|
|
دور وتأثير الكاتب في المجتمع الأردني
عمر قاسم أسعد
الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 18:15
المحور:
قضايا ثقافية
في مملكتنا الحبيبة وقبل أواخر تسعينيات القرن الماضي لم نكن نعيش عصر الانترنت ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي ، كنا نعيش عصر الرسائل البريدية التي كانت تحمل الحب والدفء والوجدان ، تحمل بين حروفها الصدق والفرح وبعض الدموع ، كانت تحمل رسائل شوق بكل ما تعنيه الكلمة ، وكان الابداع في حروفها لتشكل كلمات وجمل ذات مغزى ومعنى . كنا نعيش عصر الجريدة اليومية والاسبوعية ( الرأي ، الدستور ، صوت الشعب ، شيحان ، ... ) نعيش مع مجلة أفكار ، نحلق مع شعر عرار وحيدر محمود ، كنا ننتظربشوق ( رسائل شوق ) مع كوثر النشاشيبي ، كنا نحلق عبر الأثير برفقة ( مجلة الأثير ) مع محمود أبو عبيد ونبيلة السلاخ ، كنا نتحدى ونفكر لنجيب على أسئلة عمر الخطيب ( في بنك المعلومات ) ، كنا نتسابق لأن نجيب على أسئلة رافع شاهين في ( فكر واربح ) قبل أن يجيب المتسابق ونحن نعلم أننا لن نربح الجائزة بل نربح المعرفة ونمتلك المعلومة ، كنا نسعى لامتلاك قصة أو رواية ( لخليل السواحري ،فخري قعوار ، بدر عبد الحق ، ابراهيم نصرالله ، ... ) وعيوننا تسابق الأحداث لنعيش دور البطولة فيها ونعلن النهاية التي نريدها ، كنا نرسم صور ذهنية لعالم أجمل وأروع مع كل كلمة من قصيدة ( لتيسيسر السبول وسليمان عويس وأمينة العدوان وغسان ووضاح زقطان ) . كنا نغني للحب والعشق وللوطن مع ( توفيق النمري وسميرة توفيق وعبده موسى وفؤاد حجازي ، ... )
هذا زماننا حين كنا نعشق امتلاك بعض الكتب نزين بها رفوف في بيوتنا لتكون عنونا لنا أننا نقرأ ونفكر ونمتلك القدرة على أن نمتلك الوعي الكافي لنعيش في مجتمع بشكل ايجابي بناء . هذا عصرنا عندما كنا نحب وكانت رسائلنا للحبيبة بعض أبيات من الشعر وبضع كلمات من رواية أوقصة لنقول للحبيبة أننا نقرأ ونفكر وربما في بعض اللحظات امتلكنا القدرة على ترجمة مشاعرنا إلى كلمات وجمل نسجناها من أحرف رسخت في عقولنا . في عصرنا لم يكن انترنت ولا وسائل تواصل ولا حد أدنى من امتلاك المعلومة إلا من الكتاب وما سعينا لامتلاكه من مجتمع مثقف وواعي لديه القدرة على التفكير والتحليل والتركيب والابداع . واليوم في خضم هذا التطور التكنولوجي الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي ومصادر المعرفة المتعددة أصبحت المعرفة والمعلومة جاهزة بين يدي الجميع ــ وفي مختلف جغرافية وطننا الحبيب ــ معلومة جاهزة دون قراءة وتفكير وتحليل ، كما إن سرعة استقبال المعلومة من هذه الوسائل ــ كمصدر أساسي ــ أصبح يسير بوتيرة سريعة جدا حتى يكاد معظمنا لا يمتلك القدرة على مجاراتها مما أدى ألى التسليم بالأمر الواقع واستسقاء المعرفة من مصادر متعددة ــ قد لا تتفق على رأي واحد ــ كمسلمات مما افقدنا القدرة على التفكير بما نقرأ أو نسمع . أو أن يكون للعقل دور ايجابي في التحليل والتركيب وتخزين المعلومة وزيادة المخزون المعرفي واللغوي والذي بالتالي ينعكس على إثراء ورفد مداركنا مما يجعلنا قادرين على التمييز ما بين اللغة واللغة والفكر والفكر .
