أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - أزمة الوعي حين يتراجع العقل أمام الولاء الضيّق














المزيد.....

أزمة الوعي حين يتراجع العقل أمام الولاء الضيّق


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 11:22
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليست خطورة العصبيّة القبلية أو العائلية أو المناطقية في وجودها الاجتماعي بوصفها امتدادًا لتراث تاريخي أو روابط أهلية طبيعية، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية حين تجد من يشرعنها، ويمنحها الغطاء الفكري والسياسي والإعلامي. وعندما يحدث ذلك، فإن الخلل لا يعود خللًا اجتماعيًا عابرًا، بل يتحول إلى أزمة وعي عميقة تضرب بنية الدولة والمجتمع معًا.
في الأوقات الدقيقة، تُقاس قيمة النُّخب بدورها في حماية العقل الجمعي من الانقسام، وفي ترسيخ قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون. فالمثقف الحقيقي لا يُستدعى ليصفق للجماعة، بل ليقول كلمة الحق حين يصمت الآخرون. والأكاديمي لا تُمنحه مكانته ليكون شاهد زور على انحرافات المجتمع، بل ليُعيد النقاش إلى قواعد العلم والمنطق. والإعلامي لا يُنتظر منه أن يكون بوقًا، بل منصة للحقيقة والتوازن.
لكن المؤسف أن بعض النخب، بدلًا من أداء هذا الدور، اختارت الهبوط من فضاء الفكرة إلى ضيق العصبية، ومن سعة الوطن إلى حدود الانتماء الصغير. عندها يصبح صاحب الشهادة أسيرًا للقرابة، وصاحب المنبر رهينة للفئة، وصاحب الموقع العام تابعًا لمعادلات النفوذ والمجاملة.
وحين تنحاز النخبة، فإنها لا تنحاز بصمت، بل تمنح الانحياز لغة راقية ومبررات مقنعة. وهنا يكمن الخطر؛ إذ تكتسب العصبية وجهًا محترمًا، ويتحول الباطل إلى رأي قابل للنقاش، ويُقدَّم الانقسام بوصفه دفاعًا عن الحقوق، وتُستبدل الحقيقة بمعايير الولاء.
في هذه اللحظة، يتبدّل دور المثقف من مساءلة إلى تسويغ، ويتحوّل الأكاديمي من تحليل موضوعي إلى مرافعة منحازة، ويغدو الإعلامي ناقلًا انتقائيًا للوقائع. فلا تُشوَّه الحقائق فقط، بل يُعاد ترتيبها وصياغتها لتخدم سردية ضيقة، حتى يصبح الصدق وجهة نظر، ويغدو العدل خاضعًا للهوية والانتماء.
ومن منظور قانوني ودستوري، فإن هذا المسار يُشكّل تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الحديثة. فالدولة لا تقوم على الدم، ولا على العائلة، ولا على الامتيازات الموروثة، بل على مبدأ المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، والحقوق المتساوية للمواطنين دون تمييز. وكل خطاب يعيد المجتمع إلى مربعات العصبية إنما يطعن أسس السلم الأهلي ويُضعف الثقة بالمؤسسات العامة.
كما أن أخطر ما تُنتجه العصبيات حين تتبناها النخب، هو تقويض الكفاءة. إذ تُستبدل الجدارة بالمحسوبية، والخبرة بالمجاملة، والاستحقاق بالولاء، فتُغلق الأبواب أمام أصحاب الكفاءة، ويُفتح المجال أمام الرداءة المنظمة. وهنا يبدأ التراجع الحقيقي للدول والمؤسسات.
المؤلم في المشهد ليس أن يقع بعض العامة في هذا الفخ، فذلك يمكن تفسيره بضغوط الواقع وضعف الثقافة العامة، وإنما المؤلم أن يسقط فيه من يُفترض أنهم حراس الوعي ورواد الإصلاح. فهؤلاء كان ينبغي أن يكونوا الجسر نحو المستقبل، فإذا ببعضهم يتحول إلى حارس للماضي وأسير لمصالحه الضيقة.
