أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أسامة خليفة - النكبة والإبادة الهيكلية البنيوية















المزيد.....

النكبة والإبادة الهيكلية البنيوية


أسامة خليفة

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 13:06
المحور: القضية الفلسطينية
    


كاتب فلسطيني
ونحن نحيي الذكرى 78 للنكبة هل نتحدث عن نكبة سُجّلت أحداثها في كتاب التاريخ؟. أم نتحدّث عن نكبة مستمرة متجددة كل فصل فيها أبشع من الآخر؟. تجمع النكبة الفلسطينية بين الإبادة الجسدية الجماعية «القتل والتهجير»، والإبادة السياسية «محو الهوية السياسية ورفض حق العودة»، والإبادة الهيكلية البنيوية التي تعني الاستمرارية باعتبارها «بنية» وليست «حدثاً منفرداً» حتى لو توقفت المجازر والقتل المباشر، يستمر العمل على تفتيت المجتمع، ومنع تطوره باستخدام القوانين، الحصار، تدمير البنية التحتية، والمنشآت الصحية، ومحو الذاكرة التاريخية.
تُعد نكبة عام 1948، وما تلاها من أحداث، مثالاً بارزاً في العصر الحديث عن الاستعمار الاستيطاني الذي يجمع بين الإبادات الثلاث الجماعية والسياسية والبنيوية. تُعرف الإبادة الجماعية البنيوية بأنها ليست مجرد «مجزرة» تقع في زمن محدد، بل عملية مستمرة تهدف إلى تدمير قدرة مجتمع ما على البقاء ككيان موحد من خلال سياسات وأنظمة قانونية واقتصادية واجتماعية. في هذا النموذج، لا تكتفي سلطات الاحتلال بالقتل المباشر، بل تستخدم بنية الدولة ومؤسساتها لتدمير الشعب ككيان سياسي، بل أيضاً تستخدم المستوطنين، وتحوّلهم إلى ميليشيا مسلحة تساهم بدورها في الإبادة البنيوية والتي تتضمن «محو الثقافة واللغة والارتباط بالأرض عبر الأجيال»، مما يؤدي إلى اختفاء الشعب الأصلي دون الحاجة لقتلهم جميعاً جسدياً، وعلى حد تعبيرهم إن الكبار يموتون والصغار ينسون. وقد حددت ثلاث احتمالات لمن تبقى من الفلسطينيين على أرض فلسطين، إما أن يسكت ويرضى أن يقيم دون حقوق سياسية كمواطن من الدرجة الثانية في ظل نظام أبارتيد، أو أن يرحل عن أرض فلسطين في هجرة طوعية أو إجبارية، والحل الثالث إذا ما رفض ما سبق، أن يكون مصيره القتل أو السجن، وتركوا حرية الاختيار للفلسطينيين بين هذه الخيارات الثلاث.
يعتبر البعض أن «الإبادة الجماعية البنيوية» شكلاً من أشكال الإبادة الجماعية، كمفهوم يوسع تعريف الإبادة الجماعية من عمليات القتل المباشر في الحروب أو الهجمات العنيفة، إلى العمليات المتعمدة والمنهجية والبنيوية التي تتسبب في موت واسع النطاق عن طريق وضع قوانين مدمرة تؤدي إلى الفقر، الحرمان، الأوبئة .. ليس فقط بالرصاص والقنابل تبيد النازية القديمة والجديدة الشعوب، بل أيضاً بأفكار شيطانية مثل توزيع البطانيات الملوثة بالجدري على السكان الأصليين «الهنود الحمر» في أمريكا الشمالية.
في الولايات المتحدة ارتكبت جرائم مماثلة ضد الإنسانية في زمن السلم ضد سكانها السود. لم يقتصر تدمير هذا الجماعة على القتل فحسب، بل شمل وسائل سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وبيولوجية ودينية وأخلاقية وجسدية. في فلسطين لا يستهدف القتل المستمر النيل من حياة الناس فقط، بل «كي وعي» الأحياء كعامل نفسي استراتيجي، لسحق «روح» المجتمع، وجعله ضحية دائمة، كأنه فريسة في حفلة صيد، لكسر إرادة الشعب ولفرض واقع جديد على الناس لا يلبي مصالحهم الوطنية، يدّمر هويته الوطنية، ويهدّد كيانهم كمجتمع سياسي.
دار جدل حول الطبيعة المنهجية والبنيوية للعنصرية ضد السود في الولايات المتحدة، الذين ارتكبت ضدهم أعمال عنف لا توصف، وبموجب تبريرات قانونية. فهل تُعتبر «الإبادة الجماعية البنيوية» إبادة جماعية من الناحية القانونية؟. لا شكّ في أن معاملة الأمريكيين السود قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها تُعدّ جريمة إبادة جماعية. فقد تعرضوا لظروف معيشية مروعة عمداً وبالقانون الأميركي، وقد نُشر بالتفاصيل عن عشرات الآلاف من الرجال والنساء السود الذين قُتلوا لمجرد لون بشرتهم.
