أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رضا لاغة - فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا















المزيد.....



فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا


رضا لاغة

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 18:44
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


فس يبدو اليوم واضحا انه لم يكن بالإمكان في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة العربية تحقيق تجانس وتناغم بين مطلب الإصلاح السياسي وبنية المجتمع العربي في بعده التنموي و الثقافي و التربوي... لقد ظلت بنية فاقدة، في نظرنا، لتصورات ومداخل تمهّد لعملية التحديث. إن مثل هذه الفجوة اوقعتنا في فخ تنازع الايديولوجيات التي أثبتت الوقائع أنها عاجزة فلسفيا وسياسيا وقيميا على التعايش ومسايرة نبض هذا التدفق الجارف نحو التجديد واقتحام الساحل الخصيب للمستقبل. ولما كان هذا التنازع مخالفا لعقيدة نمو الدول بل هو مؤذ لها تصورا وواقعا وتاريخا، استحالت عملية الولوج في طيّة هذا المستقبل ومكث العقل العربي عالقا تتقاذفه التاريخانية والأحداث العارضة التي تحمل في ثناياها وأد كل معالم التفكير الاستراتيجي كشرط لازم في كل عملية تحديث وتطوير. وبناء عليه فإن رؤيتنا تنأى عن الخوض فيما هو سياسي وتمعن النظر في مسببات هذا الخلل الذي استوطن في النسق الحضاري العربي المأزوم. ولأن لكل تصور مفترضاته الفكرية فإننا نسلم بأن مفتاح نهضتنا العربية المهدورة تُعزى لفشل سياسات الإصلاح التربوي.
ولأننا نعتقد أنه لا يمكن بلورة قراءة عقلانية ترسم بدقة معالم طريق تطور الواقع العربي دون دراسة مسارات الاصلاح التربوي وسياقاته التاريخية، فإننا سنسعى في ثنايا هذه الورقة إلى تعقّب أسباب فشل سياسات الإصلاح التربوي عربيا. هل يُعزى ذلك إلى قصور آليات الاصلاح أم إلى عدم تناسب مداخله مع طبيعة الأزمة المستحكمة في منظوماتنا التربوية؟ وما هي طبيعة القيم التي يجب الاحتكام إليها أثناء مباشرة هذا الفعل الاصلاحي : الجودة و النجاعة أم الهوية والأصالة ام كل هذا؟ ولكن قبل ذلك وفق اي مداخل : المدخل القطاعي ام مدخل صندوق النقد الدولي والدول المانحة أم المدخل الاستراتيجي؟
لنتفق ابتداء أن لكل دولة عربية منظور خاص للإصلاح التربوي يختلف عن غيره في دولة أخرى عربية شقيقة من حيث الأولويات و الرهانات وربما الأسئلة بحسب السياسة التربوية التي ينتهجها صانع القرار. ومع ذلك هناك تشابه وسمات مشتركة كاللغة ووحدة المصير والهوية القيمية... هذا معلوم ولكن نريد أن ننظر من زاوية مغايرة ومتخصصة تتصل بعجز نظمنا التربوية على كسب رهان التنافسية مقارنة بالخطوات الكبيرة التي قطعها غيرنا من الدول كسنغافورة و النرويج وفنلندا و الصين... وهي كلها وفق المعايير الدولية دول تتصدر الترتيب العالمي خلافا للحالة العربية.
وفق هذا التقدير جاءت دراستنا كقراءة نقدية لنماذج الإصلاح التربوي : تونس نموذجا. وهي مقسمة إلى أربعة محاور:

يعالج كل واحد منها تفريعات هذه الأزمة. يبدأ المحور الأول بالمقاربة التاريخية متفحِصا نماذج الاصلاح التربوي وفق مرجعية نقدية غير أننا سنختصر ذلك في مفهوم فشل سياسات الاصلاح. وهو مدخل تشخيصي ضروري للتحرر من سلطة هذه البراديغمات كمقدمة لتعديل البوصلة نحو المستقبل.
فيما سنتناول في المحور الثاني مسلك التكوين المهني كإستراتيجية ناجعة ساهمت في ما مضى في خلق كادر بشرى نعتبره نواة لبناء الدولة. هذا الربط بين النظام التربوي ورهانات التنمية تم قبره في المهد. و حاولنا في هذا الصدد رصد تداعيات هذا التهميش مقابل التعويل على اتفاقيات الشراكة الدولية كمسكّنات لازمة ما فتئت تتوسع. أما المحور الثالث فقد اعتمدنا فيه على اسلوب استقرائي حللنا من خلاله تدني ترتيب نظامنا التربوي أثناء مشاركة الدولة التونسية في اختبارات تيمز وبيزا.
لكل هذه الاعتبارات ارتأينا تخصيص محور رابع لبيان جدوى الدمج بين المدخل الاستراتيجي ومدخل الجودة، إذا ما رمنا الانطلاق الجاد نحو اصلاح تربوي ناجز منسجم مع روح العصر ومتأصل في صميم الهوية وقادر على كسب رهان التنافسية.
والمثير للدهشة أنه في كل مرة نحاول فيها كمجموعة وطنية أن نثير قضية الإصلاح التربوي وأغراضه البحثية، إلاّ ونفشل ونجد أنفسنا قبالة صخرة هندسة نموذج الإصلاح وما يتطلبه ذلك من دراسة معمقة للبرامج، والمناهج، ضوارب المواد، المسلك المهني، الجانب النفسي والاجتماعي للمتعلم، الرقمنة والدروس التفاعلية، النظام التأديبي...فتختلط علينا السبل وتزاحمنا التناقضات.
مشكلة الدراسة
إن هذه الدراسة العقلانية الادراكية تنطلق من سؤال:لماذا تراجعت منظومتنا التربوية عربيا ووطنيا ؟وما نوع الأزمات التي يزداد معدّل نموّها على نحو يُخشى فيه على البيئة التربوية ومن ثمة على رهانات الحداثة العربية نفسها؟

