علاء موفق رشيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8686 - 2026 / 4 / 23 - 09:16
المحور:
الادب والفن
أبعاد الشر بين السلطة القمعية والفساد الاقتصادي:
لا يقدم مسلسل "عيلة الملك، إخراج محمد عبد العزيز، تأليف وسيناريو وحوار: معن سقباني، شادي كيوان، ميادة إبراهيم"، ما هو مختلف عن عديد المسلسلات السورية المنتجة في السنوات الأخيرة والتي تتمحور حول العلاقة بين السلطة السياسية والعسكرية والفساد المالي والاقتصادي، ورغم محاولات السيناريو المتعددة لتناول حكايات أو إحالات إلى الثورة السورية، فإن المعالجة لهذه الحكايات لم تكتمل ولم تتعد الذكر العابر في السرد الدرامي. تقدم النصوص التقديمية للمسلسل الحكاية المركزية على الشكل التالي: "في دمشق المثقلة بالتحولات عام 2024، يسقط رجل الأعمال النافذ جبري المالك في قبضة نظام متهالك، ليترك خلفه إمبراطورية يتصارع عليها أقرب الناس إليه في حربٍ عائلية ضروس وقودها الجشع. وبينما يظن الجميع أن أثره قد مُحي، ينهار النظام ويخرج المالك من ظلمات المعتقل كالشبح، ليعيد ترتيب أوراقه في مشهدٍ يعج بالانتقام، وتتكشف خيانات وتحالفات دموية كانت تحاك تحت الرماد، مهددةً بحرق كل من تجرأ على وراثة العرش".
إذاً، تتمحور الحكاية حول عائلة "جبري الملك" وهو رجل أعمال، تتداخل أعماله الاقتصادية مع الدولة والسلطة، يوزع حقائب المال على المسؤولين ليضمن موقعه ويغطي على أعماله الشرعية وغير الشرعية. لقد جمع أمواله بالاستفادة من الفساد والصفقات المشبوهة، ويصور في بداية المسلسل فيديو في غرفة معزولة ومليئة بالأموال، ورغم دفعه الأتاوات للمسؤولين إلا أن النظام الأمني الحاكم يطمع بباقي أمواله، فيسجنه ويعرضه للتعذيب ويخبر عائلته بعد فترة بموته في السجن، تجري عملية الدفن بهدوء ولا يسمح للعائلة بفتح الكفن، ليتكشفوا لاحقاً أن قبره فارغ، وتتفرع باقي حكايات المسلسل من الصراع بين الأبناء والبنات على الورثة وتقسيم الحصص والصراع مع الدولة للحصول على إرث الرجل الثري المختفي.
صراع الشخصيات بين الانتهازية القصوى والمثالية العاجزة:
أبرز شخصيات المسلسل الابن الأكبر "مازن"، أكثر الشخصيات طمعاً وانتهازية، يدير معمل علكة، تغلف بصور شخصيات أفلام الكرتون، توحي عمله بأنه يعيش طفولة مستمرة، كأنه لا يريد الخروج من الطفولة، أو يرغب في استعادتها على الدوام، تربطه صفقات وعلاقات ابتزاز ونهب أموال مع رجال الدولة، التي يجسدها رجال المخابرات والأمن من جهة أولى، وأعضاء الحزب الحاكم من الجهة الأخرى. "مازن" معجب بسلالة الزعيم الكوري الشمالي "كيم جونغ أون"، ويأمل بإقامة علاقات سياسية وتجارية مع كوريا الشمالية، ويشكر ويمدح دوماً في حديثه الرئيس "بشار الأسد": "لولا سيادتو ما منسوا قشرة بصلة"، بالإضافة إلى أنه يقتبس أسلوبه في الحديث، حيث يعرف كل المفاهيم والمصطلحات التي تمر على سمعه: "الموت. ما هو الموت؟ فلنعرفه، هو فكرة، حق، هو كاس بدو يمر على كل الناس. والله يحمي السيد الرئيس". تجري اللقاءات بين "مازن" والمسؤولين الحزبين في المعمل فيقف العمال ويهتفون جميعاً "بالروح بالدم نفديك يا بشار"، ويقابل "مازن" رجال المخابرات في سيارات مغلقة وفي المطارات العسكرية أو في طيارات الهيلكوبتر. ينتج "مازن" علباً من العلكة بطيع عليها صور رجال الدولة ويقدمها هدايا لهم، متزوج من امرأة لعوب سيدبر موتها بحادث سيارة حين يكتشف خيانتها له، وسيرتبط بالزواج في القسم الأخير من حكاية المسلسل، من "خولة" خطيبة وحبيبة أخيه "عوني".