النكبة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه حال الشعب المنكوب، تؤكد طابع الاستعمار الاستيطاني، بنهجه الإقصائي، السياسي، والاجتماعي، والفكري، والثقافي، بالضرورة يلجأ الاستعمار الاستيطاني عمداً إلى الإبادة الجماعية، الاختلاف بين فلسطين ومناطق أخرى، والتي شهدت إبادة هناك، قوانين تشرع انتزاع أطفال السكان الأصليين قسراً من عائلاتهم لدمجهم في المجتمع الأبيض، هذا لا يحدث في فلسطين على خلفية الإبادة السياسية، لأن الفكر الصهيوني يقوم على النقاء العرقي العنصري، ولا يرضى بالإدماج وتمازج الأجناس، اليهود هم «شعب الله المختار» من نسل إسرائيل، وما الآخرون «الأغيار»، أو «غير اليهود»، إلا «جوييم»، مصطلح يحمل طابعاً تمييزياً استخفافياً لا يقلّل من شأن الآخرين فقط، بل لا يعترف بهم كبشر، وقد صدرت فتاوى من قبل حاخامات يهود تبيح قتل الأغيار.
من آليات الإبادة البنيوية منع السكان الأصليين من التعليم، وحرية التنقل، وإعاقة الوصول إلى أماكن العمل والدراسة، ببناء أسوار التفافية وجدار الفصل العنصري والحواجز الحديدة، والفصل بين التجمعات السكنية، وتحويلها إلى معازل يسهل السيطرة عليها. ومن آلياته أيضاً تدمير البيوت ومنع الإعمار بشتى الوسائل، في الضفة الغربية يتم تدمير بيوت الفلسطينيين بحجة عدم الحصول على ترخيص، والترخيص أشبه بالمستحيل، بينما تسهيلات ودعم بلا حدود، تعطى لبناء المستوطنات يجري بناؤها على قدم وساق لتفتيت الجغرافيا الفلسطينية. ومُنع الفلسطينيون في الضفة الغربية من الوصول إلى مصادر المياه، وحُرقت ممتلكاتهم، وسُرقت مواشيهم، وقُطعت أشجار الزيتون، ومُنعوا من قطف الثمار وحصد المحاصيل..
تشمل الإبادة البنيوية ما يسمى بالإبادة عبر الظروف المعيشية بتدمير البنية التحتية ثم ترك «الطبيعة» تُكمل عملية الإبادة بجعل الحياة مستحيلة، لدرجة تدفعهم للرحيل، أو تؤدي إلى فنائهم ببطء نتيجة الحرمان الممنهج من سبل الحياة. مثلما يتوقع العدو أن يحدث في قطاع غزة في حال توقفت الحرب وبقي الحصار.
محاولات طرد سكان غزة إلى سيناء هو جزء من الاستمرارية الاستعمارية للتوسع، وقضم مزيد من الأراضي، والتخلّص من أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، وهذا يشكل «إبادة جماعية بنيوية»، تتمثل في ممارسة العنف المنهجي تجاه السكان الأصليين واجتزاء مساحات واسعة من الأرض بحجج أمنية، وهو ما يتم تنفيذه باستخدام آليات تتراوح بين الإبادة الجسدية والنقل القسري، إلى سرقة الأراضي والمياه، وتدمير أساليب ومقومات الحياة.
العلاقة بين نكبة 1948 والإبادة السياسية هي علاقة بنيوية ومستمرة، حيث تمثل النكبة الأولى 1948 التأسيس الفعلي للمشروع الصهيوني وإعلان قيام «دولة» إسرائيل، فنكبة 1948هي البداية العنيفة للإبادة السياسية، التي لا تزال فصولها مستمرة في محاولة لتصفية القضية الفلسطينية بصورة مستمرة لإلغاء الوجود السياسي والوطني للشعب الفلسطيني تسعى فيه إسرائيل إلى السيطرة الكاملة على الأرض، وتقليص الوجود السياسي الفلسطيني إلى حد التلاشي.
لم تكن النكبة الفلسطينية مجرد تهجير وتطهير عرقي، بل استهدفت تدمير البنية التحتية، الاجتماعية، والسياسية للمجتمع الفلسطيني، مما جعلها «إبادة سياسية» تستهدف الهوية الوطنية الفلسطينية. وهذه صفة أي مشروع استعماري استيطاني إحلالي، المشروع الصهيوني منذ نشأته يهدف إلى إحلال وافدين مكان السكان الأصليين، وهو ما يعد جوهر الإبادة السياسية والجسدية المتواصلة.
النكبة الفلسطينية ليست حدثاً تاريخياً انتهى في 1948، بل هي عملية مستمرة ومتجددة تتخذ أشكالاً مختلفة، من بينها التدمير الممنهج لفرص إقامة الدولة الفلسطينية، ومحاولة إلغاء التمثيل السياسي، والإبادة السياسية تعمل جنباً إلى جنب مع الإبادة الجسدية، حيث يسعى الاحتلال إلى إنهاء أي شكل من أشكال المقاومة أو التمثيل السياسي الوطني للفلسطينيين، والرد على هذا التحدي يكون بالوحدة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وبرنامج وطني متفق عليه.