إشكالية الدراسة
إذا كانت الأطروحة التي تسعى أجزاء هذه الورقة إلى مناقشتها وعرضها تتعلق بضبط المدخل المناسب الذي يحقق جودة شاملة وتقويم موضوعي لمكامن فشل سياسات الإصلاح ، فإن التركيب البنيوي في اعتمادنا على صياغة إشكالية البحث سيحاول أن ينطلق من ممهدات تجيب على تساؤل مركزي:
هل أن مشكلة اصلاح المنظومة التربوية تخضع لبراديغم واحد ينطبق على كل التجارب الانسانية أم لكل مجتمع كوحدة سياسية واجتماعية وثقافية مشكلاته الخاصة التي تستجيب مع أنموذج مخصوص للإصلاح؟
بمعنى آخر ، ما هو مقياس وأنموذج الاصلاح التربوي ؟هل هو ما يقدمه الغرب من مقاربات تتصل بالجودة وما يستتبعه ذلك من اسقاط على واقعنا التربوي ؟ هل هناك هناك مقاييس كونية و موضوعية تسمح بقياس مؤشرات الجودة؟ وكيف تكون آفاق الاصلاح متناغمة مع أنموذجنا وهويتنا الحضارية؟
وقبل هذا وذاك لم انطلقنا من مسلمة :" فشل سياسات الإصلاح ؟
أهداف الدراسة
في مبحث الاصلاح التربوي ثمة زاوية متروكة ظلت مظلمة رغم أننا نعدّها من ممهّات فعل الاصلاح الجاد. ألا وهي : لكل اختصاص علمي هويّته التي تُشرِّعُ له اشتغاله و وجوده على ساحة البحث وكذا الشأن لعلوم التربية. فهي مبحث يسعى إلى تطوير المنظومة التربوية من خلال الابانة عن العاهات والعلل التي استحكمت في جسم النظام التربوي فحالت دون تميّزه. هذا الفعل التمهيدي يعقبه محاولة إيجاد وسائل علاج تسير وفق منهج قويم يدرأ المنظومة التربوية من مزالق البراديغمات السابقة. وبما ان الموضوع يحيل إلى تخصص علمي بعينه وليس الى رحلة سياحية هادئة ، فإنه يحمِل في سياق طرحه ، مضامين نقدية تتدرّج نحو التحديث والتجديد للمنوال القديم.
إن الغفلة عن مناضلة هذه الفرضية يدخلنا في جدل تعوزه الرصانة وتكون فيه الغلبة للدخلاء وهم كثر فيختفي درب الإصلاح المتخصص والرّشيد.
لأجل ذلك سنستعرض رؤيتنا بعيدا عن التهليل الذي يرفض المختلف من الرؤى لنتحدث بمقتضى ذلك من داخل إطار وطني جامع.
يعكف على دراسة :
-المعارف التصريحيةLes connaissances déclaratives : ماذا نعرف عن منظومتنا التربوية؟
-المعارف الاجرائية Les connaissances procédurales : كيف ننفذ وننجز حلولا تحت شعار التحديث والعصرنة والتصالح مع الهوية في الآن نفسه؟
-المعارف الشرطية Les connaissances conditionnelles : لماذا نبرر تطبيق هذا الإجراء المعرفي كمدخل للإصلاح التربوي ( المدخل الاستراتيجي ومدخل الجودة)؟
وهي مهمة تحتاج إلى نصيب من الممارسات الصفيّة لأهل الاختصاص.
أسئلة الدراسةرشّر على
لماذا فشلت الإصلاحات المتتالية في تحقيق النتائج المتوقّعة؟
هل المشكل في مستوى التصميم أو التطبيق؟
هل كانت الرؤية صحيحة؟
هل كانت الوسائل كافية؟
هل تم اختيار النموذج التعليمي المناسب؟
هل كانت أدوات نظام التعليم موثوقة للرصد و التعبئة؟
هل كانت القيادة والحوكمة قادرة على أحداث التغيير؟
عديدة هي الأسباب المحتملة لفشل تجارب الاصلاح ،ولعمري إنها تحتاج إلى دراسة مضنية تتعامل مع ما يمكن جمعه من دراسات وافية في هذا الشأن .
أهمية الدراسة
ولعله من المهم أن نشير هنا أن الهمّ الفكري الذي يضبط مساهمتنا في الاصلاح التربوي بتونس هو تطوير كفاءة وفعالية منظومتنا التربوية في بيئتها الوطنية والبيئات المحيطة بها عربيا ودوليا. وهي تسلك منحى المدخل الاستراتيجي لما تتسم به عملية الاصلاح من شمول، ومسلك الجودة الذي يتدرّج بالمنظومة نحو كسب رهان التنافسية.
لنبدأ من أهم سمة لمسألة الاصلاح التربوي التي تتبوّأ حيزا مهما في سياق التجارب العربية والمتمثلة في تصنيف الاصلاح التربوي كثمرة لممارسة أو قرار سياسي أكثر من كونه صيغة من صيغ البناء لممارسة معرفية تتحدد بالقياس مع مبادئه. في هذا الشأن نؤكد أن هناك اشكالية معقدة تجمع مشروع الاصلاح التربوي بالسياسية. وبقدر ما نراهن على البعد التخصصي بقدر ما ننجح في فك طلاسم هذه العلاقة . وفي هذا الصدد نؤكد على أن الأساس الأول للإصلاح يتعلق بتفكيك الواقع التربوي حتى يتسنّى رصد مواضع الأزمة فيه بهدف ضبط معايير ومداخل جديدة تؤدي إلى تطويره. وهو جهد يندرج في إطار مساهمة خبراء التربية لبلورة استراتيجية الاصلاح.
واعتبارا لذلك إن تأخر مشروع الاصلاح التربوي مأتاه ليس لمحدودية نظر الخبراء التي تزخر بهم الدولة التونسية وإنما لأن القرار السياسي لم يتهيّأ بعد ليبني معقولية تكبح الإرادة الموازية التي تسعى الى توسيع مجال سيطرتها في غفلة عن التقدير التخصصي لخبراء التربية.
الأمر الثاني الذي يجدر الإشارة اليه هو الدور الحيوي للتعليم . فهو في نظرنا الوجه الآخر الذي ينتج ركيزة أساسية لتنمية عربية قادرة على كسب التنافسية من خلال كفاءات قادرة على انتاج الثروة. إنه السبيل الوحيد للدول العربية للخروج من التخلف والانطلاق نحو التنمية الشاملة. أنظر النزيف الخطير الذي تعاني منه الدول العربية من هجرة العقول والكفاءات.
هذه النظرة الى النظام التعليمي وعدم القدرة على الاستثمار الأمثل في العنصر البشري تنطبق على التجربة التونسية التي تسجل سنويا نسب مرتفعة من هجرة الأدمغة نحو أوروبا كنتيجة لفشل السلطة على تنفيذ سياسة دمج واحتواء لأصحاب الشهائد العليا وحملة الدكتوراه الذين يعانون اليوم من كل ضروب البطالة والتهميش .
منهجية الدراسة
وبناء على ما سبق فإن دراستنا تنطلق من منهج استقرائي يتّبع الفحص والتقصّي الدقيق والشامل لنماذج الاصلاح والتحقق من نصوصها واكتشاف ثغراتها عن طريق الاختبار التاريخي. هذا بالإضافة على جمع البيانات وتحليلها في مناحي التسرّب المدرسي والامتحانات الوطنية كمحاولة لمعرفة حقائق جديدة في تحليل العلاقات الداليّة وبالتالي بلورة حلول تربط بين الوسائل والغايات من أجل المساهمة في التوصل الى تطوير نظامنا التربوي كصرح مصمم بدقة تتناسب مع مستجدات العصر.
حدود الدراسة
تتنزل الدراسة في ضوء المستجدات الحاصلة بعد ثورة 17 ديسمبر 2010 كحركة تصحيح ثوري لرسم ملامح حياة سياسية تعنى بالشأن بالتربوي بضبط مرجعية دستورية من خلال وظيفة فعلية ـ وليست شكلية ـ للمجلس الأعلى للتربية باعتباره هيكل مرجعي يسهر على تطوير وصياغة منظومة تربوية عصرية تكون أقدر عى التكيّف مع التطورات المتلاحقة لواقعنا المعاصر وتنطلق من الانسان كمصدر لخلق الثروة.
ويأتي هذا الطرح منتصرا لمفهوم الهوية،إذ هو يظهر مدى أهمية مراجعة البرامج والمراهنة على القيم الوطنية التي تنزع سحر المحاكاة والاتباعية للنماذج الغربية.
وتجدر الإشارة هنا أنه بقدر ما كان هناك اجماع على توصيف وجود أزمة بقدر ما أخفقنا في بلورة رؤية واعدة لمباشرة فعل الاصلاح.بل تشير الأحداث التي طرأت على الحياة السياسية ، أن رهان الاصلاح استخدم كوقود دعائي حزبي أكثر من كونه اسهام لخبراء رائدين في حقل التربية. ومن ثمة تم ترحيل الملف للتسويف طورا وللعشوائية الفردية طورا آخر لعل أبرز تجلياتها تغيّر الأولويات في وزارة التربية أو التعليم العالي بحسب تغير الوزير ذاته. وهو ما يعني عجز السياق الوطني على ضبط مخرجات ترتقي الى بلورة حلول جوهرية وإستراتيجية للشأن التربوي.
مصطلحات الدراسة
يتمتع الخبير بفرص أكبر للنجاح في تنفيذ منهجيته العلمية، كلما وضع نصب عينيه المفاهيم التي يستخدمها في حقله البحثي. والجدير بالذكر هنا أن هناك ترسانة من المفاهيم التي نتعامل معها دون أن نتفطن ما يحتمل وقوعها الدلالي من تغيير يؤثر بقدر كبير على الأداء الداخلي كلحظة ضرورية أثناء التشخيص وتصميم استراتيجية فعالة للانجاز.
الإصلاح : في الواقع لكي يكون عملنا بداية جديدة وليس اعادة رسكلة للقديم يجب ألا نستسهل التعامل مع المعنى الدلالي الذي يحيل اليه مفهوم الاصلاح بل يجب بذل مزيد من الجهد بغية ايجاد الصيغة التي يقتضيها مشروعنا الاصلاحي .وهي لعمري مهمة مضنية تتملص من إرث الماضي وتعيد قراءته بحسب ما تقتضيه اللحظة المعاصرة التي نطمح فيها الى إرساء منظومة تربوية منسجمة مع روح العصر.
وقد ينشأ من جرّاء هذا المعطى خروج عن التصور التاريخي كمحاولة أولى تسعى الى تسليط الضوء على تحوّلات المستقبل للمدرسة المعاصرة.
إن هذه الخطوة الواعدة تندرج في صميم أولى اهتمامات المجلس الأعلى للتربية الذي نأمل أن يكون رافعة فعلية للإصلاح التربوي.
فشل السياسات: ورد أحد التعريفات النموذجية أن السياسات العامة هي "مجموع النشاطات الحكومية المباشرة أو التي يقوم بها وكلاء وتمس حياة المواطنين" . ونعني بفشل السياسات على وجه التخصيص عجز السياسة التعليمية في تحقيق أهدافها ويتوسّع ذلك ليصدق على الخلفيات والأجندات الخفية التي مارسها بعض دعاة الاصلاح فكانت سببا لمزيد توطين الأزمة.
الجودة : تمنح المنظومة التربوية تأسيسا جديدا وتؤدي بشكل حاسم الى تغيير طبيعة مدخلات العملية التربوية على قاعدة ابتكار عقد بيداغوجي تربوي شامل وديناميكي يفضي الى بلورة رؤية كاملة استفتاحية لمسار الاصلاح التربوي.
من هذه الزاوية نبيّن مقاصد اختيارنا للمفهوم النواتي الثاني ونقصد به الجودة كخلفية تشخيص وتأهيل إطارات المتدخلين في الشأن التربوي وكمنطلق لتعزيز النمو المستدام نحو مدرسة المستقبل في صورتها المأمولة .
وبما أن التربية هي بمثابة خبرة كلية تسحب على كل مناحي الحياة ، فإن خيار الجودة الذي نقصده يشمل بدوره كل عناصر المنظومة التربوية والتي يمكن تبويبها على النحو التالي:
ــ أهدافنا التربوية المستقبلية. وهذا يحيلنا الى الاستراتيجية التي تمزج بين التخطيط ومدخل الجودة
ــ مراجعة السلّم التعليمي أو الشجرة التعليمية ( ابتدائي ، اعدادي ، ثانوي وجامعي)
ــ مراجعة أو تحيين أساليب التقويم ونظم الامتحانات
ــ تمتين البنية التحتية للمؤسسات التربوية وتحديث تجهيزاتها خاصة الرقمية منها.
ــ اعتماد منهاج البيداغوجيا الفارقية كطريقة تدريس ناجعة
ــ اضفاف الشفافية في الإدارة وأساليب التسيير القائمة على الحوكمة.
ــ آلية أو دليل جودة للعملية التعليمية.

المدخل الاستراتيجي:

حسبChandler Alfred تعني الاستراتيجية القدرة على إعداد الأهداف والغايات الأساسية طويلة الأمد لمؤسسة ما. وهي أيضا "اختيار خطط العمل وتخصيص الموارد الضرورية لبلوغ هذه الغايات". ويعرّفها School Harverd بوصفها "مجموع القرارات المهمة للاختيارات الكبرى المتعلقة بتكييف مؤسسة ما مع التغير".
إن التأثّر بالمقاربة الاستراتيجية ومداخلها تمثّل لنا زاوية نظر ارتبط بها مجال بحثنا. لأجل ذلك نحتاج ابتداء أن نشير الى التداخل بين المدخل الاستراتيجي بمعايير الجودة التي ظلت غائبة في نظمنا التربوية وطنيا وعربيا.
إن وضع ممهّدات لرسم هذا التوجه الإستراتيجي هي بمثابة عملية تركيبية تتححد بمقتضى تصنيف رباعي لعملية التعلم:
ــ التعلّم واكتساب أدوات الفهم
ــ التعلّم من أجل الولوج الى سوق الشغل وفق معيار النجاعة.
ــ التعلّم من أجل التعايش مع الآخر والتعاون معه.
ــ التعلّم لتنمية قدرات الفرد تنمية شاملة تشمل كل ما هو عقلي وجسمي وقيمي وروحي .