ومن هنا كان لا بد من العودة للكتاب الذي يخاطب العقل والروح وينشر الوعي ويزيد المخزون المعرفي واللغوي . ولهذا يحتفل الاردن بالاسبوع الوطني للكتاب من 1 ولغاية 7 نيسان من كل عام حيث تنظم وزارة الثقافة ودائرة المكتبة الوطنية مختلف الفعاليات من معارض للكتاب وتوزيع الكتب وعقد المسابقات والقراءات القصصية وورشات عمل متنوعة تهدف لتعزيز ثقافة القراءة وزيادة المعرفة وأيضا تسليط الضوء على الدور الهام الذي تقوم به المكتبات العامة في نشر الوعي وزياد المخزون الثقافي بين افراد المجتمع . ومما لا شك فيه أيضا تقديم الدعم للكتاب والمبدعين لضمان استمرارية المخزون الثقافي بكافة انواعه وأشكاله . ولا شك أن للكاتب الأردني دور كبير في إبراز الاسبوع الوطني للكتاب من خلال حضوره وتوقيع اصداراته وابداعاته وأيضا نشر ثقافة التوعيه لتشجيع القراءة للكاتب الأردني الذي ــ وبشكل عام ــ يستمد من ماضي الوطن وحاضرة مادة للكثير من النصوص التي يكتبها مما يحقق لنا الكثير من الأهداف في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية والانسانية فيما بيننا كأفرد من هذا الوطن . وأيضا على الكاتب الاردني ممارسه دوره الطليعي من خلال المشاركة في الندوات والورش والمحاضرات وتقديم مقتطفات حول بعض مؤلفاته ، وهذا بدوره يردم الفجوة ما بين الجمهور كمتلقي وما بين الكاتب الأرني كمصدر من مصادر الثقافة والابداع ، عندما يحلق الشعرء في سماء الوطن وعندما نسمع موسيقى ألحان من وحي الوطن وعندما يبدع القاص في وصف تفاصيل الوطن نزداد حبا وعشقا لتراب الوطن . ما المانع ان يكون هناك لقاء شهري للمشاهدة وللاستماع الى قاص أو كاتب أو مطرب أو فنان ، نتناقش مع جيل يتوق للمعرفة ويتوق للاستماع والاصغاء ويسعى لتثبيت أركان المعرفة بكل أشكالها . ما المانع ان يكون هناك لقاء لقراءة كتاب لكاتب أردني ومناقشة أفكاره ومضمونه واحداثه وتعزيز احترام رؤية الجمهور في إبداء الرأي والنقد . ونحن نعلم تماما دور وزارة الثقافة في السعي الدائم وبذل الكثير من الجهد في سبيل تعزيز واستمرارية تحقيق هدفها من نشر الفكر وتعزيز ثقافة القراءة للجميع وما تقوم به أيضا من تبني ودعم الكثير من الكتاب والأدباء في كافة محافظات المملكة ، وأيضا لا بد من ذكر دور دائرة المكتبة الوطنية في إثراء المشهد الثقافي والجهد الكبير لنشر ثقافة القراءة باعتبارها ذاكرة هذا الوطن . وإن جاز لي ان اذكر دور لا يقل أهميه في السعي نحو القراءة والعودة للكتاب من خلال ما تقدمة مؤسسة شومان كرديف لا يقل أهمية عن باقي الأدوار التي تقوم بها بعض مؤسسات المجتمع المدني لتحقيق أهداف الاسبوع الوطني للكتاب . ومن هنا أود أن أطرح بعض الأسئلة والتي من المفترض ان تكون موجهه للجميع ، وبالتأكيد أترك الاجابة لكل واحد منا لأن إجابته عن بعض هذه الأسئلة ستقوده حتم لاتباع اجابته .
ــ هل تساهم القراءة على صقل الشخصية ؟ ــ هل تساهم في تعزيز القيم والمباديء الإيجابية البناءة للنهوض بالوطن ؟ ــ هل تساهم في عملية النضوج الفكري ورفد العقل بالمفردات اللغوية وزيادة المخزون اللغوي ؟ ــ هل تساهم في تنمية الكثير من المهارات وتنمية الكثير من المواهب الأدبية والفنية ؟ ــ هل تساهم في التعلم والتعليم والتأثر والتأثير وتحقيق المزيد من التفاعل مع الأخرين ؟ ــ هل تنمى المهارات والقدرات للتعبير عن الرأي والنقد البناء في مجمل القضايا ؟ ــ هل توجه الانسان إلى اتباع عادات ايجابية من خلال استثمار الوقت بالقراءة ؟ وليس أخرا أن أطرح هذا السؤال . ــ هل القراءة تساهم في زيادة الوعي وتحفيز المنظومة الوجدانية لتحقيق المزيد من تعميق الانتماء للوطن من خلال معرفة تاريخه وحضارته وتراثه وترسيخ الهوية الوطنية لخلق جيل واعي مثقف يسعى نحو مستقبل مشرق . إن الأدوار المطلوبه يجب أن تكون من الجميع كل حسب مكانته وقدرته ، ولكنها في النهاية يجب أن تصب في بوتقة العقل ، عقل المتلقي الذي يبحث عن العلم والمعرفة وعن لغة لا نريد أن تُنسى . قد نتفق أن الأسرة لها دور والمدرسة كذلك والمجتمع أيضا كذلك ومؤسسات المجتمع المدني أيضا ، كل ما ذكر بالضرورة يجب أن يكون له دور في التأثير على الانسان ليقرأ . ولكن ومن خلال تجربتي الشخصية أدرك تماما أن الدور الذي يمتاز بأهمية أكبر هو الدور المنوط بالكاتب . الكاتب الذي يترجم الفكر والاحساس إلى أحرف وكلمات ، ويبث فيها الروح لتدخل العقل ، ومن هنا تبرز قوة تأثير الكاتب في جعل مادته الكتابية محور للنقاش والجلسات الحوارية لتعمل فيما بعد على تكوين الانطباعات وتشكيل الآراء وليس من المستبعد أن تعمل على تشكيل رأي عام تجاه قضية من القضايا الانسانية او الاجتماعية او الوطنية . ومن هنا أيضا تنبع أهمية دور الكاتب في التأثير على العقل الجمعي في قضية محورية تطغى على الساحة ولهذا تبذل بعض الدول جهودا كبيرة في الاهتمام بِكُتابها ومُفكريها وتعمل على إبرازهم للعالمية لتكوين جمهور من القراء يتعدى حدود الدولة . ونحن في الاردن لا ينقصنا الكُتاب والادباء والمفكرين ، لا تنقصنا العقول . والكثير منهم وصلو للعالمية وترجمت أعمالهم إلى عدة لغات ولهذا يحق لنا أن نفخر .