#أسامة_خليفة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيار وحّد العمال وفلسطين في قضية واحدة
- في يوم العمال العالمي، الأتمتة بين البطالة والحروب
- مضيق هرمز والتجارة العالمية
- في يوم الأسير الفلسطيني، قانون إسرائيلي يشرع قتل أسرى
- الترامبية في صميمها الميكافيللي
- حرب الخليج، الإنذار غير النزيه
- الترامبية عقيدة أم أيديولوجيا؟.
- البترودولار يشعل الحروب
- فصل المناطق الفلسطينية مقدمة للضم
- في رمضان، المستوطنون أدوات الاحتلال
- من الضم الزاحف إلى ثورة الاستيطان
- «النرويج والقضية الفلسطينية»
- ثلاثية: «الأونروا»، «اللاجئ الفلسطيني»، «حق العودة»
- مفهوم القوة الوطنية في الحالة الفلسطينية
- مجلس ترامب للسلام
- إعلان المرحلة الثانية من خطة ترامب، أمر عملي أم شكلي؟.
- مؤتمر الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين – فرع سورية ...
- رأس السنة الجديدة بين العرافة والتحليل السياسي
- الصحفيون في فلسطين بين محكمة بلا عدالة وحكومة بلا مصداقية
- الدور التركي في «قوة الاستقرار الدولية»


المزيد.....




- الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على زيارة ترامب للصين
- تحقيق حصري لـCNN.. تفجير واغتيال يكشف دورًا خفيًا لـCIA في ا ...
- -اختاروا جانبًا-.. سفير أمريكي يدعو دول الخليج للاختيار ما ب ...
- اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل اليمن.. قراصنة يقتادون السفينة ...
- شاهد: البرلمان البريطاني يحيي طقسا عمره قرون قبل خطاب الملك ...
- على وقع المفاوضات المتعثرة.. توغلات إسرائيلية جديدة في جنوب ...
- محاطة بطلاب المدارس والأعلام الحمراء.. طائرة ترامب تهبط في ب ...
- فعلها أوزدمير.. أول حاكم ولاية من أصول تركية في ألمانيا!
- وسط مراسم مهيبة... الملك تشارلز يلقي خطاب العرش في ظل غموض ي ...
- ماكرون خلال قمة -أفريكا فورورد- : لم يعد لأوروبا أمولا لمساع ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - أسامة خليفة - النكبة والإبادة الهيكلية البنيوية