الدراسات السابقة
يشكل الإطار النظري والدراسات السابقة مدخلا يرسم الخطوط الخلفية لمكونات طرحنا نظرا الى عدة أسباب:
أولا لأن المقتضيات المعلنة للإصلاح لا تنحصر في النموذج التونسي وإنما يتجاوزه ليشمل كل محاولات الاصلاح الجادة على الصعيد العربي.وبالتالي يصبح لزاما علينا أن نقارب وجهي المسألة وطنيا وعربيا. وما تركيزنا على الاصلاح التربوي في تونس إلا محاولة تمنحنا قدرة السيطرة على البعد المركب والشامل للمسألة.
ثانيا إن مجرد التفكير في الاصلاح التربوي لا ينفصل عن تصور خطاب متعدد المداخل ، من خلاله يتخيّر خبراء التربية في الساحة العربية.وهو ما يسوّغ السياسة التربوية لكل دولة عربية وتوقعها للمستقبل. وبغية اعطاء ملمح برامجي لهذه القراءة ستناول المشترك بين منظوماتنا التربوية عربيا دون التقليل من قيمة الدراسات الأخرى التي سهونا عن ذكرها وهي عديدة. و يمكن في هذا الصدد أن نشير الى بعض الأعمال الجديرة بالتنويه:
1ـ موضوع رسالة دكتوراه للباحثة فاطيمة الزهراء تحت عنوان:فاعلية برنامج إرشادي لتحسين الدافعية للتعلم لدى التلاميذ المعرضين للتسرب المدرسي . إن هذه الدراسة القيّمة نجحت في تسليط الضوء على ظاهرة التسرّب المدرسي كموجة خطيرة ومؤثّرة على مستقبل التعليم في الجزائر. مع إمكانية ربط هذه النسب الهائلة بما يماثلها في دول عربية ومنها تونس كما سيأتي ذلك في فصل لاحق.
حاولت الباحثة ،من زاوية متخصصة ، توضيح أشكال التسرّب ورصد مؤشّراته لتخلص في هذا الصدد الى حقيقة انعدام دافعية التعلّم.
وهو ما جعلها تؤكد على أهمية دور الإرشاد النفسي الذي حددته كالتالي:"إن البرنامج الإرشادي عبارة عن خطة علمية منظمة تستند على أسس نظريات الإرشاد النفسي وفنياته ومبادئه، لتقديم مجموعة من الخدمات الإرشادية للمسترشدين خلال فترة زمنية محددة، بهدف مساعدتهم على تحقيق التوافق النفسي والتربوي والتغلب على المشكلات الحياتية" .
إن هذه العداوة التي بدأت تنشأ بين المتعلم والمدرسة هي بمثابة ناقوس خطر يخفي في عمقه لا فقط قصور الطرائق البيداغوجية المعتمدة في مؤسساتنا التربوية ذات البعد التلقيني وإنما بالإضافة الى ذلك محدودية الخدمات الارشادية وندرة الدراسات الاستطلاعية. من هنا جاءت الدعوة الى تغيير استراتيجية الارشاد واقتلاع البيداغوجيا من قبضة التلقين واعتبار المعلّم هو منع المعرفة ومصدرها.
إن هذا الترابط بين البيداغوجيا وخدمات الإرشاد النفسي يضعنا في طريق البياغوجيا الفارقية التي لا تزال منظوماتنا التربوية تحمل الكثير من الصعوبات التي تحول دون استيعابها.
2 ـ: المنظومة التربوية التونسية وإشكالية الجودة تحت اشراف الأستاذ حسن العنابي وبمساهمة كوكبة من خبراء التربية أذكر منهم سامي حبيب نسرين بلقاسم وعادل بنعثمان وغيرهم.
إن ما يسترعي انتباه القارئ في هذه الدراسة الجادة أنها تبنّت منهجية علمية شاملة مسّت مختلف مناحي الحياة التربوية وفق طرح أكاديمي قام بتأصيل مفاهيمي للمصطلحات. وهي زاوية فعّالة لوضع استراتيجية الاصلاح التربوي.
ومن الأسباب التي دفعتنا الى التنصيص على أهمية هذا العمل هو كونه جاء إجابة عن صعوبات واجهتنا في تحديد مفهوم العملية التعليمية وضبط عناصرها. وقد استعنّا في هذا الصدد بتوجّهاتها السديدة في توظيف رهان الجودة كمحتوى مهاري يستدعي تكوينا معمّقا لكل المشتغلين بمجال التربية. وفي هذا الصدد يقول عادل بنعثمان في ورقته القيمة:" يفتح تناول مسألة المنظومة التربوية الباب على حقل مفاهيمي ضخم يتضمن مجموعة من المصطلحات المتقاربة أحيانا والمتنافرة أحيانا أخرى، والتي قد لا تدفع الحاجة في هذا العمل الى تعرّفها. ويوحي العنوان على الاقل بمصطلحين رئيسيين "مناهج التعليم" " و"الجودة" وما يمكن أن يلحق بهما من المفاهيم الجنيسة والوليدة المتفاعلة في ما بينها شبكة مفاهيمية متكاملة وقد وقع الخيار على مقاربة لغوية ابستيمولوجية في تناول هذه المفاهيم وتطوّر مدلولاتها واهتماماتها"
3 ــ الدراسة القيمة التي قامت بها د. حسنية حسين عبد الرحمن عويس تحت عنوان :دراسة مقارنة لاختبارات التقييم الدولية وتحقيق الميزة التنافسية لمدارس التعليم الأساسى فى الصين والنرويج واليابان وإمكان الافادة منها فى مصر. ولأن العديد من التجارب الدولية مثل النرويج والصين وسنغافورة أضحت تجارب تحظى باهتمام جل خبراء التربية خصوصا بعد اتّساع الشقة بينها وبين منظوماتنا التربوية على الصعيد العربي ، صار المنهج المقارن بمثابة الإطار المفسّر الذي يوضح أشكال هذا التباين ومسبّباته. ولقد قدّمت د ـ حسنية حسين عبد الرحمن قراءة مقارنة بين تقييمات دولية شملت اختبارات تيمز وبيزا حيث تقول:" تُظهر دول شرق آسيا الآن نموا ثابتا في درجات PISA مما أدى إلى تحويل انتباه العالم إلى شرق آسيا وأوروبا. وقد هدف البحث الحالي إلى تحقيق الاستفادة من خبرات كل من: الصين والنرويج واليابان؛ لتحقيق الميزة التنافسية لمدارس التعليم الأساسى فى مصر بما يمكن الدولة من الاستفادة من نتائج المشاركة فى اختبارات التقييم الدولية، وقد اعتمد البحث على المنهج المقارن(مدخل "هارولد نواةNoah Harold وماكس إكستاين Max Eckstein "في البحوث والدراسات التربوية المقارنة) .
المحور الأول
فشل سياسات الاصلاح
وما دام حديثنا عن مستقبل التعليم في بلادنا فلن نجد أفضل مما استهل به محمد كرّو حين لوّح بمخاطر التفريط في الهوية الوطنية في قوله :" إن السير في تيار الآراء والبرامج الفرنسية خطر على شعبنا،وعلى مثله العليا في الحياة وعلى كيانه وشخصيته" .
وفي هذا الصدد يصنّف الكاتب المؤسسات التعليمية القائمة آنذاك في تونس الى أربعة أصناف:
ــ مؤسسات عتيقة " جدا وعريقة في القدم وهذه تشمل جامع الزيتونة والزوايا والكتاتيب القرآنية".
ــ مؤسسات حديثة يرجع وجودها الى القرن التاسع عشر " وبصفة خاصة قبل الاحتلال الاستعماري لبلادنا ". وقد احدثت بغرض " مسايرة الزمن والأخذ بأسباب التقدم العلمي".
ــ مؤسسات حديثة حرة للتعليم الابتدائي والثانوي " احدثها الواعون من أبناء الشعب عندما أحسوا بخطر السياسة الاستعمارية".
ــ مؤسسات رسمية " احدثت بعد الاحتلال ووضعت برامجها وأهدافها في خدمة الاستعمار " .
هنا لا يمكن تجاهل محاولات الاصلاح التربوي التي سبقت مرحلة الاستقلال وظهرت في شكل مشاريع لشخصيات تونسية من ذلك أحمــــــد باي ( 1837_1855) وخير الدين التونسي وابن خلدون .
إن هذه الحركة الانفتاحية التي عرفتها تونس والتي تطمح الى تطوير البرامج والمناهج التعليمية لصالح أوسع الجماهير الشعبية كمعادلة استراتيجية في بناء العنصر البشري ،مثّلت آلية أساسية لمسار بناء الدولة وقد تبلورت بشكل مؤسساتي أساسا بعد الاستقلال وأصبح التعليم وضعية مجتمعية تخترق كل مجالات الحياة وتترك بصمتها على مختلف مناطق البلاد بما فيها الأرياف والمناطق النائية منها.
وعملا بنصيحة أوغست كونت في قوله:" "لا نستطيع أن نفهم جيدا قضية ما إلا إذا تتبعناها تاريخيا" ، يمكن أن نقسّم مشاريع الاصلاح التربوي ضمن ثلاثة حقب تاريخية واستنادا الى ثلاثة نصوص قانونية:
1 ـ قانون رقم 118 لسنة 1958 والمؤرّخ في 04 نوفمبر 1958
2 ـ قانون عدد 65 لسنة 1991 والمؤرّخ في 29 جويلية 1991