وهذا ما يفرض علينا السؤال المحوري : لماذا لا نقرأ ؟؟؟ وبرأيي الشخصي : هناك ثلاث أطراف للمعادلة ، الطرف الأول الجمهور المتلقي الذي يبحث عن كلمة تغذي العقل وتنمى الوجدان ، والطرف الثاني هو وزارة الثقافة ودورها الريادي ويدور في فلكها بعض مؤسسات المجتمع المدني والتي تقدم الفكر والمعرفة ، والطرف الثالث ولعله الأهم هو الكاتب ، ما المطلوب من كل طرف لتحقيق التوافق في المعادلة وإيجاد صيغة توافقية لتحقيق الأهداف في بناء مجتمع أردني يمتلك ــ ولو بالحد الأدني ــ الثقافة والفكر والوعي . لن أخوض في دور وزارة الثقافة وأدواتها لأنها تسير وفق أنظمة تسعى جاهدة لتحقيقها وعلى مستوى الوطن ، ولن أخوض أيضا في دور مؤسسات المجتمع المدني لانها أيضا تمتلك خطط عمل تسير وفق رؤيتها لتحقيق أهدافها . لدينا هنا دور الكاتب الذي لا تحكمه أنظمة ولا قوانين ألا من وحي عقله واحساسه حيث يُسمح له بتجاوز حدود الزمان والمكان ليحلق بنا في عالم من الأحرف والكلمات لينير لنا درب المعرفة والعلم والتنمية والحداثة . نعم ، إن الكاتب يمتلك القدرة على الغوص في أعماق المتلقي يستنهض فيه قدراته الكامنة ويحررها من حالة الجمود إلى الانطلاق ، الكاتب يحق له أن يسير بنا في دروب خضراء لبناء الوطن ودروب شائكة يثير فينا قدرات التحدي لخلق حياة أفضل بالعقل والوعي والمعرفة . وعلى الكاتب ان يمارس دوره الحقيقي في أن يكون معلما ومرشدا بلغته التي تدخل العقل بكل سهولة ويسر . إن الكاتب ــ من خلال فكره ــ هو الوحيد الذي يزين رفوف غرفنا . لن أكون مرشدا ولا معلما للدور المنوط بالكاتب لأنه باعتقادي يعلم ذلك ويعلم تماما اين يكمن دوره في الرقي والتطور والحداثة لخلق جيل يحب القراءة ليفكر ، يحب القراءة ليتطور ، يحب القراءة ليني وطنا .
#عمر_قاسم_أسعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رواية ( قبر يتسع لجميع البشر ) قراءة انطباعية
-
السعادة والعقل الباطن / ج2
-
السعادة تكمن في العقل اللاواعي ج1
-
بانوراما عمان
-
بيئتنا بيئة حب / سكتش مسرحي
-
النفس في الذات الانسانية / الحلم (1)
-
( يمدهم في طغيانهم يعمهون )
-
سنقضي على حماس
-
شعارات بلا روح
-
ويمدهم في طغيانهم يعمهون
-
( لمن الملك اليوم )
-
( لمن الملك اليوم )
-
الطاغية ( الإله )
-
أوسمة وألقاب !!!
-
هَتّيفَة الحركة الاسلامية
-
النفس في الذات الانسانية / العلاقات الانسانية والاجتماعية
-
النفس في الذات الانسانية / رغبات وشهوات (1)
-
النفس في الذات الانسانية /غاية الذات
-
مهرجان انتخابي
-
النفس في الذات الانسانية / الفطرة 2
المزيد.....
-
ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-..
...
-
-خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد
...
-
بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات
...
-
تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب
...
-
روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
-
وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
-
حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن
...
-
هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
-
4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال
...
-
أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي
...
المزيد.....
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|