علاء موفق رشيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 13:21
المحور:
الادب والفن
انعقد بين 24-31 آذار في "قصر الثقافة وبيت الشعر"، مهرجان "أيام الشارقة المسرحية"، في الدورة ال35، التي قدمتها دائرة الثقافة: "تأتي أيام الشارقة المسرحية في كل عام، فتجيء معها قوافل الذكريات والحكايات والأحلام، لتتجلى فوق منصتها مواقف وحالات وتحولات مجلوة بالألوان والأنوار، آخذة من عبق الماضي عراقتها، ومن نبض الحاضر عنفوانها، ومن المستقبل تطلعاتها وأحلامها".
افتتح المهرجان بعرض "الهاربات، من المسرح التونسي، إعداد وإخراج وفاء الطبوبي"، الحائز على جائزة أفضل عرض مسرحي عربي، تقول المخرجة: "العنوان عندي هو جزء من العمل نفسه، وله دلالات متعددة، فالعنوان الذي لا يستفز المتفرج ولا يثير فضوله ليغادر بيته ويأتي إلى المسرح، لا يعني لي الكثير، أحب أن يخلق العنوان أسئلة قبل الدخول إلى القاعة، هل الشخصيات هاربات فعلاً؟ من ماذا تهرب؟ لا شيء في الهاربات جاء بالمصادفة، النص مبني على فحص علمي واجتماعي، توضح بأن الكثير من العاملين في الوظائف الهشة هن نساء يعملن في أعمال تجمع بين الهشاشة الجسدية والاقتصادية والاجتماعية. أرى أن هذه الشخصيات في العمل شخصيات واعية تماماً بواقعها، وتتحمل مسؤولية خيراتها إلى حد كبير، هن صاحبات وعي، لكن خياراتهن محاصرة ضمن منظومة قاسية.
عرض "تخيل، تأليف: أحمد الماجد، إخراج: مرتضى جمعة" هو دراما عن التفرد والتقيد، تتخيل مدينة اعتمدت الصراخ وصار الهدوء فيها نقمة، تخيل إنساناً حافظ على صوته الداخلي وسط ضجيج العالم. تخيل دعوة للتأمل في سؤال بسيط: هل نصرخ لأننا أردنا ذلك أم لأن الجميع يصرخ؟ هذه الكلمات تعبر عن كلمة المخرج في بروشور العرض. ليكشف عن صراع الإنسان مع ضغوط الحياة وتوقعتا الآخرين. ويفتح باب التساؤل حول الذات والخوف والقدرة على المواجهة، ليدعونا في النهاية إلى التفكير في مسارات حياتنا والسعي نحو واقع أكثر صدقاً وحرية. يتناول العرض فكرة العنف البشري بوصفها لغة العصر السائدة، وذلك من خلال قصة رجل يعيش مع زوجته في قرية لا يتواصل أهلها إلا بالصراخ، وفي مقابل ذلك، يرفض الزوج هذا الأسلوب بوصفه لغة همجية لا تليق بالتعامل الإنساني، متمسكاً بلغة العقل والمنطق، الأمر الذي يعله منبوذاً وعرضة لموجات من القهر من أهالي القرية، الذين يحاولون إخضاعه وإجباره على تبني لغتهم.
عرض "حين اختارت الروح الوقوف، تأليف: عبد الله إسماعيل عبد الله. إخراج: عيسى كايد"، هو دراما عن الهوية، والانتماء يغوص في أعماق الصراع الأزلي بين صاحب الأرض الأصيل، والمحتل الغريب، وذلك من خلال بنية درامية تعتمد على تكنيك الاسترجاع الزمني وحوارات مشحونة بالشعرية والمجاز، فالكاتب والمخرج يضعاننا أمام محاكمة تاريخية وأخلاقية، تُسائل مفهوم العقود والمواثيق في ظل اختلال موازين القوى. ويأتي عرض "سنعيدها سيرتها الأولى، تأليف وإخراج: علي جمال"، كاشفاً وموحياً للوهلة الأولى أننا سنشاهد عرضاً يتحرك في بنية درامية دائرية، فنحن أمام ثنائية تجمع بين سيدة تعيش في مكب القمامة، وكرسي متهالك، يعيشان معاً في حالة من الصراع المزدوج بين بعضهما بعضاً من جهة وبين سلطة المجتمع من جهة أخرى. فكرة رمزية اكتسبت جمالها من بساطتها، فقد تمت أنسنة الكرسي من قطعة ديكور تؤدي دورها الوظيفي المعروف إلى رمز منتج للمعنى، فصار معبراً عن السلطة والقهر الاجتماعي والاستغلال الطبقي أيضاً. في السياق ذاته بنى المخرج السينوغراف على صورته مركزاً على السيدة والكرسي في بؤرة المشهد باستمرار.