3 ـ قانون عدد 80 لسنة 2002 والمؤرّخ في 23 جويلية 2002
وبناء على ذلك ، يدور هذا المحور حول فكرة مركزية مفادها أن أزمة المسار التعليمي تعزى إلى التخلّي عن مسلك التكوين المهني. وهي الثغرة قاتلة في إستراتيجية إصلاح مشروع 91 باعتباره وثيقة مرجعية أرست منظورا نظريا للتعليم لا يمكن أن يبرر عقلانيا وجاهة التخلص من القطاع المهني مقابل تشكيل مقاربة وظيفية تراهن على التميز والاعتناء بشريحة محددة تتنافس للالتحاق بالاعداديات والمعاهد النموذجية . وهي تجربة حصدت الفشل لا فقط بسبب التفريط في فئة التلاميذ المتوسطين وهم أغلبية وإنما بالإضافة الى ذلك فشل التجربة ذاتها وعدم التقيد بالتراتيب المعمول بها والنزول في أكثر من مناسبة عن السقف القانوني للالتحاق بهذه الاعداديات والمعاهد.
ولأن الحيز الزمني محدود فإننا سننخرط في تفحص الافتراضات الصريحة والضمنية لقانون عدد 65 لسنة 1991 والمؤرّخ في 29 جويلية 1991.
ذهب الكثير من الحداثيين المقتنعين بالنموذج الغربي والذين ينشدون ترسيخ موقف عدائي من دعاة الهوية ، تحت بريق التقدمية ، الى معارضة معلنة للسيطرة المفهومية للبعد الهووي الذي انطبعت به المدرسة التونسية.
هذا التحول الى ضفّة الكونية كما سنرى قام على نزوع الى الحط من اللغة العربية وتهميش مادة التربية الاسلامية أو إن شئنا تعديل حضورها في البرامج الرسمية بمنح محتوى مواز أسند للتربية المدنية التي انبرت لتدريس القيم العقلانية الغربية مثل الديمقراطية والتسامح كمحاولة لإعادة صياغة القيم المجتمعية المعاصرة وضارب أربعة لمادة الفرنسية في المرحلة الاعدادية الى غاية اليوم.وإذ نقول ذلك فإننا لا نناصب العداء لتعلم اللغات الأجنبية أو لهذه المفاهيم الكونية وإنما ننسّب معناها بما نشاهده في التجربة الواقعية من ازدواجية المعايير حين يتعلق الأمر بمصائر شعوبنا. ولعل ما يحدث من دعم فاشي للكيان الصهيوني من دعاة الديمقراطية على إبادة الشعب الفلسطيني مقابل الولولة على ما يحدث في أوكرانيا ؛ يدعونا إلى مراجعة هذا الافتتان بالثقافة الغربية الذي ما فتئ يخالج البعض من نخبنا الفكرية المسؤولة عن تدهور منظومتنا التربوية. ولعل صاحب المشروع د ـ محمد الشرفي أحد هذه النخب التي ارتكبت جريمة في حق الأجيال والعقل العربي المسلم.
ومهما كانت الفوارق فيما يقدمه مشروع الاصلاح التربوي المؤرخ في جويلية 1991 مقارنة بمشروع 58 ، فإنه يعيد النظر في مرتكزات العملية التربوية من خلال المراهنة على:
ــ رفض كل مظاهر التشدد والانغلاق الفكري. وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا حساب كل ما له صلة بالهوية التي أضحت موضع استهداف في البرامج التعليمية.
ــ ضرب مسلك التكوين المهني والمراهنة على المناظرة النموذجية فظهرت موجهة التلميذ المتميز وتحطيم الدرع الجمعي للمدرسة العمومية الذي يتشكّل من الفئة المتوسطة التي لم تستطع أن تقاوم الصهر والإذابة بلغة باومان
ــ التعويل على الاتفاقيات الشراكة وصندوق النقد الدولي الذي يتّبع نموذج خاص لا يتلاءم مع خصوصية واقعنا التربوي.
ــ تحول مصيري في مزاج المتعلم تجاه المدرسة وتنامي فقدان الرغبة في الدراسة بسبب السمات البارزة للاهتمام بالمتميزين والطريقة التي يعمل بها نظام التقييم.
ــ فشل تجربة المدارس النموذجية التي تنطلق من نموذج مثالي لنظام تربوي براجماتي
المحور الثاني: مسلك التكوين في المنظومة التربوية
يمثّل التكوين المهني في نظامنا التربوي الحالي مرحلة عابرة وهامشية في مسار عملية التعلّم في زمن يعيد فيه النظام الانتاجي مراجعة نظرته الى هذا النهج العالمي للتكوين. إن تخلف نظام التكوين المهني عندنا نلحظه على نحو خاص لدى أبنائنا التلاميذ الأقل تأهيلا للنجاح في مسارهم الدراسي العام. ويتطوّر هذا الاحساس في أثناء المبادرة بربط جسور مهنية تسمح لهذه الشريحة من التلاميذ الذين يدرسون في الاعداديات التقنية للانضمام إلى فروع ديناميكية في سوق الشغل كقطاع السيارات ومجال الالكترونيات.
إن دعم التغيرات الصناعية وتكييف المهارات التي يتطلبها قطاع التكوين المهني لا يمكن أن تعتمد فقط على التدريب الأولي الذي يتلقاه تلاميذ الاعداديات التقنية بل نحتاج إلى رؤية تدريبية تتكيف مع المهن الجديدة التي فرضتها العولمة. ومع ذلك ما نلاحظه أنه لا تولى أهمية تذكر للاعداديات التقنية ، فالشهادات تأتي دوما أولا على حساب التدريب المستمر.
لذلك ينبغي للوزارة أن تساهم في ضمان تقييم القطاعات المهنية في الاعداديات التقنية بشكل أفضل كما هو الحال في بلدان شمال أوروبا وخاصة السويد والنرويج وفنلندا ...
وحتى لا تظل القطاعات المهنية خيارا ثانيا مخصصا للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات في التعلم ، يجب مدّ الجسور مع التعليم العام بحيث يقطع مع النظرة القديمة التي تعتقد أن الصناعة لا يقودها إلا المهندسون والمديرون التنفيذيون وأن التكوين المهني طريق جانبي للفاشلين ،في حين أن الأمر يتطلب تنظيم العمل الصناعي بالانفتاح على المبادرة لجميع مستويات التأهيل ودعوتهم الى طرق تدريسية مختلفة.
ويتعيّن علينا أيضا أن نسن تشريعات جديدة تشجّع الشركات التي ترحّب بالمتدربين ( حوافز مالية من خلال الخصم الضريبي) وجعل هذا الخيار أكثر وضوحا بين الشباب وضمان فرص التطوير المتاحة لأولئك الذين قاموا بهذا الاختيار. إن المشكل هنا لا يتعلق بالعدالة الاجتماعية فحسب وإنما يحيل الى رؤية مغايرة ووليدة عصرها تعتبر أنه إذا رمنا أن يصبح الاقتصاد الوطني قادرا على المنافسة وعالي الجودة ، فيتعين بالتوازي تقديم تكوينا مهنيا عالي الجودة.
إن هذا الرهان لا ينفصل عن العمل السياسي بل يتنزل في صميم السياسة التربوية التي يجب أن تستنبط خطط وبرامج تعمل على تحسين القدرة التنافسية من خلال زيادة المهارات كما ونوعا في الاعداديات التقنية ( 7 و8 و9 ) كمسلك اجباري لمن أخفق في مناظرة السادسة أو اختياري لمن يرغب في ذلك. وهو ما يستدعي تدارك النقص الحاصل في البنية التحتية للاعداديات التقنية وتنويع تخصصات التدريب بما يعزز قدرة المتعلم على الاختيار ومواجهة تحديات المستقبل.
إن هذه النظرة الجديدة للتكوين المهني يجب أن تنبني على عقلية الاستثمار في رأس المال البشري والتعامل مع التكوين المهني كقضية رئيسية لضمان تنافسية الاقتصاد وتحديات التنمية . غير أن ذلك دون ريب يتطلب المزيد من التكيف الثقافي مع هذه القطاعات وتوفير المهارات اللازمة أثناء التكوين وتوقع الاحتياجات المستقبلية اللازمة للاستجابة لصعوبات التوظيف التي تعوق اليوم الدولة التونسية.
إن الهدف الأول ذو الأولوية الذي يتعين تحقيقه من أجل الاستجابة بشكل أكثر فعالية لاحتياجات سوق الشغل هو مكافحة التسرب المدرسي .
إن الخروج المبكر للشباب من النظام التعليمي يشكل مشكلة حقيقية
إذ تسرّب في الفترة الفاصلة بين سنة 2010 وسنة 2020، ما يناهز مليون تلميذ وتلميذة ، وهو نزيف سنوي يُقدر بـ 13٪ من ميزانية وزارة التربية. وهو تقدير احصائي معقول بالنظر إلى ما أصدرته وزارة التربية إذ بلغ عدد المتسربين 113.387 من مجموع 1.972.349 في السنة الدراسية 2015-2016 منهم 11,807 في المرحلة الابتدائية و 46,879 في المرحلة الاعدادية و54,701 في المرحلة الثانوية .