ومع ذلك، فإن المجتمعات الحية تملك دائمًا فرصة التصحيح. فالنخب التي أخطأت تستطيع مراجعة ذاتها، إذا امتلكت شجاعة الاعتراف، وقدّمت المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية، وارتفعت فوق الانتماءات الصغرى نحو الانتماء الأكبر: الوطن.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى نخب شجاعة لا تخشى قول الحقيقة، ونخب مستقلة لا تُستدرج إلى الاصطفافات، ونخب تؤمن أن هيبتها لا تُستمد من قربها من الجماعة، بل من قدرتها على نقدها حين تخطئ.
فحين تسقط النخب في فخ العصبية، يتيه المجتمع وتضطرب البوصلة. أما حين تستعيد النخب رسالتها، فإنها تفتح الطريق أمام دولة القانون، ومجتمع المواطنة، ومستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحول التعددية السياسية إلى عصبية مقيتة
- ما بعد انتخابات المجالس البلدية والمحلية: من شرعية الصندوق إ ...
- بمناسبة يوم الأرض العالمي…
- الشرق الأوسط الجديد بين ترامب ونتنياهو: تحالف القوة وحدود ال ...
- مجسم نادي الفاضلية يتصدر طولكرم… وإطلاق اسم “جزيرة الفاضلية” ...
- الانتخابات المحلية الفلسطينية: اختبار الإرادة الشعبية بين ال ...
- نظام التفاهة وتحولات القيادة العالمية: مقاربة في ضوء الممارس ...
- الانتخابات البلدية بين وعي الاختيار ومتطلبات المسؤولية
- أموال المقاصة بين الالتزام القانوني والاشتراطات السياسية
- المخيمات الفلسطينية بين إعادة الهندسة الجغرافية ومحاولات إسق ...
- السلطة الفلسطينية بين حصار المقاصة وتآكل الوظيفة: نحو انفجار ...
- إشكالية توظيف النص الديني في الخطاب السياسي وانعكاساته القان ...
- في يوم الأسير الفلسطيني: نحو مساءلة دولية وإنصاف قانوني مستح ...
- تحولات ما بعد هرمز: تآكل عقيدة الحسم الإسرائيلية وإعادة تشكي ...
- غضب داخل إسرائيل بعد وقف إطلاق النار في لبنان: أزمة قرار وتد ...
- الديون المتراكمة على بلدية طولكرم: بين اختلالات الهيكل المال ...
- مفاوضات تحت النار: هل تُعيد واشنطن رسم قواعد الاشتباك بين لب ...
- صراع الكرامة من أجل لقمة العيش: قراءة قانونية واستراتيجية في ...
- انتخابات المجر: تحولات الداخل ورسائل الخارج في ميزان الاسترا ...
- بعد فشل أوسلو والتوسع الاستيطاني: الدولة ثنائية القومية كخيا ...


المزيد.....




- جولة واشنطن الثالثة.. ماذا يريد لبنان وإسرائيل وحزب الله؟
- العثور على جثة جندية أمريكية مفقودة في المغرب
- قاضٍ أمريكي يعلق العقوبات المفروضة على ألبانيزي
- على السجادة الحمراء.. رئيس الصين يستقبل ترامب في قاعة الشعب ...
- إلغاء بناء أول -برج لترامب- في أستراليا.. ومطور المشروع لـCN ...
- -رُبَّ ضارةٍ نافعة-.. كيف يمكن لحرب إيران منح دول العالم -فا ...
- -لم نضطر لقتل الناس أو إغلاق هرمز-.. أوباما يرد على انتقادات ...
- العثور على جثة جندية أمريكية مفقودة خلال مناورات -الأسد الأف ...
- حرب إيران تهيمن على قمة ترامب وشي وتعيد رسم التحالفات في الش ...
- عاجل | الرئيس الأمريكي يصل إلى قاعة الشعب الكبرى في بكين لعق ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - أزمة الوعي حين يتراجع العقل أمام الولاء الضيّق