ويروي عرض "غياهب الروح، تأليف: عبد الله إسماعيل عبد الله، إخراج: عبد الرحمن الملا"، حكاية قرية محاصرة في الخوف، تستسلم لسلطة طقس غامض يحول الجماعة إلى كيان مذعور يعيد أنتج عنفه بيديه، كاشفاً عن مأساة "سهاد" التي تفقد طفلتها نتيجة امتثالها لنظام قائم على الرهبة والتضحية، فيما تتجلى "سراب" بوصفها حارسة للذاكرة، ويمثل "عصام" شخصية مترددة ومستسلمة، بينما يتجسد "لؤي" مهيمناً ومرعباً داخل الجماعة. ومن العناصر اللافتة في العرض بناء حركة الجوقة التي تتخذ في المشاهد الطقسية شكل أداء تعبيري مؤسلب ومنتظم، فهي تتحرك كجسد جمعي خاضع لإيقاع أعلى منه، على نحو يكشف كيف تتحول الجماعة إلى كتلة فاقدة لفرادتها. ومن خلال الجوقة يتضح أن غياهب الروح لا يتحدث عن طاغية فرد فقط، بل عن جماعة أخرى جرى تشكيلها حركياً ووجدانياً لتخدم استمرار الطغيان. إن ما يمنح "غياهب الروح" قيمته الفنية هو قدرته على إحكام مفرداته التقنية وجمعها داخل رؤية متماسكة.
بينما لا يكتفي العرض التاريخي "قاموس الاختفاءات، عن رواية للكاتب المسرحي السوري "وليد سيف"، إعداد وإخراج: مهند كريم" بطرح وقائع تاريخية وإعادة تمثيلها، بل ينفذ إلى ورائها، حيث تتقاطع الحقيقة مع الوهم، وأمام هذا يقف المتلقي أمام سؤال حول مصداقية التاريخ، باعتباره مادة قابلة لإعادة القراءة وليس سردية مكتملة ونهائية، هو يؤكد ذلك بكلمته في بروشور العرض: "الذكريات مجرد تفسيرات، ليست سجلاً حقيقياً للمآسي". المخرج بوضعنا أمام عرض ما بعد ردامي، ولا مكان للدراما التقليدية فيه، فالتقط من التاريخ الأندلسي شخصيتي محمد بن أبي عامر، وصبح الشبكية جدارية الخليفة الحكم المستنصر، وبنى أحداثه على علاقتهما، فقد تحالف ابن أبي عامر معها ومع كبارة القادة، ما وسع نفوذه في مركز الحكم وسهل له إقصاء هشام المؤيد بالله ابن المستنصر لصغر سنه، حتى أصبح الحاكم الفعلي للأندلس وحولها إلى قوة عظمى في الغرب الإسلامي.
ويبدأ العرض المسرحي "أنت لست جارا، " بخطبة لرئيس البلدية حول غارا البطل الذي مات شهيداً وهو يدافع عن وطنه، فتحتفي به مدينته وتنصب له تمثالاً في وسط المدينة تخليداً لذكراه ولبطولاته الحربية، حيث يمتد هذا التكريم إلى تغيير اسم المدينة لتصبح جاراتابورا، ومع تنامي الحدث المسرحي وظهور شخصية غارا ليهدم تلك الأسطورة التي بنيت حوله، فهو لم يذهب إلى الحرب بدافع وطني بل أراد الهرب من زوجته، وقد بنيت أسطورته من خلال سوء الفهم والمصادفة والنجاة والعشوائية وتزوير السرد. ومع تامي الحدث يقرر رئيس البلدية أن الأسطورة أهم من الفرد، وأن الناس يحتاجون إلى البطل المنتصر، لقلط قتل غارا لتحيا الأسطورة وحتى لو كانت مزيفة.