إن حجم هذه الأرقام المفزعة من شأنها أن تخلق عجزا كبيرا في المجتمع يربك خيار التنافسية الصناعية لأنه يغذي البطالة الجماعية ويتسبب في ولادة أنماط هجينة من العمل الهش.
المحور الثالث: النظام التربوي تحت محكّ المعايير الدولية
حاولنا فيه اخضاع النظام التربوي تحت محكّ المعايير الدولية وذلك بقصد التعرّف على سمات نظامنا التربوي من خلال تقييم المهارات المعرفية والتحصيل العلمي للتلميذ التونسي . فلن نجد أفضل من تطبيق مقاييس بعض التقييمات الدولية لعل أهمها برنامج PIZA و TIMSS . وتظهر الدراسات أن هناك انجذاب لافتا نحو شرق آسيا وشمال أوروبا حيث أظهرت دول مثل الصين وسنغافورة وفنلندا والنرويج ... قدرة تنافسية عالية خلال مشاركتها في اختبارات التقييم الدولية.
ولأن هذه التقييمات الدولية تحدد أفضل الممارسات ومعايير الجودة المتوقع احرازها لكسب التنافسية كرهان مستقبلي ،حللنا البيانات الدولية التي تحصل عليها خريجو المدرسة التونسية مقارنة بسائر التجارب الناجحة حتى يتسنى لنا معرفة التحديات التي تواجهنا وضبط مقياس أو مؤشر موضوعي قابل للمقارنة دوليا عن مدى قدرتنا التنافسية وترتيبنا في درجات بيزا أو تيمز.
وتتلخّص هذه الخطوة في الاحتكام الى مؤشرات كونية في أثناء التطرق لمسألة الاصلاح التربوي. وهو ما يعني توخي طريقة عملية يتم بموجبها تنزيل منظومتنا التربوية ضمن سياق حضاري يسمح لنا قياس مكتسبات التلاميذ
إن الاطلاع على التقارير العلمية المنشورة لــ PIZA والتي ركّزت في تقريرها السادس على التحصيل العلمي ، يظهر بجلاء معالم الأزمة العميقة لفشل الخيارات التربوية المنتهجة في البلاد التونسية. إن الخبير المتتبع لمشاركة تونس في تقييمات PIZA و TIMSS ترشده إلى علاقة مؤكدة بين هذه المعايير توصله ، في حال فهمها ، الى تصنيف معقول لطبيعة الخلل في تظامنا التربوي. لابد من الاقرار في هذا المقام أن برنامج التقييد الدولي PIZA يهدف إلى تقييم المعرفة والمهارات التي اكتسبها المتعلّم بانتهاء مرحلة التعليم الالزامي في الدول الاعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية .
أما فيما يتعلق بالدول غير الأعضاء والتي اختارت المشاركة في الاختبارات ، فيقيّم التلاميذ بشكل منهجي ضمن ثلاثة مجالات ألا وهي: الرياضيات والعلوم والقراءة. ويستفيض الخبراء بشكل متعمّق في فحص أحد مجالات التقييم من دورة إلى أخرى . ولفهم الخلفية الاجتماعية والسوسيو ـ ثقافية لإبراز الفوارق بين النماذج التربوية للدول المشاركة ، يعترضنا مفهوم الجودة وكيف السبيل إلى أن ينقلنا الى كسب التنافسية؟
مفهوم الجودة
الجودة كما يحددها س . بيلارد مصطلح متعدد المعاني بل من المستحيل أن نحصر دلالته في معنى جامع لأنه يخضع للتأويل. من الناحية الاشتقاقية تنحدر الكلمة من اللاتينية Qualitas وتعني طريقة الوجود التي يتطور معناها من عصر لآخر.
وبشكل عام تهدف معايير الجودة إلى انشاء معيار جماعي من حيث القيم والتوجهات يتم بموجبه ادخال التوحيد القياسي في تقسيم العمل وتخصّص المهام.
ولأن الجودة فكرة متعددة الأبعاد من الممكن ان نقترح تصميم يقوم على النهج الاستراتيجي كحقل تعليمي يمكن ادماجه بدلا من الحقول التعليمية الأخرى كالمدخل القطاعي أو البرامجي. ولتطبيق هذا التمشّي في أثناء قراءة نتائج المشاركة التونسية سنركز على
الأبعاد الأساسية للتقييم ( رياضيات أو علوم أو قراءة) والتي تمثّل عناصر الأداء التي تم من خلالها تقييم مكتسبات التلاميذ.
إن التعامل مع هذا المدخل الاستراتيجي مثلما يتّسع لمدخل الجودة بفروعها المتعددة وأنماطها المختلفة فهو يتوافق صراحة مع المنهج المقارن الذي اعتمدناه في تحليل معطيات احصائية في قراءة مناظرة الالتحاق بالاعداديات النموذجية أو نتائج امتحان الباكالوريا الوطنية.
أهم خلاصة وقفنا عندها تكمن في القدرة التنافسية التي أظهرتها دول شمال أوروبا مثل النرويج والسويد وفنلندا وشرق آسيا مثل الصين وكوريا الجنوبية وجنوب آسيا مثل سنغافورة.
فنلندا:
في أثناء محاولة دراسة النموذج التربوي الفنلندي كنموذج يتلاءم إلى أبعد حد مع للمربين الذين يتمتعون بسمعة عالية و باستقلالية في كيفية تطبيق مقارباتهم البيداغوجية في اطار مشروع المؤسسة.
إن التلميذ الفنلندي لا يقبع في القسم كعلبة مغلقة منزويا في مقعده ، بل يزجّ به ضمن عملية تعلمية تستثير دافعيته نحو التحصيل كحالة داخلية نفسية وعاطفية. فإذا كنّا في واقعنا التربوي التونسي نشكو نفور التلميذ من المدرسة التي أضحت بالنسبة له فضاء يسلبه كل دافعية للتعلم ، فإن النظام التربوي في الحالة الفنلندية يقوم على الابتكار البيداغوجي . ويمكننا استكشاف هذا النموذج من خلال أربعة محاور أساسية:
ـــ إن مسار التكوين عندهم ينصهر في بنية النظام التربوي بمختلف حلقاته . وهو ما يعني أنه ليس حدثا عارضا وإنما هو بالأحرى جوهر العملية التربوية .
ـــ الاستيعاب الشامل للمتمدرسين على قاعدة مبدأ العدالة والإنصاف وتحت شعار التعليم حق للجميع ومسؤولية لتنمية الوعي الفردي والجمعي
ـــ الاهتمام بالزمن المدرسي وهندسة اماكن التدريس بما تفترضه من ديناميكية واستخدام أساليب تدريسية تعترف بالمشاركة الجماعية.
ـــ توخّي مناهج بيداغوجية لتطوير متطلبات القيادة الواعية كهدف تربوي يساعد المتعلم على الولوج الى سوق الشغل. مما يعني منح ا الأولوية الى القيم التي ينبني عليها الفكر الجمعي. وهي كما يلي :
ـــ العدالة والإنصاف
ـــ الاستقلالية والثقة
ـــ اللامركزية في التسيير باعتماد مشروع المؤسسة
ـــ اكتساب المهارات على امتداد المسار التعليمي
سنغافورة:
عندما نتعرف على شكل النظام التعليمي في سنغافورة يجب أن نستحضر قبل ذلك أنها بلد صغير لا تتجاوز مساحته 710 كلم 2 ولا يتجاوز عدد سكانه 5,5 ملايين ساكن وقد استقلت في سنة 1965 و مع ذلك نجحت في أن تنتقل من العالم الثالث الى عالم الدول النامية ذات الاقتصاديات القوية والمتقدمة حيث وصل معدل دخل الفرد فيها الى 56 ألف دولار سنويا ونسبة بطالة لا تتجاوز 2% . إننا إزاء معجزة بما في الكلمة من مغزى حتى أن التلميذ السنغافوري تصدّر المراكز الأولى في الاختبارات الدولية مثل PISA و TIMSS. وهي حقيقة دامغة تؤكد مراهنة الدولة على جودة النظام التعليمي.
تعتبر وزارة التربية والتعليم في سنغافورة أن القضية الكبرى التي تحدد على الأرجح مستقبل ومصير الدولة تقوم عن طريق بناء الانسان. لذلك فالدور الذي يمثله التعليم هو تحويل رأس المال البشري الى أداة لخلق الثروة من خلال التركيز على تطوير امكانات المتمدرسين وغرس الحافز الابداعي لديهم وتطوير مهاراتهم الاتصالية. وبالعودة الى مقياس الدولي TIMSSحول اختبار أجري سنة 2011 تصدرت فيه سنغافورة مستويات متقدمة تنبيّن ارتفاع مؤشرات التقييم مع غيرها من الدول .ففي مجال العلوم ضمن مستوى الصف الرابع أحرزت سنغافورة المرتبة الثانية بحاصل بقدره 583 والأولى في الرياضيات بحاصل قدره 606. وفي الصف الثامن المرتبة الأولى في مجال العلوم بحاصل قدره 590 وفي الرياضيات المرتبة الأولى بحاصل قدره 613
نحن بحاجة في واقعنا العربي الى الانتقال من براديغم تربوي الى براديغم جديد. وهي نقلة تتعلق بعزيمة وإرادة سياسية وقدرة على الابتكار. لقد فهمت هذه الدول أن أول سلاح تحتاجه لنجاح واستمرارية منهج التعليم الذي يركز على الطالب ، إجراء مراجعة وتنقيح لنظام التقييم وتجاوز الاسس الاكاديمية المتمثلة في الاستناد للتقييم الجزائي من خلال الامتحانات. إن ما نحتاجه عربيا في مؤسساتنا التربوية تأطير المتعلم واندماجه ضمن محيطه التربوي و المحلي بانتهاج أسس اللامركزية التي قطعت مع المركزية المتشددة نحو منظومة مرنة لها القدرة على اتخاذ القرارات الخاصة ضمن أفق مشروع المؤسسة . هذا فضلا عن وضع أسس تدريسية جديدة تتيح للتلميذ فرص مزاولة الرياضة والدراما والابتكار التكنولوجي والنشاط الثقافي والتواصل مع العالم الخارجي من خلال تكثيف الزيارات الاستطلاعية . وهي كلها استراتيجيات تعليمية مختلفة يستمد منها المتعلم دافعية للإبداع تحت عنوان: " قليل من التدريس ومزيد من التعلم".
على هذا الأساس فإن رؤيتنا تقوم على :
ــ التوازن بين الدراسة والحياة : التركيز على أهمية اللعب والاهتمام بالأنشطة خارج الفصل الدراسي كالرحلات الترفيهية والاستكشافية والمباريات الرياضية والأنشطة الثقافية ، مما يسهم في تنمية مهارات اجتماعية وعاطفية لدة المتعلم.
ــ منهج دراسي مركّز: يعتمد على المهارات الأساسية مثل الرياضيات والعلوم. هذا ويتم تحديث المناهج بانتظام لتلبية احتياجات سوق العمل.
ــ تدريب مستمر للمعلمين:الاستثمار في تدريب المربين ، مما يضمن تحسين المهارات والأساليب التعليمية. ويُعتبر المربي جزءًا أساسيًا من الإصلاح التربوي.
ــ النتائج المبنية على البيانات: الاعتماد على جمع وتحليل البيانات لقياس الأداء وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين.
ــ الثقافة التنافسية: تشجيع التلاميذ على تحقيق نتائج عالية من خلال التحديات والمنافسات.
ــ تطوير المناهج: الاعتماد على مناهج شاملة ومتنوعة، وتدمج المهارات الحياتية والتفكير النقدي
.ــ استخدام التكنولوجيا والرقمنة: دمج التكنولوجيا في العملية التعليمية، سواء من خلال توفير الأجهزة الذكية أو استخدام البرمجيات التعليمية مما يساعد على تعزيز التعلم الذاتي والتفاعلي
.ــ بيئة التعلم: تحسين البيئة التعليمية لتكون آمنة ومحفزة. ويتضمن ذلك تحسين البنية التحتية، وتوفير مساحات مناسبة للتعلم، وتعزيز التفاعل الاجتماعي
.ـــ التقييم والقياس: وضع نظام تقييم شامل يركز على قياس التعلم الفعلي وليس فقط التحصيل الأكاديمي. يمكن استخدام تقييمات متنوعة تشمل المشاريع، والاختبارات العملية، والنقاشات.
ــ الشراكة مع المجتمع: تعزيز التعاون بين المدارس والمجتمع المحلي. وتمكين الأسرة والمجتمع من الاضطلاع بدور فعال في دعم العملية التعليمية
.ــ المرونة والشمولية:يتّسم النظام التعليمي في هذه الدول بالمرونة وقابليته للتكيف مع احتياجات التلاميذ المتنوعة، بما في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة
.ــ التمويل والاستثمار: الاستثمار ورصد اعتمادات مالية ضخمة لضمان تنفيذ البرامج والمبادرات بشكل فعّال.
ــ البحث والتطوير:دعم الأبحاث في مجال التعليم وتطوير استراتيجيات جديدة مبنية على الأدلة لتوجيه الإصلاحات.
ــ التوجيه القيادي:يلعب القادة في مجال التعليم دورًا حاسمًا في توجيه عملية الإصلاح التربوي لمتطلبات فكرة القيادة بما تحمله من تحفيز واضح لدى المتعلمين.
المحور الرابع
الشراكات الفاعلة ومتطلبات الجودة: الأطر ( المدخل الاستراتيجي)والآليات ( الشفافية والنجاعة)
لقد آن الأوان لنعترف بقصورنا في تقييم أداء المشاريع ذات الصبغة التشاركية مع الجهات المانحة بحيادية ومهنية. لذا يجب أن نكون صادقين مع ذواتنا فليس كل ما أبرم من اتفاقيات شراكة في مجال التربية له وجه مشرق وإبداعي في تطوير الواقع التربوي. لذلك نحن بحاجة إلى فهم عميق حول الاستخدام الصحيح لعقود الشراكة بما يستجيب لحاجيات منظومتنا التربوية ويحترم الحد اللازم من الحوكمة الرشيدة لكي تكون هذه المشاريع بمثابة مساهمة فعلية في حل المشكلات التي تواجه واقعنا التربوي وليست مجرد نصوص ترتيبية ليس لها تجسيد فعلي في الواقع.
ومن خلال التعرّف على بعض التجارب المقارنة نجد سندا ودعما قويا لاعتماد اتفاقيات الشراكة كصيغة تستخدم في الاستفادة من الخبرات التربوية كمنجزات تساعد على استقراء الواقع التربوي بوسائل ومقاربات منهجية مختلفة. ومحاولة تقييم مثل هذه الاتفاقيات يتطلّب جهدا عقليا. والسبب يكمن أولا في شحّ المصادر التي تستوعب هذا القدر من الاتفاقيات في صلب وزارة التربية وما يقتضيه ذلك من جمع للبيانات وتحليليها للوصول الى التقييمات المناسبة. وثانيا أن اتفاقيات الشراكة تضم محاور وأنشطة داخلية مع فعاليات من المجتمع المدني كالهلال الأحمر والكشافة التونسية والمصائف والجولان بالإضافة الى الجمعيات ذات الصلة بالشأن التربوي كجمعية التمكين الشبابي التي تهتم بتعزيز مفهوم المواطنة ...كما تحيل إلى محاور خارجية لجهات مانحة كالاتحاد الأوروبي أو منظمة اليونسكو ...وهي تشجّع على الاقتداء بالتجارب الغربية مقابل تحسين البنية التحتية للمؤسسات التربوية من ذلك مثلا مشروع دعم جودة أساسيات التعلّم PREFAT أو مشروع برنامج التدخل النوعي PIQ أو البرنامج الرباعي M4D ...
وبما أن اتفاقيات الشراكة عادة ما تنبثق منها أهداف فرعية ، تتلخّص في متابعة المشروع وخطوات الانجاز ، يمكننا أن نقيّم بدرجة مقبولة من الدقة ما يجري من جهد تشاركي منظّم امتد على عقود في صلب وزارة التربية استنادا الى مقياس SOFT: نقاط القوة /الضعف، المخاطر /الفرص. نقول ذلك لأن التقرير الأولي للجهة المانحة لمشروع PREFAT لم يخلو من انتقاد فأشار إلى نقطة مهمة تتصل بمضامين الاستفادة والجدوى في شكل نفقات القسط الأول. فالصورة لم تكن محفّزة ولا مقنعة . ولتكن لنا الجرأة الكافية للقول بأن وزارة التربية لم تنجح إلى غاية اليوم في صياغة تقييمات مرشدة من أجل تطوير المعرفة والفهم بدور الشراكات وتحصين مواردها البشرية من التجاوزات التي ظلت نقاطا سوداء لعل أبرزها سوء التصرف في إدارة مشروع PREFAT ضمن قسطه الأول وفق الوثيقة الخاصة بالبنك الدولي للإنشاء والتعمير في تقرير تحت عدد: PAD2680 حيث ورد في الصفحة 10 منه ما يلي:
درجة الخطورة أصناف المخاطر

