أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فريدة لقشيشي - سيمفونية الريف: ترتيلة التراب والنور














المزيد.....

سيمفونية الريف: ترتيلة التراب والنور


فريدة لقشيشي

الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 23:27
المحور: الادب والفن
    


.....

يبدأ النهار في الريف كما تُفتح نافذة على الفردوس.
الضوء يتسلّل بخطى خاشعة فوق الأعشاب، فيوقظ الأزهار من نومها ويغري الطيور بالتحليق نحو المدى.
في هذا المكان، كل شيء ينطق وإن صمت، وكل سكونٍ يحمل معنى.

كانت الحقول ممدودة كأذرعٍ تستقبل البركة.
الندى يصلي على أوراق النعناع، والريحان يتهجّى أسماء الله مع النسيم.
من بعيد، يُسمع نايٌ وحيد، لا يعزف لحناً بقدر ما يبوح بحنينٍ لا يُعرف مصدره.
أغمضتُ عيني وأصغيتُ إلى الأرض وهي تتنفس، فسمعتُ نبض الكون يمرّ بين الجذور.

قال جدّي ذات صباح:
الفجر في الريف لا يُشرق، بل يُبعث.
ولم أفهم آنذاك. اليوم فقط أدركت أن الشمس هنا لا تأتي لتضيء، بل لتشهد صلاة الخلق في محراب الضوء.

الناس في الريف لا يتكلمون كثيراً، فالأرض تكره الضجيج.
كل كلمة تُقال تُزرع في الصمت مثل بذرة، تنبت بعد حين في القلب.
حين رأيت العجوز يجلس تحت شجرة الزيتون، يربّت على جذعها كأنما على كتف صديقٍ قديم، سألته:
أتتحدث إلى نفسك؟
ابتسم وقال:
بل إلى الأرض، هي الوحيدة التي تُصغي دون أن تُقاطع.

مع الغروب تتبدّل الموسيقى.
السماء تصطبغ بلونٍ نحاسيّ، والحقول تصير ذهبية كأنها تتهيأ للصلاة.
الأبقار العائدة من المرعى تمشي ببطءٍ صوفيّ، والطيور تودّع النهار بنغمةٍ تشبه الحمد.
حين يغمر الليل القرى، لا يكون ظلاماً بل سكينة،
والنجوم تُشعل قناديلها فوق السطوح كمن يصلّي على نية الطمأنينة.

أجلس قرب النهر، أراقب القمر وهو يسكب ضوءه على وجه الماء.
كأنه درويش أبيض يدور في حضرة الوجود، يسبّح دون أن ينطق.
أتنفّس بعمق وأقول لنفسي:
كم نحن غرباء حين ننسى الأرض، وكم نصبح من أهلها حين نعود إليها.

عند تلك اللحظة، شعرت أنني جزء من التربة،
أن في عروقي شيئًا من نَفَس البذور،
وأن كل ما ظننته بعيدًا كان يناديني منذ البدء.

من قلب الطين
تعلو صلاة السنابل
الله في النسيم

في النهاية، لا يعود الريف أرضًا نزرعها، بل روحًا تُزرع فينا.
كل نغمةٍ من سيمفونيته تعلّمنا الصبر،
وكل سنبلةٍ تنحني تذكّرنا أن التواضع شكلٌ آخر من النور.
نحن لا نحيا لنملك الحقول، بل لنصير جزءًا من ترتيلها الأبدي،
حيث التراب والحبّ والمطر وجوهٌ مختلفة لرحمةٍ واحدة.

تسكنني سنبلة
كلما انحنت تواضعًا
ازداد قلبي نورًا



#فريدة_لقشيشي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نشيد الخراب الصامت
- إنحراف وتيرة -
- فكرة ..
- حِبرُ العِصيان...
- -ذكريات عالقة: حيث يبقى الماضي في الحاضر-
- تحية خاصة ..
- قصة إنجاز ..
- قناع بلا لون ...
- حين يكتب ...
- 🦜 لا تعرف ..
- طريق لم يُكتب لنا ..
- الغدر ..2
- الغدر... قِلة حيلة ..
- على ضفاف العتبِ ..
- عتاب على ضفاف الود
- 🦜 قرات لك مع التصرف ....
- ظلال الإنتظار ..
- الشعر هوايتي ..
- أختي ..
- تحت سماء الحلم ..


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فريدة لقشيشي - سيمفونية الريف: ترتيلة التراب والنور