الأخ "عوني" هو الأكثر أخلاقية وغيرية بين مجموع الشخصيات التي تتشكل منها عائلة الملك، ميله السياسي للمعارضة دون أن يحمل أبعاداً سياسية، يبدأ المسلسل مع حكاية اعتقاله بسبب رأيه، ثم يتدخل والده لإخراجه، يعتقد وحده في تلك المرحلة التاريخية، 2024، بأن النظام الأسدي قارب على السقوط، يكرر عبارة "لولحت" بمعنى النظام آيل للسقوط، في وقت كل الشخصيات الأخرى من حوله تعتقد أن النظام الأسدي يعيد "تعويم" نفسه.
نعيش عبر حكاية الشخصية "خولة" صعوبة عيش الأهالي مع حالات الاختفاء القسري بين أقاربهم ومعارفهم، ف"خولة" أدخلت الدواء والأغذية إلى منطقة الغوطة المحاصرة، مما عرضها للاعتقال، وتحت التعذيب اعترفت على أنشطتها، وعلى أنشطة أختها "مريم" الناشطة المدنية والسلمية في الحراك الثوري. فتتعرض الأخت "مريم" للاعتقال، ويتم إعلام عائلتها بعد فترة عن موتها في المعتقل، إلا أن الأخت "خولة" مازالت تبحث عنها، وتنتقل بين الفرع الأمني والآخر للسؤال عنها، وتسجل الفيديوهات التي تطالب عبرها بمعرفة مصير أختها. تقول "خولة" في فيديو: "أنا خولة الأيوبي، كنت عم وصل أدوية للغوطة، بوقتها كانت الغوطة محاصرة، وما فيها لا أدوية ولا أكل، اعتقلوني، وعذبوني كتير، اعترفت ع حالي وع أختي مريم، أنا كنت السبب باعتقالها، ومتلها متايل، هي البلد سجن كبير، يبقولو أنها ميتة، بس أنا بحس أنها عايشة، عايشة".
ايديولوجيا الراقصة الموالية ودوافع الناشطة الثورية:
من الشخصيات التي تحمل أبعاداً سياسية، الأخت الناشطة "هنادي"، لا تظهر الشخصية حتى الحلقة العاشرة، وهي مقيمة في بيروت تعمل في مجال النشاط التوثيقي لانتهاكات حقوق الإنسان، ولذلك حينما تصل إلى دمشق، تصور فيديو ل"خولة" التي تبحث عن أختها المفقودة قسرياً، وتتعرض "هنادي" للاعتقال من قبل الأمن الذي يرغب الحصول منها على تنازل عن حصتها في الورثة، وحين تخرج تصور مباشرة فيديو وتنشره على وسائل التواصل الاجتماعي، تقول "هنادي": "لكل يلي عم يسمعوني ويشوفوني، أنا هنادي جبري الملك، من فترة كنت مخطوفة، ويلي خاطفني فرع أمني بالبلد، ووقعوني على تنازل عن كل أملاكي، واتصلوا بأهلي وطلبوا فدية". وتجسد الحوارات التي تجري بين الناشطة "هنادي" وزوجة أبيها الراقصة "لوزة"، تجسيداً دقيقاً لمجموعة من الحوارات التي كانت تجري في المجتمع السوري خلال الأعوام المنصرمة بين الموالاة والمعارضة، هذه المفارقة القائمة بين الشخصيتين تنتج حوارات سياسية واجتماعية.
الراقصة "لوزة": "لشو تعملي فيها معارضة؟ لك شو ناقصها البلد؟"
الناشطة "هنادي": "كرامة الناس يلي صارت بالأراضي، وولادهن يلي صاروا ما بيعرفوا وينون. وهالناس الضعيفة والخايفة مين بدو يحكي بإسمها؟".
الراقصة "لوزة": "الحرية أنا عندي أنو اطلع اشتغل بالليل وارجع على بيتي وجه الصبح، وما حدا يحاكيني شي".
الناشطة "هنادي": "بس أنا من الناس يلي ما قدرت تنسى شو عم يصير حوالي".
الراقصة "لوزة": "أنا بنام، وبقول إني ما شفت شي وإنشا الله ما بشوف شي".
وتقدم الراقصة "لوزة" العديد من الحجج التي كان يقدمها الموالاة في تلك الفترة من قبيل: "التعليم مجاني، الطبابة مجانية، الأمن والأمان.. ألخ".
تجيب الناشطة "هنادي": "بس فوق هدول لازم يكون عندون كمان حرية وكرامة، وقدرة أنو يقول لاء".
تحاول الراقصة "لوزة" صاحبة السلطة والنفوذ أن تقنع الناشطة "هنادي" بالعدول عن النشاط الثوري، والعودة إلى حضن الوطن وتسوية وضعها، وهي ضغوط كثيراً ما تعرض لها الناشطون في تلك الفترة الزمنية التي يرصدها المسلسل.