 عال
1. خطر في علاقة بالحوكمة

 كبير
2. خطر ذو علاقة بالاقتصاد الكلي

 كبير
3.خطر ذو علاقة باستراتيجيات وسياسات القطاع

 كبير
4. خطر ذو علاقة بالتصميم الفني للمشروع أو البرنامج

 كبير
5. خطر ذو علاقة بالقدرة المؤسسية للتنفيذ والاستدامة


إن مثل هذه التجاوزات تدعو سلطة الاشراف لا فقط إلى إعادة رسم تصور جديد حول نمط الشراكات وفق منظومة من الاجراءات الموجهة والمكرّسة للشفافية.
وقبل أن نشرع في دراسة هذا المجال التشاركي الذي يشمل دولا أو منظمات أو جمعيات تتبع منهج مناسب وموثوق به بهدف تطوير المنظومة التربوية في علاقة بالبنية التحتية أو الابتكار البيداغوجي أو اضفاء ديناميكية على الأنشطة الثقافية والصحية والرياضية ؛ نحتاج الى ترسيخ حقيقة هذا المفهوم والمبادئ التي يرتكز عليها. فماذا نقصد بالشراكة التربوية ؟ وما هي العوامل التي أفرزت هذا المفهوم؟وفيما تكمن جدواها؟
اتفاقيات الشراكة الدولية
تتسم وضعية الشراكات الدولية بتوفير خدمات لوجستية منها ما يتعلّق بتحسين البنية التحتية للمؤسسات التربوية سواء في مجال الصيانة أو الاحداث . ومنها ما تنفّذ برامج سلوكي يدمج متطلبات التجديد والابتكار البيداغوجي المحرز في الدول الغربية خاصة.
وإذا كنّا نقرّ باقتناعنا بأهمية التنسيق والانفتاح على مثل هذه الشراكات ، فإن ما هو مثير للاهتمام بالنسبة لوزارة الإشراف أن هذا الجهد الذي يعاضد مسؤولية الدولة في تحسين وتوفير خدمات تربوية ذات جودة عالية ، لا يرتكز على إستراتيجية واضحة. فبالرغم من تعدد المشاريع ، فهي لا تتوفر على رؤية لأهداف تسعى إلى تحقيقها . وإن توفّرت الأهداف في بعضها ، فإنها تتعطل بمجرد انتهاء التمويل مما يؤدي الى هدر كبير في الطاقات. هذا بالإضافة إلى اختلال التوزيع الجغرافي للمؤسسات المعنية بالصيانة أو التوسعة أو الاحداث.
هذا الوضع يدعونا إلى التنصيص مرة أخرى أن اتفاقيات الشراكة هي بمنزلة هياكل قانونية تسمح للطرف الموقّع مع وزارة التربية الانفتاح على المؤسسات التعليمية ومحيطها السوسيوــ اقتصادي فضلا عن التجارب المقارنة لمجابهة التطور والتحوّل الذي يسري في نوعية المقاربات البيداغوجية ومسالكها لضمان تدريب أجيال جديدة منسجمة مع روح العصر.
وما هو مربك في مراحل توقيع اتفاقيات الشراكة تلك النزعة الاستحواذية المركزية التي تجعل من السلطة التقديرية غير مؤهّلة على تجويد بنود الاتفاقيات المقترحة من الجهات المانحة أو تعديلها بما يتناسب مع توجّهات الوزارة والمصلحة الوطنية، فضلا عن غياب المتابعة لضمان حوكمة الانجاز والتطبيق. وهو معطى ثابت يعاد تشكيله باستمرار ليفتح أبواب الفساد كما هو معلوم في اتفاقية دعم وجودة أساسيات التعلّم الذي فتح فيها تفقد إداري ومالي. ولأن غايتنا من هذا العمل في أبعاده المختلفة يهدف إلى تمكين اتفاقيات الشراكة من الاسهام الفاعل في جهود التنمية للمؤسسات التربوية سنعرض بعض النماذج الخاصة والمميزة لهذا الصنف من الشراكات على قاعدة التقييم الجدي الموازي لما هو مضمّن في بيانات وزارة التربية:
مشروع تدعيم أسس التعلّم
ورد في الوثيقة الخاصة بالبنك الدولي ، الإطار القانوني والمضمون البرامجي الذي ينبني عليه المشروع كما يلي:"تتمثل أهداف المشروع في تحسين ظروف التعلم في المدارس التمهيدية والمدارس الابتدائية العامة (الحكومية)، و تحسين فرص الوصول إلى التعليم التمهيدي العام في مناطق مختارة" .
الإطار التشريعي للاتفاقية
بمقتضى الأمر الحكومي الصادر في 08 ديسمبر 2020 تم احداث وحدة التصرّف حسب الأهداف بوزارة التربية لانجاز مشروع دعم جودة أساسيات التعلّم . وطبقا لاتفاقية القرض المبرمة بين الجمهورية التونسية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير بقيمة تقدّر بــ 81,2 مليون يورو في 06 جوان 2018 والمصادق عليها من قبل المؤسسة البرلمانية في 15 جانفي 2019 شرعت وزارة التربية بالشراكة مع البنك الدولي في مجابهة تحديات أساسية التعلم وذلك من خلال العمل على:
ـــ تحسين الجودة وفرص الوصول للتعليم التمهيدي العمومي
ـــ تحسين ظروف التعلّم في المدارس الابتدائية العمومية
ـــ دعم الممارسات الإدارية في قطاع التعليم
ــ دعم إدارة المشروع
ولأن الارتقاء بنسب التحاق التلاميذ للتعليم التمهيدي العمومي ومضاعفته من أجل الوصول إلى التعميم الكامل الذي تستوعب فيه المؤسسات التربوية كل الأطفال من الفئة العمرية 5 سنوات ليس مجرّد رهان كمي بل يتّصل كذلك بما هو كيفي وملائمة معايير الجودة والتنافسية ، فإنه يستدعي إشراك المؤسسة التربوية في بعدها الإداري وإخضاع المدرسين الى التدريب اللازم ووضع معايير خاصة بهذه المرحلة.
استناداً إلى بيانات عام 2017 المقدمة من قبل وزارة التربية، يشمل المستفيدون المباشرون من المشروع 000 144 1 طالب يزاولون تعليمهم بالمرحلتين التمهيدية والابتدائية و 64.000 معلم في التعليم الابتدائي العمومي سيستفيدون من خلال تحسين فرص التطوير المهني؛ و 5360 مدير مدرسة ونائب مدير؛ و 615 متفقدا و 850 مرشدا بيداغوجيا . غير أننا قبل أن نخطو هذه الخطوة سنجد أن هناك حاجة ماسة لحسم التداخل الحاصل بين مفهوم الاصلاح ومفهوم التغيير . هنا تثار الأسئلة ويجاب عليها فيما يتعلق برؤيتنا: ماذا نريد على وجه التدقيق ، اصلاح منظومتنا التربوية أم تغييرها؟ بمعنى آخر هل يتحقق الفعل التجديدي من خلال نافذة الاصلاح أم التغيير الجذري بما يحتمله من قطيعة مع ما كان سائدا؟
هذا التمييز يؤثر وجوبا على اتجاه التخطيط الاستراتيجي واستدامته من الوجهة النظرية والعملية. وهذا أمر تجاهلته وزارة التربية في إشارة صريحة الى غياب التقدير المستقبلي لتصنيف الفعل الذي تروم مباشرته في علاقة بالمنظومة التربوية . فعندما تطرح مثلا مسألة تعصير المؤسسات التربوية وتطويع الفضاء لتعلمات تفاعلية تقطع مع النمط القديم؛ ليس ثمة تشخيص فعلي للكلفة التي يتطلبها مثل هذا التدخل وسبل اذابة عائق مصادر التمويل .لذلك فإن تفعيل مشروع صندوق التربية الذي تم المصادقة عليه ضمن قانون المالية للسنة الحالية (2024)، يمثّل مبادرة مجدية تفسح المجال الى فعل تدريجي ينعش ما اصاب الموازنة المالية لوزارة التربية من قصور بسبب الحجم المشط لكتلة الأجور. هذا التوالد المستمر لمصادر التمويل الذي يجب أن يبذل من خلال نصوص تشريعية لصالح منظومة التربية والتعليم يعدّ مدخلا ضروريا يفتح لخيارات استراتيجية نستطيع أن نتصورها من خلال مرآة الواقع وليس الخيال. أما الزمن المدرسي وتوزيعية ضارب المواد فقد جرى التداول فيه دون قدرة على اتخاذ قرارات بسبب غياب الاستشارة المجتمعية التي لا بد أن تحدد خيارات الصياغة الجديدة. ولعل الاستشارة الوطنية الالكترونية حطّمت القوالب والنماذج القديمة بناء على مؤشرات وبيانات احصائية تحظى بصلابة موضوعية أثناء مباشرة التعديل.فما أحوجنا اليوم أن تكون القواعد والمبادئ التوجيهية لإصلاح المنظومة التربوية ، تهتدي بمخططات إرادة التصميم الجماهيري على نحو الأغراض التي دفعت السيد رئيس الجمهورية لإطلاق الاستشارة الوطنية. لأن وجهتنا ليست من المعطيات المعروفة مقدما بل انها تنزع الى غير أننا قبل أن نخطو هذه الخطوة سنجد أن هناك حاجة ماسة لحسم التداخل الحاصل بين مفهوم الاصلاح ومفهوم التغيير . هنا تثار الأسئلة ويجاب عليها فيما يتعلق برؤيتنا: ماذا نريد على وجه التدقيق ، اصلاح منظومتنا التربوية أم تغييرها؟ بمعنى آخر هل يتحقق الفعل التجديدي من خلال نافذة الاصلاح أم التغيير الجذري بما يحتمله من قطيعة مع ما كان سائدا؟
هذا التمييز يؤثر وجوبا على اتجاه التخطيط الاستراتيجي واستدامته من الوجهة النظرية والعملية. وهذا أمر تجاهلته وزارة التربية في إشارة صريحة الى غياب التقدير المستقبلي لتصنيف الفعل الذي تروم مباشرته في علاقة بالمنظومة التربوية . فعندما تطرح مثلا مسألة تعصير المؤسسات التربوية وتطويع الفضاء لتعلمات تفاعلية تقطع مع النمط القديم؛ ليس ثمة تشخيص فعلي للكلفة التي يتطلبها مثل هذا التدخل وسبل اذابة عائق مصادر التمويل .لذلك فإن تفعيل مشروع صندوق التربية الذي تم المصادقة عليه ضمن قانون المالية للسنة الحالية (2024)، يمثّل مبادرة مجدية تفسح المجال الى فعل تدريجي ينعش ما اصاب الموازنة المالية لوزارة التربية من قصور بسبب الحجم المشط لكتلة الأجور. هذا التوالد المستمر لمصادر التمويل الذي يجب أن يبذل من خلال نصوص تشريعية لمصلحة منظومة التربية والتعليم يعدّ مدخلا ضروريا يفتح لخيارات استراتيجية نستطيع أن نتصورها من خلال مرآة الواقع وليس الخيال. أما الزمن المدرسي وتوزيعية ضارب المواد فقد جرى التداول فيه دون قدرة على اتخاذ قرارات بسبب غياب الاستشارة المجتمعية التي لا بد أن تحدد خيارات الصياغة الجديدة. ولعل الاستشارة الوطنية الالكترونية حطّمت القوالب والنماذج القديمة بناء على مؤشرات وبيانات احصائية تحظى بصلابة موضوعية في أثناء مباشرة التعديل.فما أحوجنا اليوم أن تكون القواعد والمبادئ التوجيهية لإصلاح المنظومة التربوية ، تهتدي بمخططات إرادة التصميم الجماهيري على نحو الأغراض التي دفعت السيد رئيس الجمهورية لإطلاق الاستشارة الوطنية. لأن وجهتنا ليست من المعطيات المعروفة مقدما بل انها تنزع الى تحيل إلى حدوث فساد في الشيء ، ومن ثم تؤول قضية الإصلاح فيه إلى الرجوع به إلى الحال الذي كان عليها قبل حصول الفساد فيه؛ فإن المعنى الذي يحيل اليه اللفظ المستعمل في هذا المعنى لـيس réforme بل réparer . إما إذا استخدمنا لفظ réforme فإن المعنى سيصبح إعطاء الشـيء صـورة جديـدة وشكل آخر غير الشكل الذي هو عليه.
هذا التباين الواضح بين المعنى اللغوي للفظ الإصلاح ومعنى اللفظ الذي يقابله في اللغة الفرنسية ، يشير إلى أن المقصد الذي نرنو اليه من اصلاح المنظومة التربوية ليس مجرد عملية استرجاعية في نسق التفكير بقدر ما تؤدي الى بناء نموذج جديد أو إعادة تشكيل جديد من أجل إعطاء الوضع صورة أحسن وأفضل بصرف النظر عن صورته الأولى . أي أن الاصلاح بما هو قدرة على بناء فعل تجديدي في حقل التربية يتشكل وفق مسار خاص يهدف الى التحسين والتهذيب انطلاقا من تصور خاص يتنزل كمهمة عملية في سياق النسق المتطور تاريخيا. وهو ما يعني أنه يتضمن أسس نظرية تقوم عليها منهجية عمل تعلن ابتداء أن فعل الاصلاح ليس مجرد ترميم بقدر ما هو اختيار عقلاني نشيط لإعادة البناء.
فهل نحن اذن مدعوون للاقتداء بالمعايير الدولية أم أن ثمة خصوصية تدعونا لاستنباط معاييرنا الخاصة ؟ هل الاهتمام يجب أن ينصب على مطلب التطور أم الى العمليات التعليمية ذاتها؟
وهل نحتكم الى ذات الاستراتيجيات أم أن لكل مجتمع توجهات ثقافية يسترشد بها أثناء عملية التطوير؟ بمعنى آخر أي فلسفة تربوية نريد ؟ وهل هناك نشاط بحثي وطني في الغرض أم أن الأمر لا يزيد عن كونه ضرب من المحاكاة والانبهار بالآخر ؟
رهانات الجودة ومأزق النشأة
يبدو أن مواءمة متطلبات الاصلاح التربوي مع ما يتطلبه الواقع من معرفة لازمة لتطوره اقتصاديا واجتماعيا وتقنيا وحضاريا هي الزاوية التي يجب أن تكون منطلقا للاستهلال .وهو معطى يضعنا إزاء مدخل تاريخي يقيّم هل نجحنا فعلا في وزارة التربية في احترام معايير الجودة.