يكتب الباحث "راشد مصطفى بخيت" تحت عنوان "فتنة السرد ووهج الفرجة الشعبية" عن عرض "هير قرموشه، تأليف: إسماعيل عبد الله، إخراج: محمد العامري": "اللغة الشعرية الكثيفة التي كتب بها النص، والنثر المتدفق سجعاً، والمجازات والاستعارات، تميز نصوص المؤلف المسرحي إسماعيل عبد الله، وهو من ضمن النصوص التي يشتغل فيها المؤلف على التراث، ويجتبي قاموسه اللغوي وحكاياته الدرامية من المزاوجة بين الخيال والواقع وهجرة النصوص المسرحية، وبعض أشكال الفنون الأدائية الشعبية، ممزوجاً بتقاليد السرد الملحم، ووفياً لصوت اللهجة واللسان المحلي. فمن عوالم فريدريش دورنيمات المثقلة بواقع ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبشاعة السقوط الأخلاقي، وأفانين تحقيق المآرب الذاتية، والطمع، والانتقام. يضعنا نص هير قرموشة قبالة سواحل الخليج العربي ومصائد اللؤلؤ، منتقياً ثيمتي البحث عن العدالة والانتقام، خيطاً يطرز به حكايته الملحمية، وبناء يعرفنا عبره إلى بعض فنون التراث المحلي. تحكي قصة هير قرموشة عن ظلم بعض الأجيال القديمة لامرأة بسيطة، يتآمر عليها بنوا جلدتها ويشوهون سمعتها كذباً وافتراءً بدافع الطمع في خريطة تدل على موقع الهير الحافل بكنوز البحر".
ويكتب "سامي الجمعان" عن عرض "نصف ليلى، تأليف: أحمد الماجد، وإخراج: إلهام محمد"، تحت عنوان: "فلامنجو الأنا والآخر: إنه عرض مسرحي يتجاوز بثرائه مجرد اختزاله غي عبارة المواجهة الأبدية بن الثنائية الضدية المعهودة، الرجل والمرأة، السيد والسيدة، الذكر والأنقى. برؤية إخراجية تنطلق من النص، حيث تمسك فيه الشخصية الرئيسية المرأة بزمام الخطاب، حتى غدونا أمام خطاب نسوي خالص، يترجم النسوية وصوتها العالي بالشكل الذي طرحته هذه النظرية انتصاراً لحقوق النساء. فكرة النص قائمة على لحظة حياتية ممتدة، تتجلى فيها تحولات رية لامرأتين تشكلان زوجين لرجل واحد، ورغم أن الفصل بين شخصيتي السيدتين لم يكن تقليدياً في بنيته الدرامية. فإننا صرنا نراهما صورة امرأة واحدة تتشظى إلى صورتين الأولى تحكمها العاطفة، والثانية يحكمها العقل. وبينهما زوج تقليدي سلبهما الحياة والضوء والبهجة، لذا تنطلق الحكاية من أرذل العمر، حيث تحولت الحياة إلى صمت ووجوم، ولا شيء يلوح في الأفق سوى تذكر الراحلين الذين يختطفهم الموت منا. هذا ما جعل من "الانتظار" تيمة فاعلة في هذا العرض، فالسيدتان تنتظران مجرد أشباح. حتى إن الصمت والفقد والوحشة كانت سبباً في تحريك الذاكرة وإطلاق قافلة الروح.
الملتقى الفكري الهوية البصرية للمخرج المسرحي بين الثبات والتحول.
ويأتي الملتقى الفكري المصاحب للدورة 35 من الأيام المسرحية تحت عنوان "الهوية البصرية للمخرج المسرحي بين الثبات والتحول"، ويهدف إلى تسليط الضوء على التحديات المتعلقة بصناعة "الهوية البصرية" للمخرج المسرحي، بصفتها نتاجاً تراكمياً يميز منجزه الاخراجي، استهلت الممثلة والمخرجة "لبنى مليكة" الجلسة الأولى من واقع تجربتها الفنية الشخصية، حيث تحدثت عن تجربة شخصية عاشتها بصفتها ممثلة عبر مسارات إخراجية متعددة، حيث لفتت انتباهها في هذه التجربة مجموعة من الملاحظات حول الهوية البصرية، انطلاقاً من سؤال بسيط هو: هل يمكن للمثل أن يكون هو أيضاً عنصراً مولداً للهوية البصرية للعرض؟ حيث أكدت أن الجسد لا يقتصر دوره على أداء شخصية أو نقل معنى، بل هو يسهم في خلق الفضاء واقتراح الصور وبناء الجو العام للعرض من خلال حركته وطاقته. وفي ورقته أو ضح "محمد عبد المنعم" أن مفهومه للهوية البصرية أنها النسق الجمالي المتكرر عند المخرج، الذي يمكن لنا أن ننسب إليه العرض من خلال علاماته البصرية، التي تتمثل في عناصر السينوغرافيا ومفرداتها، وفي هذه الحالة يمكن اعتبارها البصمة التشكيلية للمخرج. وانطلقت ورقة "عمر فرج" من بيان أثر التكنولوجيا الرقمية في السنوات العشر الأخيرة التي كان لها تأثير كبير على الفن المعاصر، إذ ساعدت في إعادة تأهيل العمل المسرحي من حيث تأسيس الجماليات له، مؤكداً على الدور الكبير الذي تلعبه المؤثرات والتقنيات في المسرح المعاصر. وتناول "زياد عدوان" تجربة الفرنسي "فيليب جانتي" التي تنتمي إلى مسرح الصورة، وتنطلق من سياق فكري يشهد أزمة في مفاهيم الهوية، واللغة في العصر الحديث، ما دفع المسرح إلى مساءلة أدواته التقليدية والبحث عن أشكال تعبير جديدة تتجاوز النص والحبكة. وقدم المتحدث نموذجاً متقدماً لهذا التحول عند جانتي يعتمد على الدمى، ومسرحة الأشياء، وتوظيف الفضاءات المجردة، ليخلق عالماً بصرياً قائماً بذاته، قابلاً للفهم عالمياً دون الحاجة إلى ترجمة ثقافية. في هذا المسرح لا يكون البصري مجلاد عنصر جمالي، بل لغة أساسية تخاطب الحواس واللاوعي.
أما "حسام المسعدي" فتساءل في ورقته التي خصصها لدراسة تجربة المخرج التونسي "توفيق الجبالي"، التي تعتمد الهوية البصرية عنده على ثلاث ثنائيات تحليلية: الاختلاف والتكرار، البسيط والمركب، المركز والهامش. وبدوره قدم "محمد الكشو" قراءة تحليلية لنمطية الإخراج عند التونسي "منير العرقي" من خلال مقارنة لعرضين مفصلين في تجربته، "القبلة" و"ما يراوش". وكشفت القراءة عن تحولات رؤية "منير العرقي" الإخراجية، ففي "القبلة" يهيمن البعد الفردي، وظيهر الفضاء واسعاً والحركة محدودة، والمسافات بين الشخصيات كبيرة، أما في مسرحية "مايراوش" فيصنع نموذداً مغايراً يقوم على الجماعة والتيه. وناقش "علاء رشيدي" مفهوم الهوية البصرية في المسرح ضمن إطار سميولوجي، ممثلاً لذلك بتجارب فرقة "كون" المسرحية، ومؤسسها المخرج المسرحي "أسامة حلال"، وانطلقت الورقة من فكرة أساسية مفادها أن العرض المسرحي يعد منومة من العلامات البصرية والصوتية التي يتفاعل معها المتلقي ويؤولها بحيث يصبح الجمهور شريكاً أساسياً في إنتاج المعنى. وناقش البحث عدة محاورلا أساسية تسهم في تشكيل الهوية البصرية، أبرزها: المكان، الفضاء المسرحي، التشكيلات الحركية، الغرض المسرحي، والأداءات والفنون الشعبية. وبين كيف تغير دلالات هذه العناصر حسب توظيفها، واختتم بقوله: "الهوية البصرية ليست عنصراً جمالياً فقط، بل أداة فكرية وجمالية تسهم في بناء الخطاب المسرحي وإيصال معانيه بعمق وتأثير".
#علاء_موفق_رشيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