31 تموز/يوليو، قامت جرافات يرفقها رجال ملثمون وجنود اسرائيليون بنهب بنك البذور وهدم المبنى . وبحسب اتحاد لجان العمل الزراعي ، فإن هذه الهجوم كان يهدف الى " منع الفلسطينيين من البقاء على أرضهم " (4) وقبل اسبوع واحد من هذه العملية ، وافق البرلمان الاسرائيلي على اقتراح رمزي بشأن الضم الكامل للضفة الغربية ، وصادق على خطة بقيمة 275 مليون دولار لصالح المستوطنات . وفي نهاية اغسطس/اب وبذريعة الرد على اطلاق النار بين مزارعين فلسطينيين ومستوطنين ، اقتلع الجيش الاسرائيلي عشرة الالاف شجرة زيتون ، بعضها معمر في قرية المغير قرب رام الله . ومنذ عام 1967 ، اقتلعت الحكومة الاسرائيلية اكثر من 800000 الف شجرة زيتون وجرفت مئات الكيلومترات من الأراضي الزراعية في فلسطين (5)
في قرية المالح ، مع نهاية اليوم ، لا يكف على عن المزاح وابتسامة لا تفارق شفتيه ، يشعل مجمرة لتسخين طعامه وماء للاغتسال ، وخلفه يبرز في السماء ظل السلك الشائك للموقع العسكري المطل على الوادي ، يجلس بجانب النار ساكنا كالصخور . يقول المثل الفلسطيني " الحجر لا يفارق الوادي "
ليونور إيشيمان و بيير كاساجراندي
لوموند دبلوماتيك –اكتوبر/تشرين اول 2025
(1) Jacques Marzin, Jean-Michel Sourrisseau et Ahmad Uwaidat, « Study on small-scale agriculture in the Palestinian territories » (PDF), Centre de coopération internationale en recherche agronomique pour le développement (Cirad), Paris, 2019.
(2) Lire Aïda Delpuech, « En Israël, l’arbre est aussi un outil colonial », Le Monde diplomatique, octobre 2024.
(3) Bashar Abu Zarour, Amina Khasib, Islam Rabee et Shaker Sarsour, Economic Monitor, n* 73, Palestine Economic Policy Research Institute - MAS, Ramallah, 2023.
(4) Philippe Pernot, « Israël attaque une banque de semences paysannes en Cisjordanie occupée », Reporterre, 2 août 2025.
(5) Qassam Muaddi, « Israël voulait punir un village palestinien. Il a donc détruit 10 000 de ses oliviers », Agence Media Palestine, 28 août 2025.
#فؤاد_الصفار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