وقد يجد القارئ نفسه منكرا لسردية وزارة الاشراف الداعمة لحضور الجودة .وكلنا يتذكر سلبية الوضع الناشئ عن أزمة الكوفيد وانقطاع الدروس السالب للمعرفة دون امتلاك استراتيجية ناجعة وفعالة للتعامل مع هذا الوضع الجديد.
ولعل ابرز أسباب غياب الجودة وأهمها وأوثقها صلة بواقعنا التربوي الانتقال الرقمي الذي ظل حتى يومنا هذا عائقا اجرائيا يفكك كل خططها ونظمها.
يتحوّل أفق الجودة والرقمنة في نظمنا الادارية إلى نشاط شكلي صاخب عند الجمهور المتلقّي، عندما نعرف أن كل وزارة لا زالت تعتمد على تطبيقات رقمية خاصة معزولة عن غيرها من الوزارات مما يجعل مزايا الذكاء الاصطناعي الذي يسجّلها واقعنا المعاصر عالميا غير ممكنة الاستغلال ما لم يكن للدولة الادارة التونسية مركز بيانات Data Center. ذكاء اصطناعي بلا قاعدة بيانات يبقى قوة حيوية معطّة وأهداف بلا جدوى لا أهمية لها لأنها غير قابلة للتطبيع على أرض الواقع.
هنا يمكننا أن نقارن مستوى التعليم الرقمي الذي قطعناه بغيرنا من الدول. وإذا أردنا التعرف على واقع الثورة التعليمية الرقمية والتكنولوجية في مؤسساتنا التربوية ومحاولة الوقوف على التحديات التي تعيشها منظومتنا التربوية ، لنقم جولة في الأرياف وجهات الداخل بل وفي ضفاف تونس المدينة بسيدي حسين والسيجومي والعقبة والملاسين ... سنرى صورة التعليم الرقمي تنطق بنفسها.
والغريب أن الكل أضحى يعترف بأن الرقمنة تتربع على عرش فكرة التنافسية لأن المعرفة أضحت مرقمنة وما يتطلبه ذلك من تحيين للأهداف التعليمية ومناهجها وتغيير طرائق التدريس وفق ثنائية التكنولوجيا والتعليم بالتكنولوجيا.
الخاتمة
وفق ما سبق جاء هذا العمل لوضع رؤية وتصوّر ارشادي حول مشروع الاصلاح التربوي وبيان أهمية المقاربة الاستراتيجية المتبصّرة التي تنطلق من فهم صحيح للمشكلات التي تعانيها منظومتنا التربوية وفق متطلبات الجودة كأحد الشروط الأساسية لكسب التنافسية. الأمر الذي يستوجب قيادة تربوية واعية وقادرة على رؤية الأبعاد الحقيقية للتقدم وعلى أداء أدوارها المطلوبة وفق سياسة تربوية تنسجم مع تطلّعات الثورة التي تعتبر التعليم نواة أساسية تمكّن الدولة التونسية من ملاحقة المتغيرات في شتى مجالات الحياة وتستشرف مستقبل مجتمع المعرفة وتحدياته.
وفي إطار السعي لتبسيط رؤيتنا ثمة عددا من التوجيهات يمكن التذكير بها:
ــ إن الاصلاح التربوي في تصورنا هو عملية محددة الأهداف لكنها ليست عملية خاضعة لنفس أنماط وأساليب الاصلاح السابقة والمعتادة. لأنها تقاوم كل مقاربة سطحية أو تجزيئية وترمي إلى اعتماد المدخل الاستراتيجي كآلية ووسيلة تتيح استيعاب واقع منظومتنا التربوية وآفاقها استجابة لمتطلبات روح العصر الذي حوّل العملية التعليمية بنيويا من خلال الاعتماد على الوسائط التكنولوجية.
ــ من الضروري أن تراعي عملية الاصلاح مفهوم الجودة لبلوغ درجة التقدم الذي وصلت اليها المجتمعات الغربية وكسب رهان التنافسية.
ــ إن الاصلاح التربوي الذي ندعو اليه يجمع بين التحديث والتنمية لذلك فرؤيتنا تتضمن محاولة لإدخال مسلك التكوين المهني والمراهنة على اليد العاملة المختصة والوسيطة الخالقة للثروة. اننا نستهدف نموذج تربوي يستفيد من منجز نظم التكنولوجيا لبناء مجتمع غير تقليدي ومتقدم اقتصاديا من خلال يد عاملة مختصة متكاملة ومستجيبة لأساليب الحياة المعاصرة.
ــ ان الاصلاح التربوي الذي ندعو اليه يرفع لدى المتعلم الاحساس بمبادئ المساواة والحرية والاختلاف ومجتمع القانون ولكن قبل ذلك الاندماج والتلاحم مع القيم الوطنية والهوية العربية الاسلامية .
غير أن هذا كله صحيح فيما يدل عليه من أزمة تعاني منها منظومتنا التربوية ولكنه لا يكاد يفي في تعليل القضية من جميع نواحيها. لذلك يجب أن نعود أدراجنا الى النقطة الأساسية التي نعتبرها قد وضحت في أثناء أطروحتنا ونقصد بذلك تمازج المدخل الاستراتيجي ومدخل الجودة.
هنالك ، بكل تأكيد ، جانب آخر لهذا التضامن بين المدخلين ألا وهو الحوكمة التي يجب أن تبحث عن مكامن الفساد الإداري وتقطع معه من خلال تغيير بعض التشريعات الناظمة للعملية التربوية. ويجب أن نذكر هنا أن هناك تغييرات كبيرة يجب انتهاجها لا تقل أهمية من الناحية الاجرائية عن الأساس الثابت للمدخل الاستراتيجي.
إن الموازنة الحقيقية للإصلاح التربوي لا تكون دون المراهنة على مسلك التكوين المهني. تعليم بدون تكوين كسلعة مغشوشة سعرها باهظ ونفعها محدود. إن مغزى رؤيتنا التي قدمناها لها جذور عميقة لعوامل تطور مجتمعي له اقتصاد راكد ولكن يمكنه أن ينتعش من خلال الايمان بالدلائل العظيمة الأهمية في طريق التكوين المهني الذي يسلكه وأدواره الفاعلة في بناء اقتصاد وطني مستقل.
ونوصي في خاتمة عملنا بالاتي :
ينجز مشروع الاصلاح التربوي من خلال احترام جملة من المراحل المترابطة فيما بينها باعتباره يشمل كل عناصر النظام التربوي.
وبحكم هذه الأولوية المطلقة للإصلاح التربوي يجب أن تحترم في تكويناتها الأساسية حلقات ذات طبيعة مختلفة نعتبرها شرط أساسي لتماسك المشروع و هي:
حسب صيغة المدخل الاستراتيجي التي اقترحناها يجب أن نشرع في تشـخیص نقـاط الضـعف في المنظومة التربوية وتحدیـد الأولویات والعوامـل المسـؤولة عـنه.
ــ تقویم الواقع التربوي الذي يتدخل بمضمون الحياة الاجتماعية بدءا من توفير النقل المدرسي والمطاعم والرعاية الصحية والنفسية خصوصا لذوي الاحتياجات الخصوصية والعمل على تصحيح المسار بالتطوير وتقويم الواقع على ضوء المعايير التي تشتق من أهداف التربية واتجاهاتها المعاصرة. إن نقـص الهیاكـل والوسـائل والإمكانیـات وعـدم تـوفر الوسـائل الضـروریة التي لها تأثير تعاقبي على العملیـة التربوية، كلهـا عوامـل تـؤثر علـى أداء المدرسـة. وهي قضايا أساسية لفهم مسار الاصلاح في مظاهره البنيوية.
ــ تشبيك العملية التعليمية وتغذيته بمناهج جديدة في التقييم ذات صلة بالبيداغوجيا الفارقية . فبقدر أهمية الإحاطة بحصص التكوين التي يشرف عليها السادة المتفقدون، هناك مسوّغات قوية تدعم التطلّع نحو التطوير لاستيعاب أساليب تغذية جديدة متباينة مع الطرق التقليدية. إن علم النفس المعرفي يطرح علامات استفهام جدية حول الإصلاح البيداغوجي لأن الاعتماد على طرائق التحصيل الدراسي Compétences Processus اضحت شبه تعليم ميكانيكي. اننا بحاجة إلى تعليم لحل المشكلات يكون فيه المتعلم قادرا على الوعي بأدوات تعلّمه Apprentissage significative وهو ما يفرض تطوير للميتا معرفة التي ترتبط بسيكولوجية الذاكرة و تعتمد على المراقبة الذاتية Autocontrôle والضبط الذاتي Autorégulation لننتهي إلى التفكير الذاتي Autoréflexion أو ما يسمّى باليقظة الذهنية La surveillance mentale.
وهو ما يستدعي الاهتمام بكفاءة المربين و تحفيزهم على التجديد. ويعتبر الأمر القاضي بتسوية وضعية النواب بالمدرسة التونسية مظهرا لممارسة ثورية سيولد منها دافعية للتجديد البيداغوجي فضلا على حسم للعديد من المشاكل الاجتماعية التي كان يعاني منها النواب فضلا على وضعهم الإداري والتنظيمي الجديد الذي يخوّل لهم التمتع بالإحاطة البيداغوجية
ــ مراجعة المناهج المدرسية حسب مسايرتها للتحولات الوطنية والعالمية والتغيرات التكنولوجية.
ــ تحدید الأهداف المرجوة من عملیة الإصلاح كمراجعة أســالیب التدريس والوســائل التعلیمیــة واختیــار نظم تقــویم مبتكرة.
ــ الاعتماد على أنشطة تمهيدية مصاحبة للإصلاح.
ــ متابعـة التجارب الدولية المقارنة و اسـتطلاع الإصــلاحات التربـوية الناجحة مــن خـلال نظــام یعتمـد علــى التغذیة المرتدة التي تراعي خصوصية واقعنا التربوي.
ــ تطـو یر أسـالیب التقـيیم ( التقييم التكويني ، التقييم التشخيصي ، التقييم الذاتي ، التقييم التلخيصي أو الختامي...)
ـ المراهنة على مسلك التكوين المهني وتحيين التخصصات بما يتلاءم مع سوق الشغل والتطور التكنولوجي.
المصادر والمراجع:
1 ـ احصائيات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء الجمعة 15 نوفمبر 2024، في تقريره الخاص بالثلاثي الثالث من السنة، عن معطيات تعكس ارتفاعا لافتا في نسبة بطالة حاملي الشهائد العليا، التي وصلت إلى 25.0% ويقدم التقرير صورة شاملة عن سوق العمل في تونس، مع تسليط الضوء على تفاوتات في البطالة بين الجنسين والفئات.
2-B .G.Peters, American Public Policy: Promise and Performance, 11th ed. (Thousand Oaks, CA: Sage, 2018), p. 9.
3 ـ جامعة وهـران 2 كلية العلـوم الاجتماعية قسم علم النفس والأرطوفونيا. السـنة الجامعية: 2017/201
4 ـ نفس المرجع ، ص 122
5 ـ المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية .كرّاس المنتدى عدد5 ،جانفي 2022
6 ـ نفس المرجع ، عادل بنعثمان ،مناهج التعليم في تونس: أيّ خيار لضمان جودة مخرجات المؤسّسة التّربويّة؟ ص 83ـ84
8 ـ استاذ التربية المقارنة المساعد كلية التربية – جامعة الفيوم
9 ـ د. حسنية حسين عبد الرحمن عويس دراسة مقارنة لاختبارات التقييم الدولية وتحقيق الميزة التنافسية لمدارس التعليم الأساسى فى الصين والنرويج واليابان وإمكان الإفادة منها فى مصر. الشاهد ورد في الملخص ص 1 . كلية التربية – جامعة الفيوم
10 ـ محمد كرّو. التعليم التونسي بين الحاضر والمستقبل ، مطبعة التراقي ، نهج القاهرة. تونس ط1 سنة 1955،ص 9
11 ــ نفس المرجع ، الفصل الأول: نظرة عامة في تعليمنا الحاضر.ص 11
12 ـ أسس المدرسة الحربية بباردو سنة 1840
13 ـ يعتبر أول من أدخل تعديلات أفضت إلى تحديث المدرسة الصادقية
14 ـ أفرد دراسة قيمة حول سبل تطوير التعليم من كتاب المقدمة ، الفصل السادس .
15 ـ زيجمونت باومان . تر، حجاح أبو جبر.الحداثة السائلة. الشركة العربية للنشر.ط الأولى 2016
16 ـ أنظر إلى تصريح منير حسين الباحث لدى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية FTDES
17 ـ إحصاء أصدرته وزارة التربية يوم 15 جوان 2017 تحت عنوان «الإحصاء المدرسي للسنة الدراسية 2016 - 2017»
18 ـ مصطلحPISA هو اختصار لـ: The Program for International Student Assessment وتعني : البرنامج الدولي لتقويم التلاميذ.وهو مسح دولي يدار من قبل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية Organization for Economic Cooperation and Development منذ سنة 2000في مهارة القراءة والرياضيات اعتمادا على مقاييس ومؤشرات دقيقة.
19 ـ مصطلح TIMSS هو اختصار لـ: Trends in International Mathematics and Science Studyويعنى بتقييم مكتسبات التلميذ في مادتي الرياضيات والعلوم والذين تتراوح أعمارهم بين (10-11 سنة) و (14-15 سنة) . وتتولى l’«International Association
Achievement for the Evaluation of Educational الإشراف على هذه الاختبارات.
20 ـ لحسب تقرير PIZA لسنة 2015 يقدّر عدد الدول الأعضاء بـ 35 دولة.
21 ـ الاصدار السادس مثلا من دراسة PIZA أولى قيمة خاصة على التحصيل العلمي.
22-Pillard S., La certification, leurre ou nécessité pour l’obtention de la qualité orientée client – Le cas du Crédit Agricole Anjou-Maine, mémoire CNAM d’ingénieur en organisation, Paris, 2003