الناشطة "هنادي": "ما بقدر أقعد هيك، أنا لازم اعمل شي لازم أتحرك".
الراقصة "لوزة": "سمعي مني، خليني زبطلك أمورك، وترجعي لحضن الوطن، كوفي شوب الوطن، مكتبات الوطن، البلد رايحة ع الأحسن".
الناشطة "هنادي": "يا ريت، يا ريت فيني أرجع أعد بهالوطن، أنا اذا قبلت زبط وضعي، بحس حالي ما عملت شي، بحس كل شي ناضلت وعشت مشانو، نهد بلحظة".
الراقصة "لوزة": "سمعي مني، قال ما متنا بس شفنا مين مات. هالبلد ركزت".
الناشطة "هنادي": "ركزت؟ هي البلد بعمرها ما بتزبط، هي بلد بدها ثورة".
الراقصة "لوزة": خلونا نعرف نعيش، مين بدو يستلم؟ هي البلد غيرو ما رح يستلمها".
الناشطة "هنادي": "في أنتي؟"
الراقصة "لوزة": "هادا يلي ناقص، تسلمي البلد لراقصة، شو بدها تعلم فيها، بدها تهزها ع الوحدة ونص؟"
الناشطة "هنادي": "أحسن ما تهزها البراميل".
تحتمل الناشطة "هنادي" الكثير من الضغوطات الاجتماعية والسلطوية في مقابل استمرارها في الحفاظ على آرائها السياسية ونشاطها الثوري المدني السلمي، فحتى أخيها "عوني" أقرب الشخصيات إلى آراء "هنادي" السياسية، يحاول في احدى حلقات المسلسل أن يثنيها عن فاعليتها الثورية، فيجري بينهما الحوار التالي:
هنادي: "في ملف بدي ياه ضروري".
عوني: "ملف شو؟ مالك شايفة النظام عم يطبع مع الكل، ما عاد يفيدك هادا الملف ولا غيرو".
هنادي: "لا مو صحيح، شايف كل هالتطبيع، بفيديو واحد متل فيديو حفرة التضامن بيرجع بيخرب كلو".
عوني: "شايفة إذا بيعملوا ساحة الأمويين حفرة ويحطونا كلنا بقلبها، مارح يقدم ولا يأخر".
الجشع في دمشق النخبة، والخصومات في دمشق القاع:
تتضمن الأمكنة التي يقدمها المسلسل بالإضافة إلى نوعها الواقعي، إحالات رمزية إلى الفئات الاجتماعية والثقافية والطبقات الاقتصادية، ويمكن أن نمركزها بين معمل العلكة ومصبغة الملابس، في المكان الأول معمل العلكة يجري كل ما يتعلق بالاحتيال والفساد والصفقات المشبوهة، وحتى تجري فيه بعض الاعتقالات الأمنية واللقاءات الحزبية، ويعتبر المكان المركزي للشخصيات ذات السمات غير الأخلاقية، أما المكان الثاني مصبغة الملابس فهو يرمز إلى الفئات الشعبية والمهمشة وتجري فيه أحداث الحب، والصفاء، وأفعال التمرد السياسي، ولذلك هو المكان المركزي للشخصيات ذات السمات الأخلاقية. وهكذا تقسم الحكاية دمشق إلى طبقتين، إلى فئتين اجتماعيتين، إلى رأيين سياسيين.
تتصدى الحكايات في مسلسل "عيلة الملك" إلى مهمة صعبة، وهي رصد الحال السياسي والاجتماعي والاقتصادي في دمشق، واحدة من أدق مراحل البلاد التاريخية دقة، وأكثرها تنوعاً في الآراء السياسية والسلوكيات الاجتماعية والمفرزات الثقافية، وهو مشروع يضاف إلى سلسلة الأعمال التلفزيونية المتميزة والمبدعة التي يستثمر فيها المخرج "محمد عبد العزيز" كل المميزات الفنية والسردية والجمالية لنوع المسلسل التلفزيوني، بغاية إبداع تحية إلى المدينة التي تبدو ملهمته الأكبر والأسمى، دمشق. منذ فيلمه "دمشق مع حبي، 2010" حيث دمشق التنوع الديني والثقافي، ومن ثم "شارع شيكاغو، 2020" حيث دمشق الثقافة والصحافة والغناء والسهر، تالياً دمشق العشرينيات والثلاثينيات ودخول السينما وصناعة أول فيلم سوري في "ليالي روكسي، 2025"، وصولاً إلى دمشق المعاصرة في "ترجمان الأشواق، 2019"، و"عيلة الملك، 2026". كل منها أشبه بقصيدة أو لعبة قصصية لتجسيد جوانب المدينة دمشق اللامتناهية.
علاء رشيدي
#علاء_موفق_رشيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