أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - اسماء محمد مصطفى - بصيرةُ الألم بعد الفقد














المزيد.....

بصيرةُ الألم بعد الفقد


اسماء محمد مصطفى
كاتبة وصحفية وقاصّة

(Asmaa M Mustafa)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 04:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في الطريق إلى المشفى الروحي، الكائن في أقصى الأعماق الباحثة عن النمو والفهم المستمرَّين، عبر رحلة تحويل ألم الفقد من جرحٍ مفتوحٍ إلى ذكرى هادئة، نقابل الكثير من عصيِّ الألم، التي سبق أن ضربتنا في مواضع وأوقاتٍ أخرى. قد لا نستطيع كسرها وتحطيمها، ولكن يمكننا الإمساك بها، وإعادة تشكيلها أو صنعها، كي لا تضربنا بقسوةٍ مرةً أخرى.
في المشفى الروحي، لن نجبر أنفسنا على أن نفرح بسذاجة، أو أن ننتج شيئاً، بل سنحلِّق خفيفين، بلا جسد، بلا كثافة. سنترك أنفسنا نحزن ونصرخ، حتى ندرك أن الألم، حين نفهمه، يصبح تحوّلاً وليس ضعفاً. وحين نتعلم الدرس جيداً، نتمكن من إدارة الألم بوعي، وتحويل طاقته بنضج إلى طاقةٍ خلّاقة.
ماذا يقدم لنا المشفى الروحي من علاجاتٍ وإرشادات، كي يعالج حزننا عقلياً وقلبياً؟
أن تعانق وسائدُ نعاسِنا النومَ جيداً، نمشي، لا نستعجل الشفاء، نمتنع عن الجدالات، ننظف عقولنا من رغبات التسلط وتمشية أمورنا وأمور سوانا كما نشاء، لا نكبت حزننا وغضبنا، بل نسمح لهما بالظهور والخروج من قفصنا الداخلي، كأن نعبر عنهما بالكتابة أو الرسم أو أية وسيلة تعبيرٍ نستطيع ممارستها، حتى وإن كانت صراخاً أو ملاكمة، نؤمن بأنّ الفقد ليس خطأنا، بل هو جزء حتمي من الحياة، نفرغ غضبنا المكبوت، ونتجنب التفكير المستمر على مدار اليوم بما حدث، وماذا لو كان بإمكاننا تغيير ما حدث... لننتبه إلى فرضية "ماذا لو" هذه، إنها الفخ الذي ينبغي لنا ألا نقع فيه.
نبدأ بالشفاء، حين نحوّل السؤال المرهق لتفكيرنا "لماذا حدث هذا؟" إلى: "ماذا تغيَّر فيّنا بعد الفقد أو الألم؟ وكيف أصبحنا نفكر؟ وما الذي فقد قيمته؟ وما الذي أصبح أكثر قيمة؟ ما الرسالة التي يحملها الفقد لنا؟ وما الرسالة المطلوب منا إيصالها إلى أمثالنا من الفاقدين المفجوعين؟"
هنا يكف الألم عن الدوران بنا في مصيدة المتاهات، ويخرجنا، أو نخرجه، إلى مرحلة الفهم.
نبدأ بالشفاء حين لا يعود الحزن يربك مشاعرنا ويشتت أفكارنا، فالقلب جرى احتواؤه، والعقل فهم التجربة واستوعب الصدمة التي تصورنا أنها مدمرة، فظهر أنها تأخذنا إلى مستوى من الوعي أرقى.
وبعد أن نمرَّ بأشد التجارب ويرتفع الوعي معها، سنشبه الجنود الذين خاضوا أعتى المعارك على خطوط النار، ونجوا من الموت مراراً. وحين عادوا إلى بيوتهم، باتوا يرون ما تتعرض له مدينتهم من غاراتٍ أمراً عادياً. فمع توالي التجارب الموجعة، يفقد الموت والألم هيبتهما، ويتغير مقياسهما كذلك.
نشعر بأنّ دموعنا قد نفدت، على الرغم من توالدها المستمر، كأنّ الألم تجاوز مرحلة التعبير. الجنود في دواخلنا، كأنهم نجوا من الحياة… لا من الموت. المفارقة، أنّ الناجين من الحياة، يدعون إلى رؤية جانبها المضيء بعيون الأمل، وإلى حشو فوهة المدفع بورود الحب.
هذا ما أسميه بصيرة الألم، وحكمته، ووعي ما بعده. إنّها نتاج القوة الداخلية التي نمتلكها أساساً، أو نكتسبها مع الزمن، ونعززها حتى تصل بنا إلى مرحلة تقبل الألم، وتحويله إلى معنى أعمق.
فتجربة الألم لا تقصد تدميرنا، بل تعيد تشكيلنا معها. حين ندرك هذا، سنعلم أننا لم ننكسر، بل فعلنا ما يجدر بالفاقد فعله، وهو تقبل أنّ الموت يحوّل الفقيد إلى أثر، وإدراك أنّ بعض الأرواح لا تغادرنا بغياب أجسادها، بل يتغير شكل حضورها، كما نحن نتغير بعد الفقد بظهورنا بنسخة جديدة لا تشبه نسخنا القديمة.



#اسماء_محمد_مصطفى (هاشتاغ)       Asmaa_M_Mustafa#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (مساجُ) العقلِ
- المخدراتُ تستعبدُ الجسدَ، تبلدُ العقلَ، وتميتُ الضميرَ
- مساج العقل:عن مرتبة الألم والفرح في الأثر
- في المشغل التفاعلي لحملة المحبة والسلام... الكتابة جسر للشعو ...
- مساج العقل / (11)
- حرية الصحافة بين التدجين والفوضى
- مشرقون: عن المؤرخ والكاتب الموسوعي الأستاذ الدكتور إبراهيم ا ...
- سؤال البالونات البيض
- قراءة تحليلية بالذكاء الاصطناعي لمجموعة برهان المفتي القصصية ...
- مخالب الوردة !!
- (مساج) العقل/ (10)
- (مساج) العقل / (9)
- رسالة حب كونية
- دليل التغذية لمرضى السرطان
- شجرة القلوب السماوية / قصة قصيرة
- ورد السماء / قصة قصيرة
- قصة قصيرة / الأخرى
- ألاّ أنتِ ، ولدتِ من قلبي
- رشات من ماء ورد قلبي على ذكراك
- الى أن أذهب اليكِ


المزيد.....




- شاهد.. صيحات استهجان في حفل تخرج بسبب إشادة بالذكاء الاصطناع ...
- رد صادم من ترامب عند سؤاله عن إيران وإبرام صفقة معها: لا أفك ...
- أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أمريكا اسم بحار إيطالي؟
- مشاورات تجارية بين الصين والولايات المتحدة وترامب سيطلب -فتح ...
- تزامنًا مع زيارة ترامب إلى الصين.. دعم عسكري من أمريكا لتايو ...
- زلة لسان أم حقيقة؟ تصريح يفتح النار على ترمب
- ترامب يريد فنزويلا الولاية الأميركية 51
- ترامب يصف مراسلاً بـ-الغبي- بسبب سؤاله حول ارتفاع تكاليف قاع ...
- حصرياً لـCNN.. كيف تُصعِّد CIA حربها -السرية- داخل المكسيك ض ...
- -إسرائيل قلقة من إبرام ترامب صفقة سيئة مع إيران-.. مصادر تكش ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - اسماء محمد مصطفى - بصيرةُ الألم بعد الفقد