23 ـ تقرير البنك الدولي للإنشاء والتعمير ـ وثيقة تقييم المشروع بخصوص قرض مقترح عدد PAD2680 ، القسم 2 تحت عنوان وصف المشروع.
24 ـ يمكن العودة أيضا إلى نفس المرجع السابق الذي ضمّن نفس المعطيات الواردة بالفقرة بـ من وصف المشروع تحت عنوان: المستفيدون من المشروع



#رضا_لاغة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحلم الصيني
- الاشتراكية ذات الخصائص الصينية واستحقاقات المستقبل
- تشي جين بينغ والمعجزة الصينية
- شخصية الرئيس قيس سعيّد وسيكولوجية السلطة في تونس
- الرئيس قيس سعيد ونظام الحكم في تونس
- #الجيوبوليتيكا الجديدة:العلاقات العربية مع جمهورية الصين الش ...
- الديمقراطية في مواجهة الشمولية
- النزيف الاقتصادي ...واحتمال الكارثة في تونس
- تحولات فعلية بين الماقبل والمابعد
- قراءة في خطاب السيد رئيس الجمهورية
- محاولة في اكتشاف المسارب الأنثروبولوجية للرعب الميثولوجي
- الرّعب الميثولوجي
- المشروع الوطني في تونس والسيادة الجديدة
- الانتخابات في تونس وسفينة المصالح بين جاذبية المشروع الوطني ...
- ثقافة بدئيّة نحو فهم حركة الشعب و المشروع الوطني
- الخيار الثوري و أزمة المسار الإصلاحي في تونس
- تونس والوجه الآخر للديمقراطية
- ملاحظات تمهيدية : تونس بين رهان التحديث ومأزق الهوية
- عن بعض خصائص الأزمة في مفهوم الدولة الأمة كهوية وطنية
- ملامح أزمة الدولة الأمة في الفكر القومي العربي


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رضا لاغة - فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا