|
|
الزلط والزطلة
عذري مازغ
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 22:11
المحور:
الادب والفن
عادة أجمل الذكريات هي هذه التي تثير فيك فيضا من المشاعر بغض النظر عن سلبيتها أو إيجابيتها، تلك التي تثير فيك حنينا ما: أمارك أيمارك! أماراك داذاخثويث أماس انييض أورذاترران إكوذار أولا ثيفلوين. ( الشوق ياشوق ياشوق تأخذني في وسط الليل لا توقفك الجدار ولا سقوف الخشب) أغنية أمازيغي قديمة عادة الإبداع الكتابي عندي يفترض غيوما عديدة، أحزانا خصبة، تلك التي تفتعل في دواخلي، واليوم سأعترف بأمور لم أعترف بها سابقا، أجمل لحظات الحب عشتها في مراهقتي وشبابي، كان شعورا رائعا رغم غياب الاحتكاك الفعلي بالجنس الآخر، كان الحب عبارة عن كومة من المتمنيات الصادقة المكبوتة في نفس الوقت،كانت النساء من نفس عمري رائعات الجمال، تفاحات ناضجات ملهمة للقطف، كان النضج الجسدي أهم ملهم في المرأة وليس الجمال، لم يكن الجمال سوى آية محمودة للتمييز أما النضج فكان أساسيا، لذلك عادة ما نتكلم في لحظة زطلة عن المفاتن، امتلاء الجسد، بروز الصدر، فتنة الحوض وهو عادة ما تبرزه النساء في الرقص الشرقي، امتلاء الفخدين والنص بشكل يوحي بالقطف واللمس، في الشباب كانت كل النساء جميلات بغض النظر عن ملامح الوجه، في تلك الفترة أيضا لم أحظى بأية امرأة رغم هذا التوهج من النضج، كانت معايير المجتمع قاسية في وقتنا، كان الحصول على امرأة يفترض وضعا طبقيا مريحا وكنت أنا في وضع غير مريح،ابن عامل منجمي يملك منزلا تابع للمنجم ويملك أيضا عقارا لبناء منزل بالمدينة القريبة، عقار لم يكتمل بناءه فيما بعد، كانت أسرتنا كثيرة العدد بشكل يلهم بالفقر المدقع: في دراسة أممية لخبير ياباني قضى بعض بحثه في أفغانستان أوحى إلى أن الكثرة في الأسرة تفرضها الغريزة، الفقر يفترض غريزيا كثرة العدد لأجل كثرة الدخل في المستقبل وحتى في النباتات، قطع جذع شجرة ما يولد جذوعا كثيرة. وبديهي أن يكون الأمر غريزيا بشكل يناقض مفهوم الأسرة البورجوازية التي تفترض مبدأ التخطيط العقلاني. في وضع طبقي تتحكم فيه الغريزة أكثر من التخطيط العقلاني، لم أكن ناجحا في اختيار رفيقة ما، كانت كل اختياراتي خاطئة بشكل ساهم في تفاقم وضعي العاطفي تماما مثل وضعي الطبقي، الثقافة العامة كانت أيضا عاملا مساهما في وضعي العاطفي هذا، في وضع التلقي، أتكلم هنا عن تلقي معالم الجمال التي يفترض أنها تنمي ذوقنا، لم تكن أكثر من هالة تبعد ذوقك الطبيعي عن فهم ملامح النضج التي توحي بها فطنة "الزطلة"، ذلك الذوق الرفيع في فهم النضج: نضج تفاحة، وهذه الثقافة كرست مبدأ البعد عن كل ما هو ناضج،وبشكل خاص أن تترك ما هو متاح وتبحث عما هو ليس، كان تبحث عن مارلين مونرو وبريجيت باردو في صفحات مجلة "ماتش" وتترك الجارة "رقوش" الجميلة رغم تلميحاتها المستميتة رغم نضجها الجسدي ورغم امتلائها الفاتن، كان الكبت ذاتيا بسبب القناعة الثقافية التي كانت تحدد الجمال في مجلات "سيدتي" ومثيلاتها ممن يقلمن جلد التفاحة الناضجة، كنت عالقا في تفهم جمال بعيد تلقيته من خلال الثقافة السائدة بينما الجمال الحقيقي الناضج كان في ابنة جارنا العامل مثل والدي، هذا النمط من التعلق في جمال مستبعد كان تتعلق به أيضا نساء القرية المنجمية بنات العمال. كان الوعي الطبقي من خلال عملية تجريد فائقة، من خلال التلفزيون والمجلات مرفوعا عن وعينا الحقيقي، كانت الأسماء الحنونة من خلال وعي مقلوب هي أسماء تلك الشهيرات على صفحات المجلات وتشبه إلى حد كبير أسماء القطط والكلاب الصغيرة الأليفة، كنت اعشق ابنة مهندس منجمي، في عرفنا الطفولي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، لكن في الحقيقة أبوها المهندس أجير مثل والدي بتفاوت كبير في الأجر، كانت حنان جميلة بمعيار الثقافة المستوردة برغم أنها ليست ممتلئة كما التفاحة الناضجة، كانت ملابسها الراقية تظهر سحنتها الجسدية من خلال الفتحات الجانبية، لم تكن ممتلئة كالتفاح الناضج لكن جزء من جسمها تظهره تلك الفتحات، كانت ممانعة ومترفعة وهذا كان ما يعجبنا في المرأة، كانت مغامرتي هي أن أفوز بقلبها برغم التفاوت الطبقي، وكان هذا بسبب ما ممتنعا بسبب الحاجز الطبقي، لم أكن أجرأ أن أكلمها حتى في اللحظات المتاحة عكس رقوش ابنة العامل التي كانت متاحة، حتى أبوها لم يكن يمانع أن أنفرد بها، ومع ذلك كنت أنا بعمي بصيرة أبتعد من قربها، في كثير من المراة أشعر بذنب عميق في حق ذاتي وفي حق "رقوش”: أنا من كبت ذاتي تعلقا بثقافة ليست ثقافتي الحقيقية. في إحدى المراة، وفي ملهى ليلي بأكادير، قابلت امرأة نرويجية تكبرني بسنتين، تواصلت معي بالإشارات، فهمت منها أني ناضج ويعجبها جسدي وحاولت أن أخبرها بالإشارت أيضا أن جسدها ناضج كالتفاحة ويعجبني، أمضينا قسطا من حوار الإشارت الممزوج بسوء فهم والضحك، وانتهيت معها في فراش، في الصباح أعطتني مالا ونطقت بلغة فرنسية: ذو الشعر الأسود، تمتمت في دواخلي: أقحبي إيغوذان (الزاني الجميل). لمدة ثلاث سنوات كانت تراسلني وتبدأ رسالتها: "إلى ذي الشعر الأسود". لم أكن أرد على رسائلها بسبب خلفية محلية: لا يمكن ان أرتبط بامرأة تكبرني سنا. "الزلط" تعبير مجازي عن الفقر المدقع في المغرب، عادة في كل حياتي أنا أجير، بائع قوة عمل بالمعنى الماركسي، لكن طفولتي أكثر فقرا من كوني عامل أجير، في المدرسة مثلا، في امتحان الشهادة الابتدائية وكان هذا الامتحان يجرى في مدن بعيدة عن مسكن اهلنا، كنت امضي هذه الامتحانات في جو غريب، مثلا كان زملائي يستقبلون من ذويهم في باب المدرسة أثناء فترة الاستراحة، وكان أهلهم يشجعونهم ويشترون لهم الحلوى والأكلات بينما انا ابن "حمو حزوظ"(حموا العريان) لا أهل يستقبلوني في فترة الاستراحة ولا نقد في جيبي، كنت أستقبل الإمتحانات بما حفظته ذاكرتي من تاريخ مزور وجغرافية مزيفة وبؤس استراحة، كنا نلتقي رفاق سبقونا إلى الثانوية بأسئلتهم الفجة: كيف أجبت عن السؤال كذا وكيف حللت المسألة الرياضية كذا؟ وكانت أجوبتنا بالنسبة لهؤلاء الرفاق تحدد مصيرنا. عدا هذا، لا زلت أتذكر كيف تمضي احتفالالت الأعياد الوطنية، حتى الآن، تمضي هذه الاحتفالات ب"زلط" مدقع، لسبب ما، ومن سوء حظي المطلق، وحتى الآن، يكون جيبي فارغ في هذه المناسبات، في طفولتي كان الأمر بسبب واقع الحال: أنا ابن أسرة فقيرة لا تهتم أصلا بهذه المناسبات، وبسبب من ذلك حتى في شيخوختي لا أهتم بالمناسبات هذه بشكل لا أدبر لأمرها بشكل خاص.
#عذري_مازغ (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تازروات: إرث الجدة العشرين
-
برج الخنزير البري
-
رمضان وصياح الديك
-
حول الثرثرة الرقمية
-
المجتمعات البغلانية
-
طعم آخر للفرح
-
فايسبوك -تانعيمالت-
-
هواجس وجودية
-
السخرية حين ترقص تلقائيا
-
المهرولون
-
الغباء الاستراتيجي
-
طريق الحرير الصيني الماركسي
-
معنى أن تكون شيوعيا في المهجر
-
ذو المعاشين
-
الجيل المهذب
-
تيوولين! (قلبيات أوالقلب بالقلب)
-
سجن في سبيل الله!
-
روميو وجولييت الأمازيغيين: -إيسلي- و-تيسليت-
-
الإضراب!
-
في فلسفة الألوان: ضد -تزميل- المجتمعات الإنسانية
المزيد.....
-
الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك
...
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|